Top
Image Alt

شروط اختيار إمام شرعي

  /  شروط اختيار إمام شرعي

شروط اختيار إمام شرعي

ليست أمانة الحكم في الإسلام أمرًا هينًا، بل هي عبء يتطلب فيمن يتصدى لحمله قدرات معينة وصفات خاصة، تجعله يؤدي هذه الأمانة على الصورة التي يحرص عليها الإسلام، فالأمر هنا لا يتعلق بمصير فرد ولا عدة أفراد، بل يتعلق بمصير الأمة الإسلامية كلها، فالمبدأ العام في الإسلام -إذًا- أن يحمل الأمانة من يستطيع حملها وألا يوسد الأمر إلى غير أهله؛ ومن هنا وضع علماء المسلمين شروطًا لكل من يتصدى لهذه المسئولية الجليلة، وهي ولاية أمر الأمة الإسلامية.

وقبل أن نتحدث عن هذه الشروط, ينبغي أن نشير أولًا إلى أن الدور الأساسي في تحقيقها يقع على كاهل أهل الحل والعقد، أو جمهور الناخبين بصفة عامة، فعلى تقدير هؤلاء وإدراكهم لجسامة المسئولية, وحسن استخدامهم لميزان الإسلام في الحكم على الرجال, يتوقف اختيار الحاكم الصالح.

ومن هنا يمكن القول: إن الوسيلة الأساسية لتعيين الإمام الكفء تتمثل في وجود جمهور مسلم واعٍ يعرف كيف يحسن الاختيار، فإذا فقد هذا الجمهور أو ممثلوه الثقافة السياسية الرشيدة والوعي الديني العميق؛ فلن يأتي اختيارهم محققًا للشروط التي وضعها علماء المسلمين للحاكم الصحيح, مهما أسهب العلماء في بيان ضرورتها وأهميتها. فما هذه الشروط؟ يجدر بنا أولًا أن نسجل ما ذكره الجويني, ثم الماوردي, ثم ابن خلدون بهذا الخصوص بإيجاز.

فالجويني تكلم عن صفات الإمام أو شروطه، وذكر منها ما يتعلق بالحواس, ومنها ما يتعلق بالأعضاء وتمام الخلقة، ومنها ما يرتبط بالصفات اللازمة؛ كالنسب والذكورة والحرية والبلوغ والذكاء والفطنة والشجاعة والشهامة, ومنها ما يتعلق بالفضائل أو الصفات المكتسبة كالعلم والتقوى والورع وتوقد الرأي.

ويقول الماوردي: “وأما أهل الإمامة, فالشروط المعتبرة فيهم سبعة:

أحدها: العدالة على شروطها الجامعة.

الثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد, في النوازل والأحكام.

الثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان؛ ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

الرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة, وسرعة النهوض.

الخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.

السادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة, وجهاد العدو.

السابع: النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه, وانعقاد الإجماع عليه”.

ويقدم ابن خلدون هذه الشروط بصورة قريبة من ذلك, فيقول: “وأما شروط هذا المنصب -يقصد الخلافة- فهي أربعة: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل، واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي”. ثم يتناول ابن خلدون كل شرط من هذه الشروط بالتعليق والمناقشة.

ونلقي نظرة ثانية على هذه الشروط, بالقدر الذي يفيدنا في بيان اهتمام علماء الإسلام بموضوعات السياسة الشرعية، ولا سيما نظام الحكم؛ وبخاصة شروط من يتقلد منصب الإمامة أو السياسة؛ فنقول: اشترط علماء الإسلام فيمن يتقلد منصب الإمامة أو الرئاسة الشروط التالية:

الشرط الأول: التكليف، وهذا الشرط يشمل الإسلام والبلوغ والعقل، فلا يجوز تولية غير المسلم لقوله تعالى: {لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]، كما لا تنعقد إمامة الصبي؛ لأن النظر في الأمور إلى غيره، فكيف يجوز أن يكون ناظرًا في أمور الأمة؟ ولا تنعقد أيضًا إمامة ذاهب العقل بجنون أو غيره أيضًا؛ لأن العقل آلة التدبير، فإذا فات العقل فات التدبير, وفاقد الشيء لا يعطيه في الحالتين –أي: حالة الصغر والعته أو الجنون- وفي الحديث الصحيح يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر أو حتى يبلغ أو حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل أو حتى يفيق)) حسب الروايات.

الشرط الثاني: الذكورة، فالولاية الكبرى لا تصلح لها المرأة باتفاق جمهور العلماء، ودليلهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))، والخليفة يحتاج أن يخلو بمستشاريه ويفاوض الخصوم, ويقود الجيوش ويقرر السلم أو الحرب، والمرأة لا تستطيع ذلك في الغالب، خاصة وأنه قد يعرض لها ما يمنعها من القيام بواجبات الخلافة، أو يقلل من فاعليتها في ذلك مثل: الحيض والنفاس والرضاعة وتربية الأولاد. كما أن المرأة سريعة الانفعال جياشة العاطفة، وشئون الأمة تحتاج إلى عقل راجح, ونظر بعيد لا يتأثر بمؤثرات الهوى والعاطفة، وليس في ذلك انتقاص للمرأة أو حطّ من قدرها؛ بل هو في الحقيقة تكريم لها وصون لعفتها، وحرص على ما تضطلع به من دور مهم في بناء الأجيال, فالمرأة خُلقت لتكون مستودع الرحمة والحنان، تقر في بيتها فتملؤه بالبهجة والسعادة؛ ومن ثم فإن تقليد المرأة في رئاسة الدولة وضع لها في غير موضعها الذي فطرت عليه.

ومع ذلك فقد أثار شرط الذكورة -وما يزال يثير- تساؤلًا كبيرًا ومهمًّا, فحواه: لماذا يحول الإسلام بين المرأة وتوليها الولاية العامة، وقد أثبتت في الآونة الأخيرة قدرتها السياسية؛ حيث وجدنا من يتولى رئاسة الوزراء أو الحكومة في بعض البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، في باكستان وتركيا والفلبين وبريطانيا وغيرها؟ ومع ذلك لسنا في موضع الدفاع عن هذا الرأي أو ذاك، ويكفينا أن نشير إلى تلك الشروط التي قررها المعنيون بالسياسة الشرعية قديمًا وحديثًا؛ لأن الوقت لا يتسع لمناقشات وتحليلات وترجيحات، ويمكن الرجوع إلى بعض المصادر التي عرضت لقضية المرأة ومكانتها في الإسلام.

الشرط الثالث: العدالة، وهي التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل وترك المعاصي وكل ما يخلّ بالمروءة؛ فلا بد أن يكون عفيفًا عن المحارم, لا يُعرف بشيء من الفسق والفجور, متوقيًا المآثم, بعيدًا عن الشبهة, صادق اللهجة, ظاهر الأمانة, معتدل المزاج, مألوفًا في الغضب والرضا، مثالًا في دينه ودنياه، فلا ينهض بمقاصد الإمامة إلا العدل؛ فإن من لا عدالة له لا يؤمن على نفسه, فضلًا عن أن يؤمن على عباد الله تعالى ويوثق به في تدبير دينهم ودنياهم، ومعلوم أن وازع الدين وعزيمة الورع لا تتم أمور الدين والدنيا إلا بهما، ومن لم يكن كذلك خبط في الضلالة وخلط في الجهالة، واتبع شهوات نفسه وآثرها على مراد الله تعالى ومراد عباده.

الشرط الرابع: العلم والثقافة، فلا بد أن يكون على درجة كبيرة من العلم والثقافة؛ ليتمكن من معرفة الحق من الباطل, وسياسة أمور الدولة, وتحقيق مصالح الأمة، ومفاوضة الخصوم والأعداء، وأول العلوم وأهمها العلم بالأحكام الإسلامية والسياسة الشرعية. وقد اشترط الفقهاء أن يبلغ الخليفة بعلمه درجة الاجتهاد، فيكون عنده القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، بحيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث والنوازل.

ويرى الحنفية والإمام الشاطبي وأبو حامد الغزالي أن هذا الشرط ليس ضروريًّا، وإنما يكفيه أن يحصل من العلم الشرعي ما يستطيع به قيادة الأمة، لا سيما إذا استعان بعلم غيره من كبار فقهاء الشريعة الإسلامية. يقول الشهرستاني: “ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك, حتى جوزوا أن يكون الإمام غير مجتهد ولا خبير بمواضع الاجتهاد؛ ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد، فيراجعه في الأحكام ويستفتيه في الحلال والحرام”.

وهذا في رأينا هو الصحيح؛ لأن المقصود من تنصيب الأئمة -كما يقول الشوكاني- هو تنفيذ أحكام الله عز وجل، فمن بايعه المسلمون وقام بهذه الأمور فقد تحمل أعباء الإمامة، ولا دليل على أنه لا يولى الأمر إلا من كان بهذه المنزلة من الكمال؛ فعليه أن ينتخب من العلماء المبرزين المجتهدين المحققين من يشاوره في الأمور، ويجريها على ما ورد به الشرع، ويجعل الخصومات إليهم, فما حكموا به كان عليه إنفاذه وما أمروا به فعله، وليس للإمام إذا لم يكن مجتهدًا أن يستبد بما يتعلق بأمور الدين، ولا يدخل نفسه في فصل الخصومات والحكم بين الناس فيما ينوبهم؛ لأن ذلك لا يكون إلا من مجتهد.

الشرط الخامس: الكفاية السياسية، والمقصود بهذا الشرط: أن يكون عالمًا بوجوه فن السياسة وتدبير المصالح، قادرًا على إدارة شئون البلاد والنهوض بتبعة الحكم وأعبائه، وأن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش، وسد الثغور وحماية البيضة, والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم.

الشرط السادس: أن يكون قرشيًّا, يقول الماوردي وغيره: “يشترط في الإمام أن يكون قرشيًّا” إلا أن هذا على خلاف بين الفقهاء؛ فقد ساروا في هذا على قولين:

القول الأول: أن الإمام يشترط فيه أن يكون قرشيًّا، وهذا هو قول جمهور الفقهاء، وقد استدلوا بما يلي:

أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الأئمة من قريش)).

ثانيًا: قوله صلى الله عليه وسلم أيضًا: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن؛ مسلمهم لمسلمهم, وكافرهم لكافرهم))، ويقول القرطبي: “هذا الخبر عن المشروعية، أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لهم, متى وجد منهم واحد” مشيرًا بذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال هذا الأمر في قريش, ما بقي من الناس اثنان)). فهذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش, لا يجوز عقدها لأحد غيرهم، وهذا الشرط من مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيه خلاف، ولا يعتد بقول الخوارج.

والمصلحة في اشتراط النسب القرشي دفع التنازع والاختلاف على الخليفة، ومساعدته على كمال تنفيذ مهامه؛ لما لقريش من مكانة عالية في الجزيرة العربية في القديم، ولو جعل الأمر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم. وفي ذلك يقول القرطبي: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن)) يعني به شأن الولاية والإمارة؛ ذلك لأن قريشًا كانت في الجاهلية رؤساء العرب وقادتها؛ لأنهم أهل البيت والحرم حتى كانت العرب تسميهم أهل الله، وإليهم كانوا يرجعون في أمورهم ويعتمدون عليهم فيما ينوبهم.

ولذلك توقف كثير من الأعراب من الدخول في الإسلام قبل أن تدخل قريش، فلما أسلموا ودخلوا فيه أطبقت العرب على الدخول في الدين، بحكم أنهم كانوا لهم تابعين ولإسلامهم منتظرين. كذا ذكره ابن إسحاق وغيره.

القول الثاني: لا يشترط في الإمام أن يكون قرشيًّا، وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون، وهو قول الباقلاني وقول الكثيرين من المعاصرين؛ قال إمام الحرمين: “ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب”. وأصحاب هذا القول يستدلون بما يلي:

أولًا: أن شرط النسب القرشي في الإمام الأعظم موقوت بزمن عصبية قريش، وأن العلة في اشتراط الإمامة لقريش هي عصبيتها الغالبة على من سواها من قبائل العرب.

ثانيًا: قالوا أيضًا: النسب القرشي إن كان مشروطًا لذاته فليس الغاية تقتضيه؛ لأن حراسة الدين وسياسة الدنيا تكون من الكفء القادر أيًّا كان نسبه، وإن كان مشروطًا لما لقريش من المنعة والقوة التي يستعين بها الخليفة على أداء واجبه وجمع الكلمة حوله، فهو شرط زمني؛ مآله اشتراط أن يكون الخليفة من قوم أولي عصبية غالبة ولا إطراء لاشتراط القرشية، فلما ضعف أمر قريش وتلاشت عصبيتها اقتضت الضرورة الشرعية -للمحافظة على أصل المصلحة- أن تنتقل الإمامة العظمى من قريش إلى غيرها من التي هي ذات عصبية غالبة بشوكتها، وقاهرة على من سواها؛ لأن بها ينتظم أمر الملة, وتتوحد كلمة المسلمين من التفرق، وتصان غاية الشارع الكبرى من وضع الإمامة في خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به؛ إذ الحكم يدور عندئذ مع علته وجودًا وعدمًا، وحيث تكون المصلحة فثم شرع الله سبحانه وتعالى.

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: “تضافرت الأدلة على أن الرئاسة العليا في الحكومة الإسلامية ليست حقًّا لقريش ولا لغير قريش؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن أمر المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في أسرة خاصة ولأفراد معينين، ومقتضى ترك هذا التعيين أن يكون أمر الرئاسة العليا موكولًا إلى الأمة تختار له من تشاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف على الناس أحدًا.

ولو كان الأمر وراثيًّا لعهد به إلى صاحبه، والمسلمون لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة على أثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, واختلفوا فيمن يلي الأمر بعده، كانت حجج الفريقين المختلفين ناطقة بأنهم لا يعرفون الأمر حقًّا لمعين، حتى إن بعض الأنصار دعا إلى بيعة سعد بن عبادة, وبعضهم قال للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير، وأبو بكر لما حاجّهم بأن الأئمة من قريش لم يحاجهم به على أنه نص من الدين، ولكن على أنه نظر صحيح؛ لما كان لقريش إذ ذاك من العصبية والمنعة.

وقد بيّن أبو بكر نفسه وجهة هذه النظر, إذ قال: “إن هذا الأمر إن تولته الأوس نكثته عليهم الخزرج، وإن تولته الخزرج نكثه عليهم الأوس، ولا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش”، ولو كان نصًّا من الدين ما خفي على جميع من كان في السقيفة من الأنصار والمهاجرين ما عدا أبا بكر، ولما احتاج أبو بكر إلى حديث المنافسة بين الأوس والخزرج، ولما ساغ لعمر أن يقول وهو يفكر فيمن يخلفه: “ولو كان سالم مولى حذيفة حيًّا لوليته” إن صح هذا القول منه”, ويقول الشيخ أيضًا: “إذ كيف يولي مولى, بعدما سمع في السقيفة أن الأئمة من قريش؟”.

ويؤيد هذا بالنصوص الواردة بالاعتماد على الأعمال لا على الأنساب، وبالتبرؤ من عصبية الجاهلية, وبأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وهنا يجب التنبيه في هذا الصدد إلى ثلاثة أمور:

الأول: أن هذا الشرط خاص بالإمامة العظمى عندما تتوحد الأمة، ويتولى أمر المسلمين خليفة واحد؛ إذ أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصح لغير القرشي ما خلا الإمامة الكبرى، فهي المقصودة بالحديث قطعًا.

الثاني: أنه إذا لم يوجد من أفراد قبيلة قريش من تتوافر فيهم شروط الخلافة؛ يقدم غير القرشي، فينبغي أن يتفطن للعلة الحقيقية التي ينبغي أن يدور معها وصف القرشية, وهذا ما أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إن هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدين؛ فإن خالفوا أمر الله وأمر رسوله، فغيرهم ممن يقيم شرعه وينفذ أوامره أولى منهم)).

الثالث: أنه من تولى الحكم في بلد من البلاد الإسلامية واستتب له فهو إمام شرعي، تجب بيعته وطاعته وتحرم منازعته ومعصيته، ويكون له حكم الإمام الأعظم في جميع الأشياء، وإن لم يكن قرشيًّا؛ لحديث أنس في (صحيح البخاري) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا, وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

على أننا نقول: أين الخليفة القرشي المستجمع للشروط اللازمة؟ وإذا وجد فهيهات أن يجتمع عليه المسلمون كافة في شتى أقطار الأرض، كيف وأبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 هـجرية يقول في عصره: إن تقديم قريش… هذا لا وجود له في عصرنا؛ كما أن استبداله والتصرف فيه بالخلع والانتقال هذا محال في زماننا؟

الشرط السابع: الحرية، وهذا الشرط نص عليه كتاب السياسية الشرعية في شروط الإمام أو الحاكم، وذلك أن العبد لا يصلح أن يكون رئيس دولة؛ فهو لا يملك أمر نفسه ثم هو مشغول بخدمة سيده، ومن عادة الأحرار ألا يطيعوا العبيد لقصور أهليتهم ومكانتهم، والأحاديث التي وردت بطاعة الأمير -ولو كان عبدًا حبشيًّا- محمولة على غير ولاية الحكم، أو كان الذي استعمله أو أمر بطاعته الخليفة، أو أنها وردت على سبيل المبالغة في طاعة ولي الأمر، أو إذا تغلب بالقوة واستتب له الأمر فيجب طاعته؛ إخمادًا للفتن وصيانة للدماء.

الشرط الثامن: سلامة الحواس والأعضاء. قالوا: وما يتعلق بالحواس فيشترط سلامة البصر والسمع والنطق؛ فلا يصلح من ابتلي بالعمى أو الصمم أو الخرس -أي: الأعمى أو الأصم أو الأخرس- لهذا المنصب الخطير؛ لأنها تؤثر في العمل المنوط بولي الأمر، وأما ما يتعلق بالأعضاء الخلقية أو التكوينية الأخرى -كالأيدي والأرجل- فكل ما لا يؤثر فقده في رأي الإمام, أو عمله فلا يمنع من عقد الإمامة. ونختم هذا الكلام في هذا الشرط بقول الشوكاني: “المقصود بالولاية العامة هو تدبير أمور الناس على العموم والخصوص، وإجراء الأمور مجاريها ووضعها مواضعها، وهذا لا يتيسر ممن في حواسّه خلل؛ لأنها تقتضي نقص التدبير إما مطلقًا أو بالنسبة إلى تلك الحاسة، وأما سلامة الأطراف فلا وجه لاشتراطها؛ فإن الأعرج والأشل لا ينقص من تدبيره شيء, ويقوم بما يقوم به من ليس كذلك، ومعلوم أنه لا يراد من مثل الإمام السباق على الأقدام ولا ضرب الصولجان ولا حمل الأثقال، وبالجملة فإن هذه العيوب التي تؤثر في الرأي والعمل قد تختلف من عصر إلى عصر؛ ومن ثم يصبح المقياس الصحيح هنا هو قدرة الحاكم على القيام بمسئولياته دون معوقات”.

error: النص محمي !!