Top
Image Alt

شروط الأذان، وما يقوله السامع والمؤذن، أحكام الإقامة

  /  شروط الأذان، وما يقوله السامع والمؤذن، أحكام الإقامة

شروط الأذان، وما يقوله السامع والمؤذن، أحكام الإقامة

القسم الرابع: في الشروط:  وفي هذا القسم مسائل ثمانٍ:

المسألة الأولى: هل من شروط مَن أذّن: أن يكون هو المقيم، أم لا؟

المسألة الثانية: هل من شروط الأذان: ألَّا يتكلّم المؤذِّن في أثنائه؟ أم يجوز له أن يتكلّم؟

المسألة الثالثة: هل من شرط الأذان: أن يكون المؤذِّن على طهارة أم لا؟

المسألة الرابعة: هل من شرط الأذان: أن يكون المؤذِّن متوجِّهًا إلى القِبلة أم لا؟

المسألة الخامسة: هل من شرط الأذان: أن يكون المؤذِّن قائمًا أم لا؟

المسألة السادسة: هل يُكره أذان الراكب، أم ليس يُكره؟

المسألة السابعة: هل من شرط المؤذِّن: البلوغ أم لا؟

المسألة الثامنة: هل من شرط الأذان: أن لا يأخذ المؤذِّن على الأذان أجرًا؟ أم يجوز له أن يأخذ على الأذان أجرًا؟

نحن أمام ثماني مسائل في موضوع شروط الأذان، وشروط المؤذِّن.

يفصل ابن قدامة القول في هذه المسائل، فيقول في المسألة الأولى:

 إن المستحب للمؤذِّن: أن يكون متطهِّرًا من الحدث الأصغر والجنابة جميعًا، لِما روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤذِّن إلا متوضِّئ»، رواه الترمذي. فإن أذّن مُحدثًا جاز؛ لأنه لا يزيد على قراءة القرآن، والطهارة غير مشروطة له -أي: للقراءة، وليس مسّ المصحف. وإن أذّن جُنُبًا، فعلى روايتيْن:

الأولى: لا يُعتدّ به، وهو قول إسحاق.

الثانية: يُعتدّ به، قال أبو حسن الآمدي: “هو المنصوص عن أحمد، وقول أكثر أهل العلْم؛ لأنه أحد الحدثيْن فلم يمنع صحّته كالآخَر”.

ووجه الرواية الأولى: ما رُوي عن وائل بن حجر: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق وسنّة أن لا يؤذِّن أحد إلاّ وهو طاهر». ولأنه ذكْر مشروع للصلاة، فأشبه القرآن والخطبة.

أما لو أذّن المُحدِث حدثًا أصغر، أو حتى لو كان جُنُبًا، فالأذان صحيح؛ لأنه إعلام بدخول الوقت، وليس أكثر من ذلك، وذكر الله يجوز في كل الأحوال، كما قال الله تعالى: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } [آل عمران:191]. وقد يكون الإنسان قائمًا من النوم، أو نائمًا، أو يستعدّ للنوم وهو غير طاهر.

إذًا، فالمستحب في الأذان: أن يكون المؤذِّن طاهرًا، وليس ذلك واجبًا. ولو أذّن وهو غير متوضِّئ صحّ أذانه. هذه جزئيّة.

ويضيف ابن قدامة: ولا يصحّ الأذان إلاّ من مسلم عاقل ذكَر. فأمّا الكافر والمجنون فلا يصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات. ولا يُعتدّ بأذان المرأة؛ لأنها ليست ممّن يُشرع له الأذان؛ وهذا كلّه مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا.

ثم يقول: وهل يُشترط العدالة والبلوغ للاعتداد بالأذان؟ والعدالة -كما هي معروفة- هي: القيام بالواجبات والبعد عن المحرمات، الاستقامة. أم يجوز الأذان من الصبي؟ فيه روايتان:

الأولى: لا يُعتدّ بأذان صبيّ ولا فاسق؛ لأنهما ممّن لا يُقبل خبَره ولا روايته، ولأنه قد رُوي: «لِيؤذِّنْ لكم خيارُكم».

الثانية: يُعتدّ بأذانه؛ وهو قول عطاء، وابن أبي ليلى، والشافعي.

ويضيف أيضًا: ويُستحبّ أن يكون المؤذِّن عدلًا أمينًا بالغًا.

ويضيف جزئية تلحين الأذان: وفي الأذان الملحّن وجهان: -والمقصود باللّحن هو: تمديد الصوت وتجويده. وفي ذلك قولان:

أحدهما: يصحّ الأذان؛ لأن المقصود يحصل منه، فهو كغير الملحّن.

والآخر: لا يصحّ، لِما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس، قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذّن يطَرّب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلًا سمحًا، وإلاَّ فلا تؤذِّنْ!».

 ويضيف: يستحب أن يكون المؤذِّن بصيرًا؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربّما غلط؛ وإن أذّن الأعمى صحّ أذانه، فإن ابن أمِّ مكتوم كان يؤذِّن للنبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عمرو: “كان رجلًا أعمى، لا ينادي -أي: لا يؤذِّن- حتى يقال له: أصبحت! أصبحت!”، رواه البخاري.

ويضيف أيضًا: ويُستحبّ أن يكون عالِمًا بالأوقات ليتحرّاها -أوقات الصلوات الخمْس- فيؤذِّن في أوّلها. فإذا لم يكن عالِمًا، فربما غلط وأخطأ. فإن أذّن الجاهل الذي لا يعرف الوقت، صحّ أذانه؛ فإنه إذا صحَّ أذان الأعمى فالجاهل أوْلى.

ويُستحب أيضًا أن يكون المؤذِّن صيِّتًا، يُسمع الناس -أي: عالي الصوت ونديًّا. «اختار النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة للأذان؛ لكونه صيِّتًا».

ويضيف ابن قدامة مسألة الأجرة، فيقول: ولا يجوز أخْذ الأجرة على الأذان في ظاهر المذهب -أي: مذهب أحمد بن حنبل- وكرهه القاسم بن عبد الرحمن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وابن المنذر كرهه، وليس تحريمًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص: «واتخذْ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»، رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: “حديث حسن”.

ولأنه قربة لفاعله، لا يصح إلاّ من مسلم، فلم يستأجره عليه كالإمامة. وحُكي عن أحمد رواية أخرى: أنه يجوز أخْذ الأجرة عليه. ورخص فيه مالك، وبعض الشافعية؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال.

ويضيف ابن قدامة قوله: ويجعل أصابعه مضمومةً على أذنيْه.

يقول: المشهور عن أحمد: أنه يجعل إصبعيْه في أذنيْه؛ وعليه العمل عند أهل العلْم، يستحبّون أن يجعل المؤذِّن أصبعيْه في أذنيْه. قال الترمذي: لِما روى أبو حنيفة: أنّ بلالًا أذّن ووضع إصبعيْه في أذنيْه. متفق عليه. وعن سعد مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَر بلالًا أن يجعل إصبعيْه في أذنيْه، قال: «إنه أرفع لصوتك»

وينبغي أن يؤذِّن قائمًا، فالسُّنّة أن يؤذِّن قائمًا وليس الواجب، فالقيام ليس شرط، ولكن سّنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: «قُمْ فأذِّنْ!». أمَّا إن كان له عذر، فلا بأس أن يؤذِّن قاعدًا فذلك جائز. فإن أذّن قاعدًا لغير عذر، فقد كرهه أهل العلْم، لكن الأذان يصحّ.

ويُستحبّ أن يؤذِّن على شيء مرتفع، ليكون أبلغ لتأدية صوته.

ويقول ابن قدامة في آخر مسألة: ولا يُستحب أن يتكلّم في أثناء الأذان، وكرِهه طائفة من أهل العلْم.

ورخّص فيه -أي: أذِن في الكلام-: الحَسن، وعطاء، وقتادة، وسليمان بن صرد. فإن تكلّم بكلام يسير جاز، وإن طال الكلام بطل؛ لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان، ومن هنا نعلم هل الموالاة شرط في الأذان أو لا. إن كان الفارق يسيرًا أو الكلام يسيرًا جاز. أمّا الانقطاع الطويل أو الكلام الطويل بين جمل الأذان، فإنه يقطعه، حيث لا يُعلم أنه أذان. وكذلك لو سكت سكوتًا طويلًا، أو نام نومًا طويلًا، أو أُغمي عليه، أو أصابه جنون يقطع الموالاة، بطل أذانُه.

وإن كان الكلام يسيرًا مُحرَّما كالسّبّ، ففيه وجهان: قيل: لا يقطعه لأنه لا يُخلّ بالمقصود، فأشبه المباح. وقيل: يقطعه؛ لأنه محرَّم فيه.

وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأن الأذان عبادة بدنية، فلا يصحّ من غيره كالصلاة. والرِّدَّة أيضًا تُبطل الأذان، إن وُجدت في أثنائه. ولا يصحّ الأذان إلاّ مرتّبًا؛ لأن المقصود منه يختلّ بعدم الترتيب، وهو: الإعلام. فإنه إذا لم يكن مُرتّبًا، لم يُعلم أنه أذان، ولأنه شُرع في الأصل مُرتّبًا.

القسم الخامس: فيما يقوله السامع للمؤذِّن:

يقول ابن رشد: “اختلف العلماء فيما يقوله السامع للمؤذِّن:

فذهب قوم إلى: أنه يقول ما يقول المؤذِّن، كلمة بكلمة.

وذهب آخَرون إلى: أنه يقول مثل ما يقول المؤذِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِن، إلاّ إذا قال المؤذِّن: “حي على الصلاة”، لا يقول: “حيّ على الصلاة”، بل يقول: “لا حول ولا قوة إلاّ بالله”. وكذلك إذا قال المؤذِّن: “حيّ على الفلاح”، لا يقول المستمع: “حيّ على الفلاح”، وإنما يقول: “لا حول ولا قوة إلاّ بالله”.

هذا الكلام المجمَل عند ابن رشد فصّله ابن قدامة -رحمه الله-  تحت مسألة الخرقي: “ويُستحب لِمن سمع المؤذِّن أن يقول كما يقول”.

قال ابن قدامة: لا أعلم خلافًا بين أهل العلْم في استحباب ذلك -إذًا المسألة مستحبّة-، فمن سكت ولم يقل شيئًا فلا شيء عليه، ومَن قال مثل ما قال فقد ذكر الله وأخذ الأجر والثواب.

والأصل فيه: ما روى أبو سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النِّداء -أي: الأذان- فقولوا مثْلَ ما يقول المؤذِّن»، متّفق عليه، ورواه جماعة عن النبيصلى الله عليه وسلم.

الفصل الثاني: في الإقامة وأحكامها:

كيف تكون الإقامة؟

الإقامة أي: الإقامة للصلاة. فنحن قد سمعنا الأذان، وصلينا ركعتَي السّنّة، أو تحيّة المسجد، أو تطوّعًا للفصل بين الأذان والإقامة. فيقول المؤذِّن كلمات الأذان، وبعد “حيّ على الصلاة. حيّ على الفلاح”، يقول: “قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة”: تلك هي الإقامة.

ويقول ابن قدامة: لنا ما روى عبد الله بن عمر أنه قال: «إنما كان الأذان على عهد رسول الله e مرّتيْن مرتيْن، والإقامة مرّة مرّة، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة»، أخرجه النسائي.

ومن آداب الأذان ومستحبّاته التمهل؛ لقول النبي e: «إذا أذَّنْتَ فترسّلْ -يعني: تمهّلْ- وإذا أقمتَ فأحْدرْ» رواه أبو داود والترمذي.

ويقول ابن رشد: إن العلماء اختلفوا في الإقامة في موضعيْن:

في حُكمها، وفي صِفتها.

 أولًا: حُكم الإقامة: وبها عدة أقول، هي:

القول الأول: يرى أنها سُنّة مؤكّدة، وهو قول جمهور العلماء.

القول الثاني: وهو قول أهل الظاهر، أنها فرض.

 القول الثالث: هو قول ابن كنانة: أنّ مَن تركها عامدًا بطلت صلاته.

ويوضح ابن رشد سبب اختلاف الفقهاء في حُكم الإقامة، فيقول:

سبب الاختلاف: هل هي من الأفعال التي وردت بيانًا لمجمَل الأمر بالصلاة، فيحمل على الوجوب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلّوا كما رأيتموني أصلِّي»، أم هي من الأفعال التي تُحمل على الندب والاستحباب؟

ثانيًا: صفة الإقامة:

عند مالك والشافعي: أمّا التكبير الذي في أوّلها فمثنى، وأمّا ما بعد ذلك فمرة واحدة، إلا قوله: “قد قامت الصلاة”، فإنها عند مالك مرة واحدة، وعند الشافعي مرّتان، وعند الحنفية مثنى مثنى. وخبر أحمد بن حنبل بين الإفراد والتثنية، على رأيه في التخيير في النداء.

سبب الاختلاف: تعارض الآثر؛ وذلك أن في حديث أنس الثابت: «أُمِر بلال أن يشفع الأذان، ويُفرد الإقامة إلاّ “قد قامت الصلاة”».

وفي حديث ابن أبي ليلى: «أنهصلى الله عليه وسلم  أمَر بلالًا فأذّن مثنى، وأقام مثنى».

وهناك مسألة إضافية ليست داخلة في قضية اختلاف الفقهاء في الإقامة، ولكنها تشمل الأذان والإقامة، وهي أذان المرأة:

قال جمهور العلماء: إنه ليس على النساء أذان ولا إقامة.

وقال مالك: إن أقمْن لهنّ فحسَن.

وقال الشافعي: إن أذّنّ وأقمْن -يعني: بينهن- فحَسَن.

وقال إسحاق: إنّ عليهن الأذان والإقامة. وقد روي عن عائشة: أنها انت تؤذِّن وتقيم

يقول ابن قدامة: إن الخلاف في هذه المسألة المتعلّقة بأذان النساء وإقامتهن آيلة إلى إمامة المرأة، هل تؤمّ المرأة أو لا تؤم؟

وقيل: إن الأصل: أنها في معنى الرجل في كلّ عبادة، إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها؛ ومن هنا يكون عليهن أذانٌ وإقامة كالرجال، أو يقوم الدليل على تخصيص الرجال بذلك دون النساء. وهنا يجب البحث عن الدليل الذي يُخصّص الرجال دون النساء.

ابن قدامة يقول: ليس على النساء أذان ولا إقامة؛ فهو يقطع بذلك قولًا واحدًا، كذلك قال ابن عمر، وأنس، وابن المسيِّب، والحسن، وابن سيرين، والثوري، ومالك ، وأصحاب الرأي؛ ولا أعلم فيه خلافًا.

وهل يُسنّ لهن ذلك؟ أو لا يُسنّ؟ وهل السّنّة في الأذان فقط؟ أو في الإقامة فقط؟ أو في كليهما؟

رُوي عن أحمد أنه قال: “إن فعلْن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز”، لكن معنى هذه العبارة: أنها ليست سُنّة، “إن فعلن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز”. وقال القاضي: “هل يُستحب لها الإقامة”، على روايتيْن. وعن جابر: أنها تقيم، وبه قال عطاء،ومجاهد، والأوزاعي.

وقال الشافعي:”إن أذّنّ وأقمْن فلا بأس”، ولم يقل: فحسَن، أو فمُستحب. وعن عائشة: أنها كانت تؤذِّن وتقيم؛ وبه قال إسحاق.

وروى النجاد بإسناده عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة». ولأن الأذان في الأصل للإعلام، ولا يُشرع لها ذلك؛ لأنها ليست من أهل المساجد، فَخَيْرُ صلاةِ المرأةِ صلاتُهَا في بيتها، فلماذا تُعلم بالأذان؟.

والأذان نداء إلى الصلاة في المسجد، والأذان يُشرع له رفْع، ولا يُشرع في حقّهن رفع الصوت، ومن لا يُشرع في حقّه الأذان لا يُشرع في حقّه الإقامة كغير المصلي، وكمن أدرك بعض الجماعة.

وبهذا البيان الطيب لموضوع أذان المرأة وإقامتها، ننتهي من الفصل الثاني من الباب الثاني من الجملة الثانية في الإقامة.

error: النص محمي !!