Top
Image Alt

شروط الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما

  /  شروط الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما

شروط الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما

قال الإمام الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: اعلم أن البخاري ومسلمًا ومن ذكرنا بعدهم -يعني: أصحاب السنن الأربعة- لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني؛ وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم، فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم.

وقول المقدسي هذا في غير ما نص عليه من اشتراط اللقاء بين الراوي وشيخه عند البخاري، واكتفاء مسلم بالمعاصرة وإمكان اللقاء.

قال المقدسي: اعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق عليه على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسن؛ وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه؛ إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوامٍ ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة، مثل: حماد بن سلمه، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن… وغيرهم، جعلنا هؤلاء الخمسة مثالًا لغيرهم لكثرة روايتهم وشهرتهم.

فإذا كان البخاري ترك أحاديث هؤلاء؛ فإن الإمام مسلم أخرج أحاديثهم بإزالة الشبهة، ومثال ذلك: أن سهيل بن أبي صالح تُكُلِّم في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة؛ فترك البخاري هذا الأصل واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه، ومسلم اعتمد عليه لما سبر أحاديثه فوجده مرة يحدث عن عبد الله بن دينار عن أبيه، ومرة عن الأعمش عن أبيه، ومرة يحدث عن أخيه عن أبيه بأحاديث فاتته من أبيه، فصح عند الإمام مسلم أنه سمع من أبيه؛ إذ لو كان سماعه صحيفة لكان يروي هذه الأحاديث مثل تلك الأخرى.

واعترض العراقي على ما قاله المقدسي فقال: ليس ما قاله بجيد؛ لأن النَّسائي ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان أو أحدهم، وهذا يعني أن بعض من خرج لهم البخاري ومسلم لم يتفق العلماء على توثيقهم؛ فكيف ينقل الاتفاق في موضع الاختلاف؟!

قال الحافظ ابن حجر في الجواب على تضعيف النَّسائي لبعض رجال (الصحيحين): تضعيف النَّسائي إن كان باجتهاده أو نقله عن معاصرٍ؛ فإن الشيخين إنما خرجا لمن أجمعا على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النَّسائي بعد وجود الكتابين، وإن نقل النَّسائي هذا التضعيف عن متقدم فلا… قال الحافظ: ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يخرجان عنه لمرجح يقوم مقامه.

قال الحافظ السيوطي: قال الحازمي ما حاصله: شرط البخاري: أن يخرج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمة طويلة، وأنه قد يخرج أحيانًا عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه؛ فلم يلازموه إلا ملازمة يسيرة وشرط مسلم أن يخرج حديث من لم يسلم من غوائل الجر إذا كان طويل الملازمة لمن أخذ عنه كحماد بن سلمة في ثابت البناني.

قال الحاكم في (معرفة علوم الحديث): وصف الحديث الصحيح: أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة: وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة.

قال السيوطي: قال الحاكم في (علوم الحديث): وصف الحديث الصحيح: أن يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وله راويان ثقتان، ثم يرويه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور بالرواية وله رواة ثقات…

وقال في (المدخل): الدرجة الأولى من الصحيح: اختيار البخاري ومسلم، وهو أن يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة، بأن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يروي عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين حافظ متقن، وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة.

فعمم الحاكم في (علوم الحديث) شرط الصحيح من حيث هو، وخص ذلك في “المدخل” بشرط الشيخين، وقد نقض عليه الحازمي ما ادعى أنه شرط الشيخين بما في (الصحيح) من الغرائب التي تفرد بها بعض الرواة، وأجيب بأنه إنما أراد أن كل راوٍ في الكتابين يشترط أن يكون له راويان، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه.

قال الحازمي في التعقيب على قول الحاكم في شرط الشيخين: أن شرط الشيخين: إخراج الحديث عن عدلين، وهلم جرًّا إلى أن يتصل الحديث؛ فليس كذلك أيضًا؛ لأنهما قد خرجا في كتابيهما أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راوٍ واحد، وأحاديث لا تعرف إلا من جهة واحدة، وأنا أذكر من كل نوع أحاديث تدل على نقيض ما ادعاه… ثم ذكر أحاديث مرداس الأسلمي وقال: هذا حديث تفرد البخاري بإخراجه… وذكر أمثلة أخرى يدلل بها على أن ما قاله الحاكم ليس بصواب، ثم قال: ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة؛ بان لها فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم.

قال الحافظ ابن حجر: وما ادعاه الحاكم أبو عبد الله: أن شرط البخاري ومسلم: أن يكون للصحابي راويان فصاعدا، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان إلى آخر كلامه؛ فمنتقض عليه بأنهما أخرجا أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راوٍ واحد.

قال الحافظ أبو بكر الحازمي: هذا الذي قاله الحاكم قول من لم يمعن الغوص في خبايا الصحيح؛ ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة دعواه… ثم قال ما حاصله: إن شرط الصحيح إن يكون إسناده متصلًا، وأن يكون راويه مسلمًا صادقًا غير مدلس، ولا مختلطًا متصفًا بصفات العدالة، ضابطًا متحفظًا سليم الذهن، قليل الوهم، سليم الاعتقاد.

قالوا: هذا مذهب من يخرج الصحيح: أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول؛ فبعضهم حديثه صحيح ثابت يلزمهم إخراجه، وبعضهم حديثه مدخول لا يصح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه: معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم؛ فلنوضح ذلك بمثال:

وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة مزية على التي تليها:

الطبقة الأولى: وهي التي جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري؛ حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر؛ فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو مقصد البخاري، ومن هذه الطبقة: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وسفيان بن عيينة وعبيد الله بن عمر… وغيرهم.

الطبقة الثانية: شاركت الطبقة الأولى في التثبت غير إنها لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة؛ فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم؛ من هذه الطبقة: الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد… وغيرهم.

الطبقة الثالثة: وهم جماعة لازموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح؛ فهم بين الرد والقبول، وهم على شرط أبي داود، والنسائي، من هذه الطبقة: جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين السَّلَمي… وغيرهم.

الطبقة الرابعة: وهم قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري؛ لأنهم لم يصاحبوا الزهري كثيرًا، وهم على شرط أبي عيسى الترمذي، من هذه الطبقة: إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة… وغيرهم.

الطبقة الخامسة: وهم نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه؛ فإما ما عند الشيخين فلا، من هذه الطبقة: محمد بن سعيد المصلوب، وبحر بن كنيس… وغيرهم.

قال الحافظ ابن حجر: فأما الطبقة الأولى فهم على شرط البخاري، وقد يخرج من حديث أهل الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب، وأكثر ما يخرج البخاري حديث الطبقة الثانية تعليقًا، وربما خرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقًا أيضًا.

قال الحازمي: وقد يخرج البخاري أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين -أي: الأولى والثانية- على سبيل الاستيعاب، ويخرج أحاديث أهل الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنعه البخاري في الثانية -أي: يخرج من أحاديث الطبقة الثالثة ما يعتمده من غير استيعاب- وأما الرابعة والخامسة؛ فلا يعرجان عليهما.

قال الحازمي: وقد يخرج مسلم عن أعيان الطبقة الثالثة؛ وعلى هذا يعتذر لمسلم في إخراج حديث حماد بن سلمة؛ فإنه لم يخرج إلا رواياته عن المشهورين نحو ثابت، وأيوب السختياني؛ وذلك لكثرة ملازمته ثابتًا وطول صحبته إياه؛ حتى بقيت صحيفة ثابت بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط، وأما حديثه عن آحاد البصريين؛ فإن مسلمًا لم يخرج منها شيئًا لكثرة ما يوجد في روايته عنهم من الغرائب، وذلك لقلة ممارسته لحديثهم.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا المثال الذي ذكرناه -يعني: مثال الزهري السابق- هو في حق المكثرين؛ فيقاس على هذا أصحاب نافع، وأصحاب الأعمش، وأصحاب قتادة، وغيرهم، أما غير المكثرين؛ فإنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة، والعدالة، وقلة الخطأ؛ لكن منهم من قوي الاعتماد عليه؛ فأخرج ما تفرد به: كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقوَ الاعتماد عليه؛ فأخرج له ما شاركه فيه غيره وهو الأكثر.

قال الإمام النووي: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح  رحمه الله : شرط الإمام مسلم في صحيحه: أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالمًا من الشذوذ والعلة، قال: وهذا حد الصحيح؛ فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط؛ فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث، وأما ما اختلفوا في صحته من الأحاديث؛ فقد يكون سبب ذلك الاختلاف يرجع إلى الآتي:

  1. انتفاء شرط من هذه الشروط -أي: من شروط الحديث الصحيح وبين العلماء خلاف في اشتراطه كما إذا كان بعض الرواة مسطورًا أو كان الحديث مرسلا.
  2. هل اجتمعت في الحديث شروط الصحة، أم انتفى بعض هذه الشروط؟ وهذا هو الأغلب في ذلك؛ كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في كونه من شرط الصحيح؛ فإذا كان الحديث رواته كلهم ثقات غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلًا، أو سهيل بن أبي صالح، أو حماد بن سلمه؛ قالوا فيه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البخاري؛ لكون هؤلاء المذكورين عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري ذلك فيه.

وكذلك حال البخاري في ما أخرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم.

سبق أن ذكرنا عند الكلام عن الحديث الصحيح وشروطه: أن هناك شروطًا مختلف بين العلماء في اشتراطها في الحديث الصحيح، فإذا توافرت هذه الشروط المختلف فيها بين العلماء في حديث؛ كان هذا الحديث صحيحًا عند الجميع، وإذا لم تتوفر هذه الشروط المختلف فيها؛ لم يكن الحديث صحيحًا عند من شرطها، صحيحًا عند من لم يشترطها؛ فراجع هذا لتعرف سبب اختلاف العلماء في صحة بعض الأحاديث.

وقد ذكرنا عند الكلام عن شرط البخاري ومسلم في صحيحهما قول المقدسي والحازمي والحاكم في شرط البخاري ومسلم في الحديث الذي يخرجه كل منهما في صحيحه، وبينا ذلك بالتفصيل.

وقد اتضح مما ذكرنا هناك أن شرط الإمام البخاري أشد من شرط الإمام مسلم، وأن أحاديث البخاري متمكنة من الصحة أكثر من أحاديث الإمام مسلم، وهذا باعتبار المجموع لا باعتبار الجميع.

error: النص محمي !!