Top
Image Alt

شروط الحديث الصحيح لذاته، ومراتبه

  /  شروط الحديث الصحيح لذاته، ومراتبه

شروط الحديث الصحيح لذاته، ومراتبه

للحديث الصحيح لذاته شروط متفق عليها بين العلماء وله كذلك شروط مختلف فيها نعرض لكل منها فيما يلي:

ولًا: شروط الحديث الصحيح لذاته المتفق عليها بين العلماء:

من هذا التعريف نستطيع أن نستنبط شروط الحديث لذاته المتفق عليها، وهي كما يأتي:

أولًا: اتصال الإسناد: والمراد باتصال الإسناد أن يكون كل راوٍ في الإسناد قد تحمل الحديث عمن فوقه، وسبق بيان ذلك.

ثانيًا: أن يكون كل راوٍ في إسناد الحديث عدلًا في دينه، وسبق بيان ذلك.

ثالثًا: أن يكون كل راوٍ في إسناد الحديث ضابطًا ضبطًا تامًّا، ولا يكفي أن يكون الراوي ضابطًا فقط؛ بل لا بد من أن يكون تام الضبط حتى يكون الحديث صحيحًا، فإن لم يكن كل راوٍ في إسناد الحديث متصفًا بتمام الضبط؛ نزل الحديث عن درجة الصحيح، فإن كان في الإسناد راوٍ متصفًا بمسمى الضبط فقط دون تمام الضبط؛ كان الحديث حسنًا لذاته، وسبق تعريف الضبط وبيان أقسامه ودرجاته.

رابعًا: السلامة من الشذوذ وسبق تعريف الشذوذ عند الكلام عن شروط الحديث المقبول.

خامسًا: السلامة من العلة القادحة وسبق تعريف العلة عند الكلام عن شروط الحديث المقبول.

ثانيًا: شروط الحديث الصحيح لذاته المختلف فيها بين العلماء:

ذكرنا شروط الحديث الصحيح المتفق عليها بين العلماء، غير أن بعض العلماء لم يكتفوا بهذه الشروط؛ فشرطوا شروطًا زائدة على هذه الشروط غير أنها لا تخرج عن الشروط المتفق عليها، وهي:

الشرط الأول: أن يكون راوي الحديث الصحيح مشهور بالطلب، أي: يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى؛ وليس المراد هنا الشهرة المخرجة عن الجهالة؛ بل قدر زائد على ذلك، قال عبد الله بن عون: لا يؤخذ العلم إلا عمن شهد له بالطلب، قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال: اشتراط الضبط يغني عن ذلك.

وفي مقدمة (صحيح مسلم) عن أبي الزناد أنه قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال: اشتراط الضبط يغني عن ذلك.

الشرط الثاني: الصحيح لا يعرف بروايته فقط؛ وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علة الحديث، قال شيخ الإسلام ابن حجر: هذا يؤخذ من اشتراط انتفاء كونه معلولًا؛ لأن الاطلاع على ذلك إنما يحصل بما ذكر من الفهم والمذاكرة وغيرهما.

الشرط الثالث: أن يكون الراوي عالمًا باللغة العربية ومدلولات الألفاظ، عارفًا بالمترادفات ومقدار التفاوت بينها؛ حتى إذا روى بالمعنى لا يحيل الحلال حرامًا أو الحرام حلالًا؛ قال شيخ الإسلام ابن حجر: هذا الشرط لا بد منه لكنه داخل في الضبط.

الشرط الرابع: أن يكون الراوي فقيهًا؛ حتى إذا روى بالمعنى لا يغير الأحكام؛ لأن الأحكام إنما تؤخذ من ألفاظ الأحاديث التي تقوم بها المعاني، وهذا شرط أبي حنيفة؛ قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن ذلك إنما يشترط عند المخالفة، أو عند التفرد بما تعم به البلوى؛ ولكن العلماء وضعوا شروط لمن يروي بالمعنى وهذه الشروط كفيلة بتأمين جانب الخطأ.

الشرط الخامس: اشترط الإمام البخاري ثبوت السماع لكل راوٍ من شيخه، ولم يكتفِ بإمكان اللقاء والمعاصرة مع سلامة الراوي من التدليس؛ بل لا بد من تحقق اللقاء بين الراوي وشيخه وثبوت السماع، ولو مرة واحدة؛ وهذا الشرط شرطه البخاري ليكون الإسناد متصلًا، ولم يشارك البخاري في هذا الشرط حتى الإمام مسلم، بل اكتفى مسلم بالمعاصرة، وإمكان اللقاء بين الراوي وشيخه، ولم يشترط تحقق اللقاء وثبوت السماع، بشرط أن لا يكون الراوي مدلسًا، وهذا الشرط ليس من شرط الصحيح؛ بل شرط للأصحية.

الشرط السادس: اشتراط العدد في الراوية كالشهادة؛ ولكن هذا قياس باطل لأن هناك فرقًا بين الرواية والشهادة، والقياس مع الفارق باطل، كما ستعرف ذلك -إن شاء الله تعالى.

مراتب الحديث الصحيح باعتبار ما دوَّنه الأئمة في كتبهم:

إن الأحاديث الصحيحة، وإن اشتركت جميعها في أصل الصحة ووجوب العمل بها، إلا أنها ليست في درجة واحدة من الصحة؛ بل بعضها أصح من بعض، وذلك يرجع إلى مدى تمكن الحديث من شروط الصحة؛ لذلك رتب العلماء الأحاديث الصحيحة باعتبار ما دونه الأئمة في كتبهم ترتيب تنازليًّا، وهذا الترتيب إنما هو باعتبار المجموع لا لاعتبار الجميع.

قال الحافظ ابن حجر – بعد أن ذكر مراتب الحديث الصحيح باعتبار ما دونه الأئمة في مصنفاتهم-: أما لو ترجح قسم على ما فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح؛ فإنه يقدم على ما فوقه؛ إذ قد يعرض للمُفوَّق ما يجعله فائقًا؛ كما لو كان الحديث عند مسلم مثلًا وهو مشهورٌ قاصرٌ عن درجة التواتر؛ لكن حفته قرينة صار بها يفيد العلم؛ فإنه يقدَّم على الحديث الذي يخرجه البخاري إذا كان فرضًا مطلقًا.

وكما لو كان الحديث الذي لم يخرجاه من ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد؛ كمالك عن نافع عن ابن عمر، فإنه يقدم على ما انفرد به أحدهما مثلًا؛ لا سيما إذا كان في إسناده من فيه مقال.

وفائدة معرفة مراتب الحديث الصحيح ترجع إلى الترجيح عند التعارض؛ فإذا تعارض حديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه مع حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، ولم يمكن الجمع بين الحديثين بوجه من وجوه الجمع، ولم يمكن معرفة التاريخ الذي قيل فيه كل حديث لنصير إلى الناسخ والمنسوخ؛ عند ذلك يقدم ما أخرجه البخاري على ما أخرجه مسلم، ويقدم ما أخرجه مسلم على ما صححه غيره من الأئمة، وهذه المراتب كما يلي:

المرتبة الأولى: ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهذا يسمى بالمتفق عليه، والمراد بذلك: اتفاق الشيخين عليه في صحيحيهما لا اتفاق الأمة، ولكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معًا؛ لأن الأمة اتفقت على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول.

المرتبة الثانية: ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه دون الإمام مسلم.

المرتبة الثالثة:  ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه دون الإمام البخاري.

المرتبة الرابعة:  ما كان على شرط الإمام البخاري ومسلم ولم يخرجاه في صحيحيهما ولا واحد منهما.

المرتبة الخامسة:  ما كان على شرط الإمام البخاري دون شرط الإمام مسلم.

المرتبة السادسة:  ما كان على شرط الإمام مسلمٍ دون الإمام البخاري.

المرتبة السابعة: ما كان صحيحًا عند غيرهما من أئمة الحديث وليس على شرط واحد منهما.

المراد بكون الحديث على شرط البخاري أو شرط مسلم، أو شرطهما معًا:

إذا قلنا: هذا الحديث على شرط الإمام البخاري؛ فالمراد: أن هذا الحديث مروي برجال قد خرج لهم الإمام البخاري في صحيحه أحاديث أخرى غير الحديث الذي يقال فيه: إنه على شرط الإمام البخاري.

إذا قلنا: هذا الحديث على شرط الإمام مسلم؛ فالمراد: أن هذا الحديث مروي برجال قد خرج لهم الإمام مسلمٌ في صحيحه أحاديث أخرى غير الحديث الذي يقال فيه: إنه على شرط الإمام مسلم، مع تحقق بقية الشروط: من اتصال الإسناد، والسلامة من الشذوذ، والعلة القادحة.

والمراد بشرطهما معًا -أي: شرط البخاري ومسلم-: أن يكون رجال الإسناد قد خرجا لهم البخاري ومسلم أحاديث أخرى في صحيحيهما غير الحديث الذي يقال فيه: إنه على شرطهما.

هل يحكم لإسناد بعينه أنه أصح الأسانيد مطلقًا؟

اختلف الأئمة في الحكم على إسناد بعينه أنه أصح الأسانيد مطلقًا، وهذه مذاهبهم:

المذهب الأول: ذهب جماعة من الأئمة إلى أنه لا يحكم لإسناد بعينه أنه أصح الأسانيد، وجهة نظرهم ترجع إلى الآتي:

  • يندر وجود أعلى درجات القبول في كل راوٍ من رواة الإسناد.
  • الحكم بذلك يختلف باختلاف أنظار العلماء.
  • الحكم بذلك يتوقف على حصر الأسانيد كلها ثم المقارنة بينها، ولا يوجد أحد من الأئمة ادعى أنه حصر الأسانيد كلها؛ بل إن هذا أمر مستحيل.

وممن ذهب إلى ذلك الإمام أبو عمرو بن الصلاح والإمام النووي؛ فالحكم حينئذ على إسناد معين بأنه أصح على الإطلاق مع عدم اتفاقهم ترجيح بغير مرجح.

المذهب الثاني: ذهب جماعة من الأئمة إلى أنه يجوز أن يحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد مطلقًا، وكل إمام رجح ما قوي عنده وما أداه اجتهاده إلى ترجيحه، خاصة إسناد بلده لكثرة عنايته به.

مثال ما قيل فيه: أنه أصح الأسانيد على الإطلاق:

  • قال الإمام البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهذه هي السلسلة الذهبية.
  • قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أصح الأسانيد كلها: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب. وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل.

المذهب الثالث: ذهب جماعة من العلماء إلى أن الحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد لا يكون على الإطلاق؛ بل يقيد ذلك بالصحابي أو البلد.

مثال ما قيل: إنه أصح الأسانيد بالنسبة لصحابي معين:

  • أصح أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي.
  • أصح أسانيد أبي بكر الصديق: إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر.
  • أصح أسانيد عمر بن الخطاب   رضي الله عنه  : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عبد الله، عن جده عمر بن الخطاب.

مثال ما قيل: إنه أصح الأسانيد بالنسبة لبلد معين:

  • أصح أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله.
  • أثبت أسانيد المصريين: الليث بن سعد، عن يزيد بن حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني.
  • أصح أسانيد اليمنيين: معمر بن راشد، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة.

هل يحكم على حديث بعينه أنه أصح الأحاديث؟:

سبق أن ذكرنا حكم ذلك بالنسبة للإسناد، وأنه لا يحكم بإسناد بأنه أصح الأسانيد على الإطلاق؛ فإن قيد ذلك ببلد أو صحابي كان أولى.

فقد ذكر ابن الصلاح في مقدمته أنه لا يحكم لإسناد أو حديث بأنه الأصح على الإطلاق.

ولكن هل يلزم من قولهم “أصح الأسانيد على الإطلاق” ما رواه الإمام أحمد، عن شيخه الشافعي، عن شيخه مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن يكون الحديث المروي بهذا الإسناد أصح الأحاديث على الإطلاق؟:

جزم بذلك الإمام العلائي فقال -في حديث مروي بهذا الإسناد-: إنه أصح حديث في الدنيا.

اختلاف العلماء في الحكم على بعض الأحاديث بالصحة:

سبق أن ذكرنا شروط الحديث الصحيح؛ كما أن هناك شروطًا اختلف فيها بين العلماء، فإذا اجتمعت الشروط المتفق عليها والمختلف فيها في حديث؛ كان صحيحًا عند الجميع، أما إذا اجتمعت الشروط المتفق عليها دون المختلف فيها؛ فإن الحديث يكون صحيحًا عند الجمهور دون غيرهم ممن شرط شروطًا زائدة على ما شرطه الجمهور.

كما أن ذلك يرجع أيضًا إلى مناهج الأئمة في الحكم على رواة الحديث وتوثيقهم؛ فبعضهم متشدد، وبعضهم معتدل، وبعضهم متساهل، ولا شك أن من تشدد في الحكم على رواة الحديث وتوثيقهم لا يقبل كل ما وثقه المتساهل؛ وبالتالي لا يقبل كل ما صححوه.

قال الإمام النووي: قال أبو عمرو بن الصلاح: شرط مسلم في صحيحه: أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالم من الشذوذ والعلة، قال: وهذا حد الصحيح؛ فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث؛ فقد يكون سبب اختلافهم يرجع إلى الآتي:

  1. انتفاء شرط من هذه الشروط وبينهم خلاف في اشتراطه؛ كما إذا كان بعض الرواة مستورًا أو كان الحديث مرسلًا.
  2. هل اجتمعت في الحديث شروط الصحة أم انتفى بعضها؟ وهذا هو الأغلب في ذلك؛ كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في كونه من شرط الصحيح.
error: النص محمي !!