Top
Image Alt

شروط الخطة الأولية

  /  شروط الخطة الأولية

شروط الخطة الأولية

ينبغي بحسب الخطوات التي سبق أن ذكرناها -موضوعًا، ثم عنوانًا- مُجمَلة أن نحاول وضع خطّة أوّليّة للبحث. وهي ليست خطّة نهائية؛ لأن الخطط النهائية لا توضع إلَّا بعد السّيْر في الموضوع، وبعد جمْع مادته العلْمية، وبعد القيام بمجهود كبير؛ لكننا الآن ما زلنا في المراحل الأولى من مراحل البحث، وعندئذٍ سوف نتحدّث عن وضع خطّة أولية للبحث العلْمي.

أولًا: تصوّر المشكلة الرئيسة:

من المعلوم قبل البدء في القراءة والكتابة للبحث -وهي مراحل تالية- لا بدّ من وضع تصوّر أوّليّ لهذا البحث الذي سنقوم به. هذا أشبه بالتصميم الذي يضعه المهندس قبل بناء المبنَى الذي سيقوم بإقامته فيما بعد.

وبالتالي فالتصميمُ الأوّلي في البحث العلْمي قابِل للتعديل، بِناءً على صعوبات محتمَلة، أو بناء على نقص مادّة في نقطة محدّدة، أو بناء على كثرة مادة علميّة في نقطة محدّدة. فهذا تصميم أوّليّ يُعدّ مرشدًا للباحث عند قيامه ببحثه، ولا بد من مراعاة هذا الأمر. نحن ما زلنا في مرحلة التصميم، أو التّخيّل للموضوعات والمشكلات والأسئلة والأجوبة التي يمكن أن نقدّمها لهذا البحث، والنتائج التي يمكن أن نتوصّل إليها.

ونحن في هذه المرحلة لا نُكلّف الباحث بأن يأتي لنا بالنتائج؛ لأن هذه النتائج لم تقع بعد، وخصوصًا إذا كانت ستقوم على إجراء ملاحظات وتجارب -مثلًا- في المعامل، أو استجلاب لمخطوطات أو لمقالات علْمية بلغات أجنبية.

ولكن إجراء هذه الخطوة مهمّ جدًّا؛ لأنه يجعل الباحث يواجه بحثه مواجهةً مباشرةً، ولا يجعله يسبح في فضاء أو يحلّق في خيال، وإنما يضع نقاطًا محدّدة سيُلزم نفسه بعد ذلك بها، وسيحاول أن يسير عليها، وكلّما جاء التّصوّر الأوّليّ للبحث مُحكَمًا ودقيقًا، فإن ذلك سيعين الباحث على المضي قُدُمًا في إنجاز البحث، وتخطي العَقبات التي يكون قد تصوّرها سلفًا وهو يضع هذا التصميم الأولي للبحث مثل المهندس، كما قلنا.

وعندئذٍ سوف يُعينه هذا التّصوّر الأوّلي على تحديد المعالم وبيان الآفاق التي ستكون موضوعًا لبحثه، والتطور الداخلي في بناء البحث حتى يصل من مقدمته إلى نهايته.

وهذه هي العناصر الأساسية لا بد أن تكون متضمّنة في هذه الخطة الأوّلية؛ لكي نتصوّرها. ثم بعد ذلك التفصيل الأوفى لها.

لا بد أن يتضمّن هذا التخطيط الأوّليّ مقدّمة، ولا بدّ أن يتضمّن أبوابًا وفصولًا. والباب الأوّل مكوّن من فصليْن أو ثلاثة، والباب الثاني مكوّن من فصليْن أو ثلاثة، والباب الثالث مكوّن من فصليْن أو ثلاثة … إلخ.

والموضوعات الأساسية التي في داخل كلّ فصل، والتوقّع المجمل لأهمّ المسائل والقضايا التي ستُدرس في البحث، والتوقّع المجمل لأهم النتائج أو الاحتمالات التي يمكن أن يؤدّي إليها البحث، وهكذا يكون عندي من البداية صورة أشبه بالتصميم الهندسي الذي يضعه المهندس في البناء الذي يريد أن يقوم بتنفيذه.

فالمهندس عندما يضع هذا التصور، يحدّد -مثلًا- عددَ الطوابق التي يتكوّن منها المبنى، والتصميم الداخلي لكلّ طابق، وعدد الشّقق الموجودة في كلّ طابق، وعدد الوحدات الموجودة في كل شقّة، وتصميم كل وحدة من حيث الطول والعرض والارتفاع … إلخ. ثم المرافق التي سيحتاج إليها البناء، والمتطلبات التي سيحتاج إليها من الماء والكهرباء، والمصاعد وطُرق السلامة، والشكل الخارجي، والمداخل والمخارج، والمناور وطرق الإضاءة … إلخ. وحاجات المبنى، وعلاقة البناء بما حوله … إلى آخر هذه المسائل.

إذا وضع التصميم على هذا النحو، فإن التنفيذ يكون سهلًا جدًّا.

نحن في وضعنا في البحث العلْمي نحتاج إلى وضْع هذا التّصوّر الأوّلي أيضًا، مثلما يقوم المصمّم الهندسي في وضعه لهذا التصميم الذي سيقوم بتنفيذه فيما بعد.

ونستخلص من هذا نتيجة مهمّة جدًّا لا بد أن نكون على وعي دقيق بها، هي:

أن إجراء البحث والعمل فيه دون خطّة سابقة مدروسة بعناية ودقّة بالغة، يُعدّ مضيعةً للوقت وتبديدًا للجهد، وسيضطر الباحث -شاء أم أبَى- إلى التّوقّف لوضْع مثْل هذا التصميم وهذه الخطة؛ حتى لا يمضي على غير هدًى بسبب ما سيواجهه من اضطراب في موضوعات البحث، وما سيعانيه من خَلل وتخبّط وعدم تنسيق.

إذًا، لا بدّ من وضع صورة كاملة للبحث؛ لترتيب هذه الموضوعات قبل البدء بالتنفيذ العملي لها، ولا يتأتى للباحث وضْع هذه الخطة إلَّا بعد الوصول إلى تصوّر جيّد لموضوع بحثه هذا؛ حتى يتمكّن من إنجازه على النحو المطلوب والمرغوب.

مسألة مهمّة نُنبه إليها في كلّ خطوة من خطوات البحث:

إن اختيار موضوع البحث يقوم على القراءة، ويقوم على المشاورة. واختيار عنوان للبحث يقوم على القراءة وعلى المشاورة. واختيار تصميم للبحث أو خطّة أوّليّة للبحث، كذلك يقوم على القراءة والمشاورة.

فلا بد من القراءة في المصادر والمراجع، ولا بدّ من التشاور مع المشرف وغيره من الأساتذة الموجودين في القسم أو في الأقسام المناظرة في الكليات الأخرى، ثم الرجوع إلى كلّ ما يمكن أن يكون له صلة بالبحث من مصادر العلْم المتوفّرة من الموسوعات العلْمية، من المراجع الكبرى، من الدخول على شبكة “الإنترنت” وتصوير كلّ ما يحتاج إليه من ذلك كلّه؛ حتى يكون تحت يد الباحث من كلّ هذه المصادر المتنوّعة.

ثم يجمع الباحث كلّ ما توفّر له من المعلومات أمام عينيْه، ويُجيل النظر فيها والتأمل لها والمعايشة لها، وعن طريق هذا كلّه، وعن طريق التفكير العميق في موضوعاتها، سينبثق في ذهنه تصوّر جيّد للبحث، تتجلى فيه العناصر الرئيسة والموضوعات الأساسية، وسيهتدي إلى التطور والتدرج في عرض الأفكار، وسيظهر له المشكلات والعقبات المحتملة، وسيتمكّن من وضع المنهج الملائم لمواجهتها وحلّها؛ وبهذا يكون التّصوّر لموضوع البحث كاملًا ودقيقًا، ويكون التأمّل الذهني له مُمكنًا، كما يمكن له نقده وفحصه وترتيبه وتعديله، والكشف عمّا في هذا المخطط الأوّليّ من ثغرات أو نقاط أو مواضع ضعف، كما يتبيّن له نقاط البحث التي تحتاج إلى مزيد من التركيز والاهتمام.

فإذا وصل إلى هذا التصور الأوّليّ في كلّ الموضوعات، فعليه أن يصوغ هذا كلّه صياغة واضحة، يتفادى فيها التقسيمات المعقّدة الغامضة التي لا تمكّن الناظر في هذا التصميم من التّصوّر الجيّد للموضوع. ويجب أن يتحلّى ما يقدِّمه في هذا الوقت من الصياغة بالوضوح؛ فالوضوح شرط مهمّ؛ لأنه كلما كانت التقسيمات واضحة، كان استيعاب الموضوع أيسرَ وأشملَ وأكملَ.

وينبغي أن يلاحظ عند إعداد الخطّة الأوّليّة: المشروع الرئيس في البحث، أو ما يسمَّى: مشكلة البحث التي قد تكون متعلّقة بشخصية معيّنة، أو بمذهب معيّن، أو بظاهرة نفسيّة أو سلوكيّة أو اجتماعية. فلا بد أن يتحلّى بهذا الوضوح في اختيار المشروع الرئيس في البحث؛ حتى يتمكّن من متابعة البحث فيما بعد ذلك.

مثلًا عندما يقول:

دَوْر الإمام الشافعي في إنشاء علْم أصول الفقه، لا بد أن يكون الأمر واضحًا في ذهنه تمامًا حول هذه المسألة.

أو “مذهب الطبري في التفسير بين أهل الأثر وبين أهل الرأي”، لا بد أن يكون متصوّرًا تصوّرًا جيِّدًا لمشكلة البحث التي سوف يقوم بالبحث عنها.

أو “عَلاقة الإمام الشافعي بالإمام الجُويني في علْم أصول الفقه”، لا بد أن تكون المسائل محدّدة تحديدًا واضحًا.

أو “نقد ابن خلدون لبعض المصادر التاريخية السابقة عليه، مثل (مروج الذهب) للمسعودي، أو (تاريخ الطبري) في بعض المسائل”.

أو “المنهج الذي وضعه ابن خلدون لدراسة التاريخ، وعلاقة هذا المنهج بعلْم العمران”.

لا بد أن تكون المسائل واضحة؛ فإذا اتّضح الموضوع الرئيس في ذهن الباحث، فإن ذلك سيؤدّي إلى تصوّر الجزئيات التي تدخل في نطاق هذا الموضوع.

ثانيًا: تحديد وبيان الأفكار الرئيسة، والأفكار الثانوية أو المساعِدة التي يتكوّن منها الموضوع الرئيس أو المشكلة الأساسية.

البحث مثل الجسد الإنساني هو كلّه جسد، لكن فيه رأس، وفيه ذراعان، وفيه أرجل، وفيه صدر، وفيه بطن، وفيه أجزاء داخلية، وفيه أجزاء خارجية، لا بد مِن تصوّر العناصر الأساسية لموضوع البحث حتى يكون الإنجاز له فيما بعدُ قائمًا على هذا التّصوّر الواضح والدّقيق.

ثالثًا: لا بد أن يتضمّن هذا التصور الأوّليّ بيانًا بأهمّ المصادر، والمراجع، والوثائق، التي سيرجع إليها الباحث في إعداد بحثه.

على الباحث كذلك أن يحدّد المنهج الذي سيسير عليه في هذا البحث.

قلنا من قبل: إن المناهج ثلاثة بصفة عامة: المنهج الوصفي، المنهج التاريخي، المنهج التطبيقي. فيحدّد: هل سيأخذ بالمنهج التاريخي، أو سيأخذ بالمنهج الوصفي، أو سيأخذ بالمنهج التطبيقي؟

إذا كانت موضوعات بحثه تدخل في هذا النطاق، فعليه أن يحرِص دائمًا -كما حرَصَ في العنوان- على الوضوح والدّقّة في تعبيره عن هذه العناصر كلها؛ لأن هذا يدلّ على وضوح موضوع البحث في ذهنه؛ ومن ثَم سيكون دليلًا له إلى سيْر موفّق في إنجاز الموضوع دون عقبات أو مفاجآت. هذا الأمر لا بد من ملاحظته ولا بد من مراعاته؛ لكي يمكن السّيْر العلْمي الدقيق في هذا الموضوع.

العناصر التي لا بدّ أن تتضمّنها خطّة البحث العلْمي:

تجلّى لنا -ممّا سبق- أنّ لدينا ضرورة لوضْع خطّة أوّليّة لهذا البحث الذي قام الباحث بتحديد موضوعه وبتحديد عنوانه، وهو الآن في مرحلة وضْع التصميم الأوّليّ له. لا بدّ أن تتضمّن هذه الخطّة عددًا من العناصر الأساسية التي تُعدّ الخطّة فيه ناقصة إذا لم تتضمّن فيها هذه العناصر:

أولًا: عنوان البحث:

أن يكون بالشروط التي سبق لنا الحديث عنها؛ ومن أهمّها: الدقة، والمرونة، ووجود مادة علميّة صالحة لبناء هذا البحث، ولا يكون غامضًا ولا صعبًا ولا معقّدًا … إلخ.

ثانيًا: بيان أهمّيّة البحث، وإبراز الحاجة إلى إجرائه، وإيضاح القيمة العلْمية والعمليّة له والفائدة المتوقّعة منه:

بحث بلا قيمة لا فائدةَ له؛ بحيث ليس له أهمية لا يمكن للأساتذة أن يوافقوا عليه. فلا بدّ من بيان أهمّيّة البحث، وأن يكون البيان واقعيًّا بلا مبالغة؛ لأن الطالب يريد أن يسجل في موضوع معيّن، فيتخيّل أنّ ما يكتبه من أهمية موهومة سيؤدي إلى إقناع الأساتذة به. وقد يغتر بعض الأساتذة بهذا الكلام الوهمي عند الموضوع، لكن عند الدخول إلى المجال التطبيقي والإنجاز لهذا الموضوع، سيتجلّى أنه ليس مهمًّا، وأنّ على هذا الباحث أن يراجع نفسه؛ لأنه أدخل نفسه في موضوع ليس له قيمة، كإجراء بحوث في موضوعات سبق للآخرين القيام بها مع بعض التعديلات اليسيرة.

ونحن قلنا: إنه لا بدّ من الإضافة العلْمية من أوّل لحظة في الحديث عن هذا المنهج، فلا بد من إجراء بحوث لها إضافات علْمية مهمّة حتى يكون له مبرر من القيام بمثل هذه الموضوعات.

القيمة العلْمية إذًا مسألة مهمّة جدًّا، والقيمة العملية أيضًا في البحوث التي تحتمل هذه النتائج العمليّة والفوائد المتوقّعة مسألة مهمّة جدًّا في أي بحث. ولا بد أن تبرز في الخطة التي يقدِّمها الباحث إلى أساتذته حتى يوافقوا على تسجيل هذا الموضوع.

ويتّضح هذا الأمر -وهو القيمة العلْميّة- بمراعاة عدد من العناصر:

(1) إبراز بعض الجوانب التي ما تزال مهملة في مجال البحوث، ووصْفها أو شرحها، وهذه إضافة علْمية ولا شك في ذلك.

(2) التّحقّق من صحة بعض النظريات والأفكار أو عدَم صحّتها.

(3) سدّ بعض الثغرات فيما هو متوافر من المعلومات. يعني: قد يكون عندنا معلومات تاريخية عن عصر معيّن أو عن نقطة معيّنة في مجال بحث من البحوث، ولكن ما يزال فيه ثغرات ومواضع مواطن ليست واضحة للعلماء، فيبيِّن الباحث أنه سيقوم بسدّ هذه الثغرات وملء هذه الفراغات، بتقديم معلومات جديدة لم تكن متوفِّرة للباحثين من قبل.

(4) كشف القناع عن بعض التفسيرات الخاطئة التي قال بها بعض العلماء السابقين في أي مجال من المجالات المتعدِّدة، يعني: يقال في بعض الأحيان -مثلًا: إن الإمام الشافعي تأثر في وضعه لكتاب: (الرسالة)، وهو الكتاب الأصيل الذي حدّد به الشافعي معالم علْم أصول الفقه، فيأتي بعض الباحثين -المتسرِّعين- ليقولوا: إن الشافعي تأثر في هذا بالمنطق اليوناني، فيأتون ببعض الروايات الملفّقة أو المزوّرة التي تقول: “إن الشافعي كان على علْم باللغة اليونانية …!” من غير توثيق لمثل هذه المعلومات. وهذا كلام يقوله بعض الباحثين من المستشرقين ومَن يغترّون بالنتائج التي يتوصّل هؤلاء إليها.

فيأتي عالم من علمائنا المسلمين القدامى مثل: ابن قيم الجوزية في كتابه: (مفتاح دار السعادة) ويقول: إن الشافعي لم يعرف اللغة اليونانية، والرواية يطبّق عليها معايير علْم الحديث في التوثيق، فيبيّن أن الرواية تُنسَب إلى أحد من رجال الإسناد، رجل موصوف بالكذب وأنه وضَّاع، وأنه مثلما وضع غيره في علْم الحديث رواياتٍ نسبوها إلى الرسول، وتمكّن علماء الحديث من كشف أكاذيبهم فيها، وبيان الوضع والتلفيق الموجود بها، فبيّن ابن قيم الجوزية أن هذه مسألة غير حقيقية، وذَكَر من النصوص في كتاب: (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة) أنّ الإمام الشافعي يرى أن اللغة العربية لها منطق يختلف عن منطق أيّة لغة أخرى، وأن ما وضعه من أصول يرجع فيها إلى القرآن، وإلى السُّنّة، وإلى التّأمّل في فعل الصحابة والتابعين … إلخ.

(5) تصحيح بعض المناهج على سبيل المثال: كان الناس قديمًا يتصوّرون أن الكيمياء تساعد على تحويل المعادن إلى ذهب، فأتى بعض العلماء الإسلاميِّين، ومنهم علماء من السلف، ومنهم ابن القيم حيث وضع أربعين دليلًا تدل على أن هذا التصور لوظيفة علْم الكيمياء تصوّر خاطئ. ويسهم بعض العلماء التجريبيِّين بل بعض الفلاسفة في بيان أن هذا كلام خاطئ، ويضعون منهجًا جديدًا لعلْم الكيمياء هو الذي أدّى إلى وجود هذا العلْم بصورته الحديثة التي ظهرت فيما بعد في أوروبا … إلخ.

(6) حلّ بعض المشكلات العلْمية، يعني: إذا كان هناك تطبيق لنظرية، وأدّت إلى وجود بعض المشكلات العلْمية تحتاج من العلماء إلى حلّ، فلا بد أن يتخصّص في هذه النقطة أحد من الباحثين أو فريق من الباحثين؛ حتى يحلّوا بعض المشكلات العلْمية التي تتعلّق بمثل هذا الموضوع.

(7) الإضافة العلْمية الجديدة، أو توقّع للتطورات المتوقّعة في مجال علْم معيّن، وهذه كلها داخلة في بيان القيمة العلْمية والعملية للبحث، والتي ينبغي أن تتضمّن الخطة حديثًا عنها.

ولا يشترط في كلّ بحث علْمي أن يحقّق هذه الأمور كلّها، فهذا أمر يكاد أن يخرج عن الطاقة الإنسانية، لكن على الأقل أن يتضمّن واحدًا أو أكثر من تلك الأهداف التي يجب أن يتّجه البحث العلْمي إليها. ولا بد على الأقل من تحقّق الشرط الأخير أو الجانب الأخير، وهو: الإضافة العلمية المتميزة التي لا بد أن تتحقّق في كل بحث علمي.

ثالثًا: التقرير عن الموضوع:

وفيه يحدّد الباحث الفكرةَ الأساسيةَ في هذا البحث، ويوضّح ما يقصد بعمله فيه، وذلك في عبارات واضحة دقيقة مركّزة. وهذه الفقرة في الخطّة هي: المِفتاح الحقيقي للبحث، وهي التي تلمس جوهر الموضوع وأساس الفكرة التي سيقوم الباحث بدراستها، وسيترتب عليها تحديد خطة الدراسة، وتحديد اتّجاهها، كما سيترتّب عليها تحديد الجهود التي سيُطلب من الباحث القيام بها. ويراعى أن يقدم ذلك كله في صورة متوازنة تقدّم فكرةً مناسبةً عن البحث، دون اختصار مخلّ ودون إسهاب لا حاجةَ للبحث إليه؛ لأن هذا الإسهاب سيكون موضعه في البحث عندما يكتب كتابة نهائية فيما بعد حسب التطور الطبيعي لبناء البحث.

رابعًا: أن يقدّم الباحث في خطّته الأوّلية هذه تبويبًا للبحث:

هذا التبويب يُقسَّم فيه البحثُ إلى أبواب وفصول، يتمّ تحديدها وترتيبها بحسب المادة العلمية التي توصّل الباحث إليها، وبحسب طبيعة المسائل والمشكلات المتقاربة أو المتشابهة التي تُدرج كلّ موضوع في داخل فصل معيّن.

لا يكون هناك امتزاج أو خليط من الموضوعات، وانتقال من موضوع إلى آخر دون ترتيب ودون اتّصال وثيق ودون تسلسل منطقي؛ بل لا بد أن تُحصر كلّ فكرة في موضعها من البحث. فإذا كانت فكرة صغيرة تكون مطلبًا، إذا كانت فكرة كبيرة تكون فصلًا، إذا كانت أفكارًا متّصلة ومتقاربة تكون في داخل باب.

وهكذا يتم التطوّر الطبيعي في داخل البحث دون قفز ودون فجوات ودون انتقال مفاجئ من فكرة إلى أخرى ليس بينها وبينها اتصال، مع ملاحظة هذه الأمور حتى يتطوّر البحث تطورًا طبيعيًّا وكأنه جنين ينمو حسب الوضع الطبيعي الذي خلق الله الكائنات عليه. هو يريد أيضًا أن يبني هذا الجنين -أي: البحث العلْمي- بناءً علميًّا منهجيًّا منطقيًّا.

ونحن هنا لا نشبّه الفعل الإنساني بالفعل الإلهي، ولكن نشير إلى أنّ من اللازم ومن الواجب مراعاة هذا التطور الطبيعي المنطقي دون قفزات ودون فجوات؛ بحيث يكون الأمر على هذا النحو من الوضوح والدِّقّة، وحتى لا يؤدّي التطور الفجائي إلى تشتّتٍ ذهني أو إلى عجز عن المتابعة، أو وجود فجوات في البحث العلْمي لا يحتملها هذا البحث.

خامسًا: تحْديد المَنْهَج العِلْمِي الذي سيتمّ تَطبيقه في البَحْث، على حَسَب الموضوعات الدَّاخِلة في نطاق البَحْث:

فالموضوعاتُ التاريخية غير الموضوعات التطبيقية، غير الموضوعات النفسية أو الاجتماعية.

وقد سبق لنا أن تحدَّثنا عن هذه المناهِج الوصفية، والاستقرائية، والتاريخية. ولا بدَّ على الباحِث -وهو أوّل خُطوات البَحْث- أن يُحدِّد المَنْهَج الذي سيستَخْدمه. وقد تنْقَسِم بعْض المناهِج إلى مناهِج داخلية فَرعية، كالمَنْهَج التحليلي، أو المَنْهَج النَّقْدي، أو المَنْهَج المُقَارن، بحسب الموضوعات التي يقوم الباحِث بدراسَتِها، والتي لا بدَّ أنْ يستشير أستاذه في المَنْهَج الذي ستُدْرَس به هذه الظَّواهِر. وقد يحْتاج إلى المُزَاوَجة بين عَددٍ من هذه المناهِج، فيكون هناك جُزء للوَصف، مثل الظَّاهِرة النفسية، والظَّاهِرة الاجتماعية، وجُزء للاستنباط على ذلك، وتَحْليل الظَّواهِر، أو دراسة تاريخية للظاهِرة.

قدْ يُضطَر الباحِث في بعض الموضوعات ذات العلاقة بموضوعات كَثيرة ومجالات كثيرة وحُقول عِلْميّة مُتَنوعة، أن يستَخْدم أكثرَ من مَنْهَج بحَسَب طريقة الموضوع، لكن لا بدَّ أن يُحَدّد ذلك في التَّصَور الأوّلي للبَحْث الذي سيقوم بإجْرائه.

سادسًا: على الباحث أن يعْرض في هذا المُخَطَّط الأوّليّ بيانًا بالدِّرَاسَات السابقة حول موضوع البَحْث الذي سيتناوله:

لا بدَّ للباحث أنْ يُثْبِتَ أنه سَيُضيف جَديدًا، ولنْ يُضِيف جَديدًا إلَّا إذا كان على دِراية بما سَبق إجراؤه من البُحوث. وهنالك بعْض الموضوعات الكبرى، أو المُعَقّدة التي لا يُمْكِن لباحِث واحد أن يقوم بها، ولذلك يقوم بها فَريق عَمَل على التَّوالي، فيَخْتَصّ كل واحد بِدِراسة جُزئية من الجُزْئيات، ومِن ثَمَّ فلا بدَّ للباحث وهو يُقدِّم خُطَّة بحْثِه ويذكر تَصْمِيمها الأوّلي، أن يَطَّلِع على الدِّرَاسَات السابقة في موضوع البَحْث، مع دِراسَتِها دِراسَة نَقْدِية فاحِصة؛ لكي يتَبيَّن مَدى صِلتها بالموضوع، وليُبَرهِن على أن ما سيُقدِّمه في بحْثِه، سيكون إضافَة جَديدة لهذه الدِّرَاسَات السابقة، وليست مُجرّد تَكْرار لها ولنتائجها.

 معنى هذا: أن يُقدِّم دِراسة تقويميّة لهذه البُحُوث، مع بيان للزَّاوِية الجَديدة، أو النّقاط الجَديدة التي لمْ تَتِم دِراستها في الدِّرَاسَات السابقة: الشخصيات الكُبرى، أو المذاهِب الكُبرى، أو الموضوعات الكُبرى، تحتاج إلى أكثر من باحث.

فعندما نتكلّم -مثلًا- عن الطبري، يُمْكِن دراسته بوصْفِه مُؤرِّخًا، ويُمْكِن دراسته بوصْفِه مُفَسِّرًا، ويُمْكِن دراسته بوصْفِه صاحب دِراسة لعلْم الحَديث، ويُمْكِن دراسته من الناحية الفِقهية، ويُمْكِن دراسته من النَّاحية الاعتقادية … إلى آخر هذه الموضوعات.

فإذا أردْتُ أن أدْرس عن الطبري، علي أن أقدم بحثًا علميًّا عنه، وأن أعرِف البُحُوث العِلْمِية التي أجرِيَت عنه، والحُقول العِلْمِية التي أُجريت له؛ حتى أتجَنَّب البُحُوث التي تَمَّ إجْراؤها والانتهاء منها، فلا أكَرّر ما قاله السابقون فيه.

أيضًا شخصية كشخصية “ابن تيمية” يُمْكِن دراستها من جوانب وزوايا عَديدة؛ منها: ما يَتَعلَّق بالاعتقاد، وما يَتَعلَّق بالفِقه، وما يَتَعلَّق بموقِفه من النَّقْد القَويم الذي قَدَّمه للمَنْطِق، وللفلسفة، وللتَّصوف، ولبعض المعاصرين له من الفُقَهاء. فإذًا أردت أن أدرس “ابن تيمية”، فلا بدَّ أنْ أحَدِّد المَسارَ الذي سأسير فيه؛ بحيث لا أكرّر ما قاله السابقون. أو يكون هذا الموضوع الذي سأتناوله لَهُ لَمْ يُدْرَس، أو لمْ تتم دِراسته بطَريقة كافِية وافِية، ونحو ذلك.

فعليَّ أن أبيِّن الزوايا الجَديدة للموضوع المتناول؛ حتى يُمْكِن إضافة شيء جديد إلى البَحْث العِلْمِي، فلا يكون البَحْث مُجرّد تكْرار، أو تَرديد لِمَا قاله السابقون.

ويتجَلَّى هذا جيدًا في الموضوعات الكَبيرة، يعني: عندما أدرس فِرْقة من الفِرَق، أو مذهبًا من المذاهِب الفقهية، أو مذهبًا من المذاهب الاعتقادية، أو عندما أدرس دَولة من الدّول الكُبيرة مثل الدولة العباسية، فعلي أن أحدد: في أيّ عَصر سأدرسها، وفي أيّ قَرن، وفي أيّ إقليم، وفي أي عصر من خلفائها…؟ إلخ.

وهكذا عندما أدرس تاريخ دولة كالدولة العثمانية، عندما أدرس مذهبًا كمذهب الإمام الشافعي، أو مذهبَ الإمام أحمد. فمثل هذه الموضوعات كثيرة وكبيرة جدًّا لا يُمْكِن القيام بها مَرةً واحدةً. إذًا لا بدَّ من التَّخصص.

ثُمَّ لا بُدَّ على كل باحِث أن يُقَدِّم جَديدًا يُضاف إلى ما قاله السابقون، ولا يكون هنالِك تَكْرير، فالتَّكْرير غير مَسموح به في نِطاق البَحْث العِلْمِي؛ لأنه لا بدَّ أن يكون في البَحْث العِلْمِي جَديد.

ما الذي يستَفيده الباحِث إذا ما حدد ما اطّلع عليه من الدِّرَاسَات السابقة؟

الاستفادة الأولى: تفادي التَّكرار في البُحوث؛ لأن هذا غير مَسموح.

الاستفادة الثانية: إيضاح الأسباب المُقنعة التي تُؤدّي إلى جَدوى دِراسة المَوضوع المُقْتَرح؛ فعِندئذٍ يكون لديه من الطُمأنينة ما يُساعِده على المُضيّ قُدُمًا في دراسة موضوعه.

الاستفادة الثالثة: يتبيّن المشرفون على هذا الباحِث أنّ لديْه القُدْرة على الاطّلاع، ثم القُدْرة على النَّقْد لِما سَبق من الدِّرَاسَات، وإبرازِه للمَقْدرة العِلْمِية على القيام ببحْثِه الجَديد.

وينبَغي الإشارة هنا -وهذه مسألة مُهِمة- إلى أنه ليس مِن الخَطأ -أي: الخَطأ المُطْلَق- الكتابة في بحْث سبَق بحْثه، إذا كان هذا البَحْث سيضيف جديدًا، أو ستتمّ دِراسته على ظُهور وثائِق جَديدة، ومعلومات جَديدة، أو كان البَحْث سيتضمَّن تقويمًا نقْدِيًّا للدِّراسات السابقة، أو سيصحّح أخطاءً علميةً وقعت فيما سبقت دراستُه، أو سيتضمَّن نتائج أخرى جَديدة أكثر تَقَدُّمًا عمّا سبق من الدِّرَاسَات.

على سبيل المثال: قبل أن تُطْبَع “فتاوَى ابن تيمية”، أُجريَت بحوث عن “ابن تيمية” قبل ظهور هذه الفتاوى، أو قبل ظهور الطبعة العِلْمِية المُحقّقة لكتاب (دَرء تعارض العَقْل والنَّقل)، و(مِنهاج السُّنة)، وهما الكِتابان اللذان قام الأستاذ الدكتور محمد رشاد سالم -رحمه الله- بتحقِيقِهما تحقيقًا علميًّا جيدًا، وقدَّمَهما للباحثين. وبالتأكيد بعد ظهور هذه الكتب، يُمْكِن إجراء دِراسات جديدة، وقد تمّت بالفعل إجراء مثل هذه الدِّرَاسَات.

سابعًا: تَحديد نِطاق البَحْث، ومجال البَحْث، والإطار العامّ:

خصوصًا إذا كان الموضوع أو عنوانُه يوحيان بدخول موضوعات أخرى فيه، كأن يُحدّد المَكان، أو يُحدّد الزَّمان في قَرن مُعَيَّن أو في سنوات مُحددة، أو في نُقْطَة مُحدّدة من نقاط البَحْث.

مثلًا: إذا قِيل: إن هناك باحثًا يريد أن يُسجّل بحْثًا عن الاجتهاد الفِقهي في العَصْر الحديث، نسأله: أين؟ هل هو على مستوى العالَم الإسلامي كلّه؟ وعندئذٍ سيكون الأمر صَعْب التنفيذ، أو أنه في زمن مُعَيَّن؟ أو في بلد مُعَيَّن؟ أو عند مجتهد مُعَيَّن؟ وهكذا يجب أن يُحَدّد نِطاق البَحْث، ومَجاله، وإطاره العَام. ويُسْتحسن أن يتم هذا في العنوان نفْسِه، فإذا لم يتمّ ذلك فينبغي تَحديده في خُطَّة البَحْث؛ ومن ثَمَّ لا يُسْمَح بهذا العُموم الذي يُؤدّي إلى هذا الاتساع الشديد، الذي لا يُمْكِن تَنفيذه على نحوٍ عِلْمي دَقيق.

ثامنًا: محاولة جَدولة مراحِل البَحْث:

بمعنى: محاولة وضْع جَدول زَمني تَقْريبيّ لإنجاز أجزاء البَحْث، ووَضع تَوقِيت تَقريبي لكل مرحَلة من مراحِله، وعلى الباحِث أن يجْتهِد في الالتزام بذلك قَدْرَ الإمكان؛ حتى يَتَمَكَّن من إنجاز بحْثه في الوقت المَطلوب، أو المناسِب. ومن الطبيعي -وهذه مسألة تتعَلق بالبَشر بصِفة عامة- أنهم -أقصد: الباحثين- لا يملكون دائمًا كل الظُّروف، ولكن قد تأتي ظروف أقوى منهُم تتحكّم في دَرجة سيْرهِم، وفي سُرعة سيرهم في تحْقيق مُتَطلَّبات الباحِث.

فعلى سبيل المثال، قدْ يَطْلُب تَصوير مَخْطوط من بلد آخَر، ولا يأتي له الرَّد عَاجِلًا أو سريعًا، فيُضطَرّ إلى الانتظار. فقد تتعطّل بعض الأجهزة التي سيقوم باستخدامها في بحْثه، قد يطلب جهازًا جديدًا تمّ التعاقد عليه، ولكن يتم التَّأخر في تَسلُّمِه. قدْ يحْدث أن يُسافِر المُشْرف -على سَبيل المِثال- في مُهمّة علميّة إلى خارج البلاد تستَمر بضْعَة أشهُر، فيؤدّي هذا إلى تَأخُّر الباحِث. قد يحْدث للباحِث نفْسِه ظُروف نفْسِية أو اجتماعية، لا تُمَكِّنه من مُواصَلة السير بنَفْس القوة التي بدأ بها الباحِث. وهكذا.

لكن على سبيل التقريب، لا بدَّ أن يُوضَع جَدول زَمني، ويلتزم الباحث به أمام نفسه، فيقول: أنا أضع لنفسي سنتيْن لإجْراء هذا البَحْث، أو سنة وبِضْعَة أشهر، أو ستة أشهر، أو ثمانية أشهر، أو ثلاث سَنوات، على حَسَب صُعوبة المَوضوع، والمَوضوعات الدَّاخِلة فيه، أو استحضار العناصِر المُعاونة على إنجازه. هذا التحديد التَّقْريبي يظل دائمًا دافعًا قويًّا للباحِث على أن يُنْجِز ما التزم به. لكن إذا ترك نفسه مع القِراءة التي قدْ تتّسع في مدَاها، وفي حجْمِها، وفي تنوّعها، قد يُغْريه البَحْث العام في نِطاق تَخصّصه دون أن يُركِّز اهتماماته على موضوع البَحْث؛ فقد يُغْريه ذلك بقِراءات مُوسَّعة ومُطوَّلة، فلا يكاد ينتهي؛ لأن العِلم لا ينتهي في الحقيقة، وبعْض العِلم فيه إغراء شديد، ولكنه سيشُدّه بعيدًا عن موضوع البَحْث؛ ومن ثَمَّ يجب مراعاة الزمن قَدْر الإمكان؛ حتى يكون دافعًا له على الإنجاز في وقت مُقارِب للزَّمن الذي حَدَّده لإنجاز البَحْث.

ويُمْكِن أن نَضمّ إلى ما سَبق عددًا من التنبيهات التي تُراعى بصِفة عامة في إنجاز تلك العناصر التي سَبق الحَديث عنها:

أ- ينبغي أن يلاحظ البَاحث -وهو يضع هذا التَّصْمِيم الأوّليّ للبحث- أنه لا مجال في الخُطَّة المقترحة الأوّليّة للتفصيلات والمعلومات الكَثيرة، بل لا بدَّ من التركِيز، مع ترْك التفصيلات لموضعها من البحث عند الكتابة. ولكن ليس معنى ذلك أن يلجأ إلى الإيجاز المُخِلّ أو الغُموض، بل يجب أن يتمّ ذلك في تَوازُنٍ؛ حتى يُعْطي فِكرة جيّدة عن الموضوع دون إسهاب شَديد، أو دون إيجاز مُخِلّ.

ب- ثم عليه أن يُلاحِظ أنّ هذه الخُطَّة التي يقدّمها في مَرحلة مِن مَراحِل البَحْث تُعَدُّ خُطَّة أوّليّة، وقد لا يتيسّر لها أن تكون كامِلة مِن أوّلِ مُحاولة. وهي على كل حال ليست خُطَّة نِهائية، فكثيرًا ما يَطْرأ عليها تعْدِيل أو تَغْيير، بسَبب ظُهور بحوث جَديدة أو كُتب أو مُؤلفات عِلْمية جَديدة، أو وثائِق جَديدة، أو أجهِزة حَديثة، ممّا يحْتَاج إليه البَاحِثون في العُلوم العملية التطْبِيقية.

وقد يكون السَّبب هو ما يتَّضِح للباحِث نفْسِه عند الغَوص في جَوانب المَوضوع أن فيه جوانِبَ لم يكن على دِراية بها في بدايات البَحْث، وهذه مسألة طبيعية، ولكن تُؤدي إلى تعْديل أو تغْيير في الخُطَّة؛ وإذًا فلا حَرجَ إذا اضطُر الباحِث لأسباب مَوضوعِية عِلْمية إلى تعْدِيل خُطَّته على ضَوْءِ ما يَجِدُّ من المعلومات، أو يَطْرأ من الظروف، وهذه كلّها مسائل لا بدَّ أن تَدخل في التَّصْمِيم الأوّلي لتلك الخُطَّة، من أول وضْع العُنوان إلى التَّدَرج في النِّقاط والمسائل التي تحدثنا عنها بإسهاب.

وفي الحَقيقة، ربما يُؤدّي النظر إلى هذه الموضوعات على أنها كَثيرة، وأن المسألة صَعْبة، ولكنها ربما تكون صَعْبة في أوّل الأمر، ولكن بالتَّعَوّد والتَّدريب والتَّجربة والدَّأب ومُواصَلة البَحْث العِلْمِي، يُمْكِن التَّغَلب على مثل هذه الصُّعوبات؛ لكي تتحوّل إلى مسألة فِطْرية طَبيعية في ذهنية الباحِث الذي يقوم بالبَحْث. وهكذا يتم له وضْع خُطَّة دَقيقة تكون خَيرَ مُرشِدٍ، وخَيرَ دليلٍ له؛ حتى يُنْجِز هذا البَحْث العِلْمِي المأمول والمُرتَقب.

باستحضار كلّ هذه المعْلومات السابقة في كَيفية اختيار المَوضوع، ثم اختيار العُنوان، ثم وضْع التقْرير العِلْمِي أو التَّخْطيط الأوّليّ لموضوع البَحْث، يكون الباحِث قد تهيّأ للقيام بالبَحْث العِلْمِي، واستعدَّ للقيام به على نحوٍ طَبيعي. وبالفعل يكون لديه هذا التَّصور الجَيِّد للموضوع، والتَّقَدم نحو إجراء هذا الموضوع بطريقة دَقيقة ومُحْكَمة، وكل ما سَبق يُساعِده على ضَبط خُطواتِه، وعلى تَنفيذ الإجراءات التي سوف يقوم بها فيما بعْد، عندما ينْتَقِل من هذه المرحلة الأوّليّة إلى مرحلة التَّنْفيذ العِلْمِي والعَمَلي، لكلّ ما يتطلّبه بحْثه مِن إجراءات عَمَليّة سيتمّ الحَديث عنها. 

error: النص محمي !!