Top
Image Alt

شروط العنوان الجيد

  /  شروط العنوان الجيد

شروط العنوان الجيد

كانت الخطوة الأولى هي اختيار الموضوع، لكن اختيار الموضوع -مع أهمّيّته- هو مقدّمة لاختيار ما بعده؛ فلا يعني اختيار الموضوع أنّ عنوان البحث قد وُضع، بل لا بدّ -بعد اختيار الموضوع بصفة عامة- أن نختار عنوانًا للبحث.

فننتقل من العامّ إلى الخاصّ، وننتقل إلى هذا التدقيق والتحقيق الذي سيُحدّد فيه بدقّة الإطار الذي يجري فيه موضوع البحث.

فلا نكتفي بالعموميّات -كما قلنا- إنما يجب أن نسلك طريقًا محدّدًا دقيقًا، واضح المعالم والقسمات؛ بحيث يعرف الباحث الحدود التي يمرّ فيها، ويلتزم بها حتى لا يشرد هنا أو هناك، أو لا يبتعد عن موضوع بحْثه.

والعنوان الجيِّد هو أفضل دليل يدلّ على البحث ومضمونه، وقد يكون الموضوع جيِّدًا، ولكن الباحث يخفق في اختيار عنوان جيّد له، فيؤدي هذا إلى وجود مصاعب أمام هذا الباحث.

ونحن نعلم: أن العنوان أوّل ما يقابل نظر القارئ، فقبل أن يدخل القارئ إلى الموضوع، وعناصره، ومكوّناته، وأساسيّاته، يجد العنوان أمامه؛ فلا بد أن يختار الباحث العنوانَ بعنايةٍ بالغةٍ.

والعنوان الجيِّد لا بدّ أن تتحقّق فيه شروط كثيرة؛ منها:

الشرط الأول: أن يكون محدّدًا تحديدًا دقيقًا، فلا يكون عنوانًا فضفاضًا، وألا تستعمل فيه تعبيرات تثير الاختلاف، أو تُفهم بأكثر من طريقة، وأن لا تُستعمل فيه عبارات خطابية أو إنشائية شديدة العموم للزمان والمكان؛ فلا بد أن يُحدّد العنوانُ بدقّة.

على سبيل المثال:

– أن يضع الباحث عنوانًا مثل: “نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي”، هكذا دون تحديد لمذهب، أو دون تحديد لإمام معيّن، أو دون تحديد لعصر معيّن، أو دون تحديد لمدرسة معيّنة. هذا الموضوع اختير له عنوان ليس جيدًا؛ لأنه عنوان عامّ، ويُلزم الطالب بدراسات وبجهود ربما لا يستطيع تحمّلها، وحتى إذا استطاع تحمّلها فستأتي كتابته فيها كتابة مسطّحة ليست عميقة ولا غائصة على جواهر المعاني، وإنّما سيكتفي بأن يكتب أيّ شيء لكي يُنجز مثل هذا الموضوع.

– أيضًا يقول: “مناهج المفسِّرين في تفسير القرآن الكريم”، هذا لا يمكن أن يكون بحثًا علميًّا. ربما يوضع فيه كتاب تعليمي؛ لأن الكتاب التعليمي يتناول إلى أساسيّات المسائل، ويشير إلى أهم المناهج الموجودة، ويكتفي ببعض النماذج الممثّلة لها. يعني: تفسير أثري، تفسير بالرأي، مزيج من الاثنيْن، تفسير يتّجه نحو اللغة، تفسير يتّجه نحو النحو، تفسير يتّجه نحو الفقه، تفسير يتّجه نحو التصوف … إلخ. لكن أن يوضع العنوان على هذا النحو من العموم، لا يكون الأمر متاحًا بحيث يؤدي أداءً جيدًا.

– أيضًا عندما يقول: “العلاقة بين الأدب العربي والأدب الفارسي”، هكذا على العموم، أو”بين الأدب العربي والأدب الإنجليزي”، هكذا على العموم.

لا يمكن أن يكون الأمر على هذا النحو في البحوث العلْمية، بل يجب أن يكون الموضوع محدّدًا تحت عنوان دقيق جدًّا وغير فضفاض؛ لأنه كلّما كان فضفاضًا أدّى هذا إلى التسطيح، وأدّى إلى ضرورة بذل جهد أكبر وعدم التوصل إلى نتائج جديدة؛ لأن الباحث لا يستطيع أن يقوم به كما ينبغي القيام، وعندئذٍ لن يتمكّن من الوصول إلى نتائج جيّدة وجديدة في موضوع البحث.

الشرط الثاني: أن يكون العنوان مُفصِحًا تمامًا عن الموضوع؛ بحيث إذا نظر الناظر إليه يتصوّر أو يتوقّع المسائل والمشكلات التي ستُبحث تحت هذا العنوان.

فلا بد أن يكون مُفصحًا عن موضوعه تمامًا، ثم لا بد أن يكون منطبقًا تمامَ الانطباق على الموضوع. فالعنوان مع الموضوع كوجهَيِ العُملة لا بد أن يدل أحدهما على الآخر؛ فلا يناقش الباحث في موضوعه مسائلَ خارجة عن عنوان البحث، وإلَّا فإن أستاذه المشرف والمناقشين له فيما بعْد والمُحكّمين فيه فيما بعد، سيقولون: هذا بحث فيه استطراد، وفيه نتوءات، وفيه أورام علْمية يجب أن تكون بعيدة عن الموضوع. فلا بدّ أن يكون منطبقًا تمام الانطباق على موضوعه، فلا يُدخل الباحث في موضوعه ما لا يتضمّنه العنوان، ولا يختزل الباحث من موضوعه ما يجب أن يتضمّنه العنوان.

مثلًا: إذا كان الموضوع عن العلاقة بين الدولة الأمويّة والدولة البيزنطية في عصر معيّن، مثلًا في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري، أو في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري، لا بد أن يكون محدّدًا حتى يُمكن دراسته.

فإذا تحدث الباحث عن موضوعات تتعلّق بالدولة العباسية، فهذا يكون خارج الموضوع. إذا تحدث عن موضوعات تتعلّق بالفترة السابقة على الدولة الأموية، فهذا خارج أيضًا عن الموضوع، إلَّا إذا كان مجرّد تمهيدات، أو كان مجرّد خلاصات سريعة ويسيرة؛ لكي يتركّز الموضوع على العنوان المحدّد فيه البحث، وبهذا يكون بحثًا جيّدًا.

الشرط الثالث: أن يكون العنوان فيه قدْرٌ من المرونة التي تسمح للباحث بحرّيّة الحركة في تناول الموضوع. فإذا كان يحتاج إلى تفصيلات وتفريعات، اتّسع العنوان لذلك إذا كان متحقّقًا له هذه المرونة. وإذا كان يحتاج إلى تضييق وتحديد واختصار، فإنّ مرونة العنوان تسمح بذلك أيضًا.

وعلى سبيل المثال: إذا كان العنوان تحت “العقوبات في الإسلام”، فإنه يمكن أن يشمل العقوبات البدنيّة والماليّة، ويمكن أن يشمل العقوبات المالية فقط، أو البدنية فقط، أو التعزيرية، أو أي نوع من العقوبات يقوم الباحث بتحديده، بشرط أن يحدّد ذلك في أول بحثه حتى لا يؤخذ عليه أنه ترك العنوان على ما فيه من عموم؛ لأن العموم يُعَدّ عيبًا في العنوان إذا لم يُحدّد ويضيّق بدقة في أوائل البحث الذي سيقوم الباحث بالقيام به.

الشرط الرابع: على الباحث أن يراعي أنه بعد إنجاز البحث سيتمّ تصنيفه ضمن قوائم المكتبات، ولهذا لا بدّ أن يكون العنوان دالًّا على الموضوع، واضح الكلمات بحيث يكون مِفتاحًا لمضمونه، وتحديدًا لموضوعه ولفهرسته. ولكي يمكن أن يتحقّق ذلك، لا بد من استشارة الأساتذة، وألا يملّ الطالب من هذا الأمر، وأن يتوقّع المضمون الذي ينطبق عليه هذا العنوان، وأن يسعى بكل صبر وأناة إلى التحديد التدقيق للعنوان حتى يصل في النهاية إلى عنوان دقيق مُحكم سيكون هو الدليل له إلى موضوعه الذي سيتولّى القيام به فيما بعد.

error: النص محمي !!