Top
Image Alt

شروط المحقق

  /  شروط المحقق

شروط المحقق

“ثقافة المُحقِّق، وما يَنبغي أن يَتحقّق فيه هو نَفسه من الشُّروط”.

لا بدَّ للمُحقِّق الذي يَقوم بهذا الأمر أن يَكون مُتَّصفًا بشُروط، ومُتوافرًا فيه شُروط مُهمّة جدًّا، فإذا كان المخطوط يُشترط الإذن بتَحقيقه هذه الشُّروط التي سَبق ذِكرها، فإن المُقْدم على التَّحقِيق، أو العَامِل في حَقل التَّحقِيق، لا بدَّ أن يتَحقّق فيه عَدد من الشُّروط كَذلك. ويُمْكن القَول بصِفة عامة: إنَّ الشُّروط التي يَلزم تَوفُرها في القائم بأمر التَّحقِيق، أو الذي سنَصِفه بأنه محقِّق، هي الشروط التي يَلزم تَحقّقها في كل باحث عِلمي.

فلا بدَّ أن يَتَّصف بالصَّبر على مَشاقِّ البَحث، ولا بدَّ أن يَتَّصف بالأمانة العِلمية، ولا بدَّ أن يَتزوّد بقدر من الخَيال، ولا بدَّ أن يَبْذل جُهدًا من أجل إضافة الجَديد إلى العِلم؛ لأن هذا يُشتَرط في التَّحقِيق، ويُشتَرط في الجُهد الذي سيَقوم به. ثم يُشتَرط إضافة إلى تلك الشروط التي سَبق الحديث عنها في الكلام عن الباحث العِلمي عددٌ آخر من الشروط، وهذه الشروط تَنقَسم إلى قِسميْن كَبيريْن:

القِسم الأول: يَتعلق بفَن التَّحقِيق نَفسه.

القِسم الثاني: يتَعلّق بالكتاب الذي سيقوم هذا المُحقِّق بتَحقيقه.

يعني عِندنا مَجموعتان من الشُّروط: مَجموعة تَتَعلق بفَن التَّحقِيق، والمَجموعة الثانية تَتَعلق: بالكِتاب الذي سيقوم بتَحْقِيقه، وبالمُؤلف الذي كَتب هذا الكِتاب. ومن القِسم الأول أشير إلى بعْض الشُّروط:

الشرط الأول: التَّزود بقَدر صالح من الثقافة النَّحوية واللغوية والأدبية:

حتى يَتمكّن من القِراءة الصَّحيحة للنَّص الذي سيَقوم بتَحقيقه، وإيضاح ما قَد يَكون به من غُموض، أو تَفنّن في الأساليب؛ ولذلك لا يُقبل في مجال التَّحقِيق مَن لَيس لَديْه القُدرة على القِراءة الصَّحيحة نَحويًّا ولُغويًّا؛ لأنه إذا كان عَاجِزًا عن إقامة لُغة نَفسه، فإنه سيكون بالضَّرورة عَاجزًا عن التَّعامل مع النُّصوص القَديمة شِعرًا ونَثرًا.

وإذا كان التَّحقِيق في مجال الشِّعر، فإنه يَنبغي أن يَكون لديه دراية أيضًا بعِلم العَروض والقَوافي، ليتمكَّن من القِراءة الصَّحيحة للشِّعر، واكتشاف ما قَد يكون النُّساخ للمخطوطات قد وَقعوا فيه من أخطاء في الكِتابة، التي تُخِلّ بوَزن الشِّعر، أو بقَوافيه. ثم إنّ عَليه بالإضافة إلى ذلك، أن يكون على دِراية بالمَعاجِم اللغوية، وطُرقها في تَرتيب المادة اللغوية على حَسب المَدارس المُعْجمية؛ لأنه سيَرجِع إليها دون رَيب؛ لكي يَكشِف عن معنى كلمة غَامِضة في شِعرٍ أو في نَثر؛ ولن يَكون ذلك سَهلًا إلّا بالرجوع إلى المعاجم والقَواميس.

وهكذا يَنبغي أن يكون الباحث المُحقِّق ذا صِلة وَثيقة بالعُلوم العَربية نَحوًا، وصَرفًا، وعَروضًا، ولُغة، ومَعاجِم؛ لأنها أدوات ضَرورية لكل عامِل في حَقل التَّحقِيق. سواء كان يَتقدم بها إلى دَرجة عِلمية أو لغير دَرجة عِلمية، وإلّا إذا غاب عنه هذا الشرط فنَتوقّع أن يكون العَمل الذي تَقدَّم به مَليئًا بالأخطاء؛ لأن صاحبه لا يُقِيم لسانه باللغة العربية، ومن ثَمَّ لا يَستطيع قِراءة النُّصوص القَديمة.

الشرط الثاني: أن يَكون على دِراية مُناسبة بمجال التَّخصص الذي يَقع التَّحقِيق فيه:

فإن كان سيُحقّق كِتابه في عِلم التَّفسير، كان عليه أن يَعْرف الكُتب الأساسية في هذا المَجال، وإن كان سيُحقق في عِلم الحَديث، كان عليه أن يَعْرف الكُتب الأساسية في هذا المَجال. ويَنْطبق ذلك على عُلوم النحو، واللغة، والأدب، والعَقيدة، والأخلاق، والتاريخ، والتَّصوف، والفِرق، والمِلل والنِّحل، ودِراسات الأديان، وتاريخ العُلوم، وسائر العُلوم. وإنما كان هذا الشرط ضروريًّا لعِدة أسباب؛ منها:

1- أن يَعْرف صِلة كِتابه الذي يُحقِّقه بالكُتب المُؤلَّفة في مَجال التَّخصص، يا ترى تأثر بها؟ يا ترى أثّر فيها؟ يا ترى كرّر ما جاء فيها؟ يا ترى أضاف إليها؟ لا بدَّ أن يكون على دِراية بعُلوم المجال الذي يَبحث فيه؛ حتى يَتمكّن من أن يَعرف قِيمة الكِتاب، ثم يَعْرف أصالة هذا الكِتاب، أو ما أضافه إلى العِلم. وهذه مَسألة مُهمّة.

2- ومنها: أن كِتابه الذي يُحقِّقه ربما يكون قد أخذ من الكتب السابقة عليه نصوصًا أو أفكارًا، قد يَذكر أحيانًا وقد لا يَذكر، قد يُصرِّح وقد لا يُصرِّح. المُحقق الجيّد يَتتبّع هذه الأفكار ويَذكر المصادر التي استعان بها واستفاد بها، ويَذكر ذلك دون إخفاء؛ لأن هذا من الأمانة العِلمية.

3- ومن جِهة أخرى هذا الكتاب أثَّر في الكُتب التي أتت من بَعده، يعني: أحيانًا يتأثّر بما قَبله، وأحيانًا يُؤثِّر في الكُتب التي بَعده. فإذا لم أكن على دِراية بالكُتب المَوجودة في المَجال من بعده، فأنا لا أستطيع أن أستَكشِف، ولا أن أعَرِّف الناس بالآثار التي ظَهرت لهذا الكِتاب في الكُتب التي جاءت من بعده.

نَفترض مثلًا: أنّ إنسانًا يُحقق (تَفسير الطَّبري)، دُون أن يَعْرف الكُتب التي جاءت بعد ذلك، لَن يَتَمَكَّن من أن يَعْرف الكتب التي استفادت من كِتاب (تَفسير الطبري). لكن إذا كان على دِراية بالمجال، فإنه يقول هنا: “ارجع إلى ابن كثير؛ لأنه أخذ مِنه هذه الفِكرة”، “ارجع إلى السيوطي في (الدُّر المَنثور)، أخذ هذه الفِكرة”، “ارجع إلى ابن الجَوزي في كِتابه كذا، أخذ منه هذه الفكرة”، “ارجع إلى كُتب التفسير الكَثيرة التي ظهرت”، “(المحرِّر الوجيز) أخذ هذه عن الطبري”، وهكذا. فلا بدَّ أن نَعْرف الكُتب السابقة، والكُتب اللاحِقة -أي: الكتب المتخصّصة في المجال- حتى يَتبيِّن قِيمة الكتاب، وتأثير الكتاب، وتَظهر القيمة العِلمية على شكل واضِح ومُحدّد ومُؤكّد، لا يتمكن بالقيام بهذا الأمر إلّا إذا كان على دِراية بالكُتب المَوجودة، دِراية مَعقولة بهذا المَوضوع.

الشرط الثالث: أن يكون لهذا الذي يَسعى إلى التَّصدي لعِلْم التَّحقيق والقِيام بواجِب في نِطاق التَّحقيق، أن يكون له دِراية بفنّ التَّحقيق نفسه:

وهو فَنّ له قَواعد تَعَارف عَليها العُلماء ووَضعوا فيها الكُتب والمُؤلَّفات، وطبَّقوا هذه القَواعد تَطبيقًا عَمليًّا فيما قاموا به من أعمال عِلمية مُحقّقة؛ ومن الضَّروري الرُّجوع إلى مِثل هذه المُؤلّفات لمَعرفة الأعمال والمَراحل والخُطوات التي يَلزم اتّباعُها ليكون التَّحقيق مَوضِع اعتبار وتَقدير؛ لأنه ليس لَعبًا في الهواء الطَّلق، وإنما أنت دَخلت إلى مَجال له أساسيات، كأي فَن من الفُنون، وأي عِلم من العُلوم له أساسيات. التفسير فيه شروط، والعِناية بعِلم الحديث، لا بدَّ أن يقوم به إنسان له دِراية بهذا العِلم، رِواية ودِراية، وهكذا في كل عِلم.

وإنه لَمِن الغَريب أن يدخل إلى مجال التَّحقيق أناس لَيس لهم أية فِكرة عن التَّحقيق، وهؤلاء يَظنّون أن التَّحقيق هو مُجرّد نَقل النُّصوص من حالة الكتابة باليد إلى الكِتابة عن طَريق الطباعة، دون أي جُهود عِلمية. وإذا جاء النَّشر على هذا النحو، فإنه يكون عَديم القِيمة، ولا يَحظى بأي تَقدير، بل يُسيء إلى سُمعة الذي قام به.

إذًا لا بدَّ أن يَعرف ماذا يَعني التَّحقيق، وما الشُّرط اللازمة، ويَتدرّب عَليها قبل أن يَقوم بالعَمل الفِعلي في مجال التَّحقيق.

الشرط الرابع: تحصيل قَدْرٍ كافٍ من الثقافة العِلمية العامة التي تتعلّق بالعُلوم العربية والإسلامية:

إنسان يعمل في تَحقيق نطاق عِلم الفقه، لا بدَّ أن يكون على دِراية بمجموعة من العُلوم؛ لأن العلوم العربية والإسلامية جميعها نَبعت من دَوحة واحدة، وهي: دَوحة القرآن والسُّنّة.

فإذا كان في النحو سيحتاج إلى أن يَقْتبس من القرآن والسّنّة، وربما يأتي قِراءة في النحو، فلا بدَّ أن يُخرجها من كُتب القِراءات.

افرض أنه في مجال الفِقه، سيحتاج إلى عِلم أصول الفقه، ويَحتاج إلى المَعرفة بالأحاديث؛ لأنه سيَستدل وسيَستنبط؛ إذًا لا بدَّ أن يَعرف الحديث، ويَعرف كيف يُخرِّج الحديث، وكيف يَستَشهد بالحديث، وكيف يُقدِّم حديثًا على حديث؛ لأنه قد يَجد في بعض الأحيان ما ظاهِره التَّعارض بين الأحاديث النبوية، فلا بدَّ أن يَعرف كَيفية حلّ هذا التعارض؛ لأنه سيأخذه دليلًا، هل سيأخذ بهذا أو بذاك؟ سيأخذ بهذا؛ لأنه مثلًا ناسخ للأوّل، أو أتى بعده من حيث التاريخ، أو أنه عامّ والآخر خاصّ، يَجمع بينهما إن استطاع، أو يُرجِّح، أو يُقدِّم، أو نحو ذلك.

فالعامِل في حَقل العُلوم العربية والإسلامية لا بدَّ أن يكون عِنده هذا القَدْر من الدراية بالعُلوم الإسلامية بصفة عامة؛ حتى يتَمكّن من تقديم تَحقيق عِلميّ جَيّد. فهذا يستدعي أن يكون عِنده إلمام ومَعرفة بكَيفيّة الدُّخول إلى هذه العُلوم، والإفادة منها في تَنوير هذا النَّص الذي سيُقدّمه، وإضاءتِه، وخِدمتِه، وحُسن القيام بإفهامِه للناس. فهذه مَسألة ضَرورية ومَسألة مُهمّة جدًّا.

ومن جِهة أخرى، فإن الكُتب القَديمة التي يَجرى تَحقيقها قد تكون ذات طابع مَوسوعي؛ لأن الكُتب القديمة ما كانت تلتزم تمامًا بالكتابة في فَنّ مُعيّن، ولكن يكون فيها نَوع من الاستطراد. العلماء كان في عِلمهم بَركة، وكان عِندهم وقت واسع، وكان عِندهم فُرصة لكي يُفيدوا من عُلوم كثيرة، فإذا جاءت فُرصة فإنك تجد العالِم الواحد وهو يَكتب في مسألة يَنطلق منها إلى مسألة أخرى ويَتطرّق إلى مَسألة ثانية ومَسألة ثالثة، فلم تَكن الكُتب مَحدّدة كما هي الآن على النحو الذي نراه الآن، يكتب في النحو فقط، أو يكتب في الحديث لا يتطرّق لعلوم أخرى. لا. الكُتب القَديمة لم تكن كذلك؛ لأنها كانت في كَثير من الأحيان ذات طابع مَوسوعي.

لم يكن قد ظهر هذا التخصّص الذي ظَهر فيما بعد، وكثيرًا ما يحدث أن يكون الكتاب في التَّفسير، ولكنه يَتعرض لموضوعات في الحَديث، والعَقيدة، والتاريخ، ومُجادَلة أهل الأديان الأخرى. فإذا لم يكن المُحقق على مَعرفة مناسبة بهذه التَّخصّصات فإنه لا يَستطيع النُّهوض بواجبات التَّحقيق على الوَجه الأمثل والأكمل. وربما كان الكتاب في التاريخ ولكنه يَعرِض لموضوعات مُتعدّدة.

وعلى سبيل المثال: انظر إلى كتاب: “مقدمة ابن خلدون” هذه مُقدّمة لكتاب في التاريخ، ولكننا نَجد في الكتاب بابًا كَبيرًا جدًّا مُخصصًا للحَديث عن العُلوم العربية والإسلامية، يُؤرّخ لها ابن خلدون. يعني يأخذ فقرة عن علّم الفقه، والكتب الكبرى في العلْم، والمناهج، والمذاهب … إلخ. يَنتقل إلى عِلم أصول الفقه، يَنتقل إلى الحَديث، يَنتقل إلى التَّفسير، يَنتقل إلى عُلوم اللغة والنحو، يَنتقل إلى عِلم الكلام، يَنتقل إلى الكلام عن الفَلسفة، بل يَنتقل إلى الحَديث عن عُلوم من الطَّبيعيات، والرياضيات، والكيمياء … إلخ.

فإذا لم يَكن المُحقِّق لهذا الكتاب على دِراية مناسبة بهذه العُلوم، فإنه لا يَستطيع أن يُلاحِق ابن خلدون فيما تَحدّث به عن هذه العُلوم، وأن يَتعرَّف على مَصادره التي رَجع إليها، والأفكار التي اقتَبسها، والأفكار التي أضافها.

وانظر إلى كِتاب من الكُتب الكبرى، مثل: “فتاوى ابن تيمية”، تَجد فيها كلامًا في كل المجالات، ولذلك لجأ بعض الناس إلى الفَهرسة، يقول: ما كَتبه في الفِقه، وما كَتبه في الأصول … هذه المَوضوعات، فلا بدَّ من الدِّارية بعُلوم كَثيرة في هذا المجال.

يَنبغي أن نُلاحظ هذه الشروط حتى يَكون المُحقِّق فِعلًا قادرًا على النُّهوض بهذا العِبء العِلمي، وإلّا فإن تَحقيقه سيكون هَزيلًا لا قِيمة له، ويَنظر إليه العُلماء الكبار نَظرة استخفاف، ونَظرة زراية، وربما يُكلّفون بعض تلاميذهم بأن يَقوموا بتحقيق مثل هذه الكُتب مَرة أخرى حتى يَنهضوا بحِملها ويُضيفوا إليها ما يَجعلها جَديرة بأن تُوضع في المَقام والمكان الذي يَجدُر بمثل هذه الكُتب.

وهذه على كل حال هي أهم الشروط التي يَنبغي أن تَتوفر في المُحقّق بصِفة عامة.

error: النص محمي !!