Top
Image Alt

شروط المدعى به

  /  شروط المدعى به

شروط المدعى به

الشرط الأول: يشترط في المدعى به أن يكون معلومًا، والمراد بعلم المدعى به تصوره؛ أي تميزه  وفي ذهن المدعى عليه، وفي ذهن القاضي نفسه؛ وذلك لأن المقصود بالدعوى: هو إصدار الحكم فيها، والمقصود بالحكم فصل الخصومة بإلزام المحقوق برد الحق إلى صاحبه، ولا إلزام مع الجهالة؛ وبناءً عليه لا يصح الحكم بما لا إلزام فيه؛ لأنه لا يتحصل به  مقصود الدعوى لا يتحصل بدون العلم، فوجب اشتراط العلم بالمدعى به لصحة الحكم، وصحة الدعوى، ومن جهة أخرى فإن صحة الشهادة مرهونة بمطابقتها للدعوى، فإن كانت الدعوى مجهولة المدعى به لم تصح الشهادة عليها؛ لأنها أي: الشهادة لا تصح على المجهول، فتكون الدعوى مرفوضة لعدم إمكان إثباتها.

إذا الشرط الأول العلم بالمدعى به، لكن  ما حدود هذا العلم؟ للمدعى به جوانب متعددة، فهناك ذات الشيء المدعى هذا يختلف حدوده حسب الأحوال، يفصل فيه بين ما يكون عينا، وما يكون دينا، والأول يفصل فيه بين ما هو عقار، بين ما هو منقول، كما أن الدعاوى الأخرى التي يطلب بها غير العين والدين كدعوى النسب لها قواعد تختلف في تحديد المدعى به، وهناك سبب استحقاق المدعى به وهو عبارة عن الواقعة الشرعية التي يعتمد عليها المدعي في استحقاق ما يدعيه، هناك أيضا شروط لهذا السبب، وقد وضع بعض علماء الشافعية قاعدة عامة في كيفية العلم بالمدعى به فقالوا: إنما يقدح في صحة الدعوى جهالة تمنع من استيفاء المحكوم به، وتوجيه المطالبة نحوه حيث يكون المدعى به مجهولًا يتردد بين أن يكون هذا الشيء أو ذاك.

 أما إذا سلم المدعى به من هذا؛ يعني سلم من الجهالة، وكان واضحًا معلومًا عند القاضي، وعند المدعي وعند المدعى عليه وعند الشهود  كان محصورًا منضبطًا فلا داعي لهذا العلم به؛ لأنه معلوم بالفعل ويكون اشتراط العلم تحصيلًا للحاصل.

لكن كيف يكون العلم بالمدعى به في دعوى العين مثلًا؟ المدعى به في دعوى العين إما أن يكون عقارًا، وإما أن يكون منقولًا، ولكل طريقة خاصة في التعريف به دعوى العقار يشترط في دعوى ذكر ما يميز العقار المدعى عن غيره، واتفق الفقهاء على أن ذلك لا يكون إلا بذكر حدوده الحدود الأربعة، وناحيته من البلد الجهة الشرقية، الجهة الغربية، شمال شرق، جنوب غرب يحدد شارع كذا، حارة كذا، رقم كذا، يحدد حدود هذا الجهة الشرقية فلان، والجهة الغربية فلان شمالية فلان جنوبية فلان يحدد.

لكن بعض الفقهاء اشترطوا تخصيصها بقيود أكثر من ذلك، فاشترطوا ذكر المحة والسكة التي ينتمي إليها ذلك العقار مع ذكر جهة الباب التي يفتح عليها إلى آخره؛  هذا كله إذا لم يكن مشهورًا، وأما في العقار المشهور فلا يشترط ذلك لتحديده؛ لا يشترط ذكر اسمه عند جمهور الفقهاء والصاحبين، وعند الإمام أبي حنيفة لا بد من ذكر الحدود؛ لأن هذه الحدود هي التي تحدد العقار حتى لو كان مشهورًا، فالإمام أبو حنيفة  يريد أن تكون الأمور في غاية الوضوح؛ حتى المشهور يحدد.

ويشترط في تعريف الحضور عند الحنفية أن يذكر أسماء أصحابه، وأنسابهم فلان ابن فلان إلا المشهورين منهم، فيكتفى بأسمائهم، ويكتفى عندهم بذكر ثلاثة حدود للعقار، واستدلوا على جواز الدعوى بذكر ثلاثة حدود لأن للأكثر حكم الكل غالبًا، واشترط زفر من الحنفية أن تذكر جميع الحدود، وهو المفتى به عند الحنفية.

وقد روي عن أبي يوسف الاكتفاء بالحدين، والحد الواحد وصرحوا بأن الخطأ في ذكر واحد من الحدود الأربعة تجعل الدعوى غير مقبولة؛ لأن ذلك يورث الشك في معرفة المدعي فيما يدعيه، وأما غير الحنفية فقد اشترطوا ذكر جميع الحدود؛ لأن التعريف لا يتم إلا بذكر الحدود الأربعة، وأضاف علماء الشافعية أنه قد يكتفى بثلاثة، وأقل منها إذا عرف العقار بها.

على أي حال كل نوع من المدعى به له تفصيل في الدعوى إذا كانت دعوى بدين، إذا كانت دعوى بتهمة لا بد من التحديد حتى يعلم المدعى به، وقد فسرت بعض الشيء بالنسبة للعين وخصوصًا العقار؛ لأن الدعوى فيه والاختلاف نحوه كثير ما يحدث، لكن الغرض ذكر نموذج من المدعى به، وإلا فكل ما هو مدعى به يشترط أن يكون معلومًا ما لم يكن مشهورًا يحدد بالطرق المختلفة خصوصًا الحدود وذكر أسماء أصحابها حتى يكون الأمر في غاية الوضوح لأطراف الدعوى وللشهود وللقاضي؛ لدرجة أنهم تحدثوا في الملك مثلًا عن ذكر أسباب الاستحقاق في دعوى المنقول.

هذا هو الشرط الأول.

الشرط الثاني: هو أن يكون المدعى به محتمل الثبوت؛ فقد ذهب الفقهاء إلى أنه لا تصح الدعوى بما يستحيل ثبوته في العرف والعادة كمن يدعي بنوة من هو أكبر سنًا؛ يعني مثلًا واحد عنده أربعون سنة يدعي أن فلانا ابنه، وهو عنده خمسين سنة، فكيف هذا؟ هذا مستحيل، وكمن يدعي على شخص معروف بالصلاح والتقوى أنه غصب ماله، بعض الناس يفعلون هذا بغرض التشويش والنيل من سمعة الصالحين، وكادعاء رجل من السوقة على الخليفة أو على عظيم من الملوك أو الأمراء أنه استأجره لكنس داره وسياسة دوابه هذا مستحيل، ونقل العز بن عبد السلام عن الشافعي القول  بقبول الدعوى في المثال الأخير، لكن هذا بعيد مع مخالفة بعض أصحابه له في هذا القول.

واستدل الفقهاء على وجوب كون المدعى به محتملًا في العرف والعادة بأن الله تعالى أمر باعتبار العرف في قوله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ومما ورد عن عبد الله بن مسعود موقوفا أنه قال: “ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنًا وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ”.

ففي هذا دعوى إلى وجوب اعتبار العرف السائد بين المسلمين؛ لأنهم لا يتفقون  إلا على ما يرضاه الله تعالى؛ فالعرف جرى بأن الملك أو الأمير أو الرئيس لا يمكن أن يكون أجيرًا عند رجلٍ من السوقة؛ ليكنس له داره كذلك هذا مستحيل.

ويرى المالكية سماع الدعوى إذا كانت بين طرفين لم يجرِ بينهم تعامل ولا خلطة لا بأس، فإن أقام المدعي البينة حكم له بما ادعى، وإن لم يقدر على البينة لم يكن له تحليف خصمه، فالتعامل والخلطة شرط عندهم في توجيه اليمين على الخصم عند عدم البينة، وذلك عند قول مالك وعامة أصحابه، وهو المشهور من المذهب وهو قول ابن القيم من الحنابلة، لكن من المعتمد في مذهب المالكية أنه لا يشترط ذلك؛ أي: لا يشترط توجيه اليمين أو في توجيه اليمين ثبوت خلطة وهو قول ابن نافع لجريان العمل به، ومعلوم أن ما جرى به العمل مقدم على المشهور في المذهب إن خالفه.

الشرط الثالث: أن يكون المدعى به حقًّا أو ما ينفع في حق كأن يكون شيء له قيمة له فائدة، وأن يكون هذا الحق قد تعرض لإضرار الخصم، وقد صرَّح الحنفية بأنه يشترط في الدعوى أن لا تكون عبثًا، واشترط المالكية أو ذكروا صيغة لهذا الشرط قريبة مما سبق، فاشترطوا في الدعوى أن تكون ذات غرض صحيح بأن يترتب عليها نفع معتبر شرعًا، وفروع الشافعية والحنابلة تدل على ذلك أيضا، وقد وضع علماء المالكية قاعدة عامة لتحقق هذا الشرط في الدعوى، فقالوا بأنه لا يتحقق إلَّا إذا كان المدعى به مما ينتفع به المدعي لو أقر به خصمه.

وقد وضع علماء المالكية هذه القاعدة، وهي قاعدة جيدة ومنضبطة؛ وبناءً على هذا الشرط بوجه عام ترد الدعوى في الحالات الآتية:

إذا لم يكن المدعى حقًّا، أو كان كذلك ولكنه شيء حقير لا يستحق أن يشغل القضاء به المثال الأول: أن تدعي امرأة زوجية شخص مات، ولم تطلب في دعواها حقا آخر من إرث أو صداق مؤخر، أو كمن يطلب إلحاقه بنسب شخص مات، ولا يطلب حق آخر من إرث ونحوه.

مثال الثاني: أن يطلب المدعي في دعواه حبة قمح أو شعير أو نحو ذلك من الأشياء التافهة، وأن لا يكون حق المدعى مختص بالمدعي، وإنما يعود إلى غيره، وليس المدعي نائبا عن صاحب الحق، وألا يكون هناك منازع للمدعي في الحق الذي يطلبه في دعواه إلى آخره.

error: النص محمي !!