Top
Image Alt

شروط المدعي والمدعى عليه معًا

  /  شروط المدعي والمدعى عليه معًا

شروط المدعي والمدعى عليه معًا

هناك شروط في الدعوى ينبغي أن تتوافر في كل من المدعي والمدعى عليه؛ فيشترط فيهما وفي كل منهما على حدة شرطان:

الشرط الأول: شرط الأهلية.

الشرط الثاني: شرط الصفة.

ما المراد بشرط الأهلية؟ ولماذا اشترط؟

فلأن الدعوى نوع من التصرف الشرعي، ويترتب على هذا التصرف أحكام شرعية، وكذلك الجواب عنها هو تصرف أيضًا يترتب عليه أمور شرعية؛ لذلك ذهب الفقهاء في الجملة  إلى أنه يجب أن يكون كل من المدعي والمدعى عليه أهلًا للقيام بالتصرفات الشرعية.

وأما من ليس أهلا، فيطالب له بحقه ممثله الشرعي من ولي أو وصي، والحنفية لا يشترطون كمال الأهلية في كلا الطرفين المدعي والمدعى عليه، ويكتفون بالأهلية الناقصة، وكذلك المالكية في حق المدعي المالكية بالنسبة لحق المدعي  لا يشترطون فيه كمال الأهلية، والحنفية لا يشترطون كمال الأهلية في لا في المدعي، ولا المدعى عليه، والفرق أنه  بين الحنفية والجمهور أنه تكفي الأهلية الناقصة في كل من المدعي والمدعى عليه.

والفرق بين الحنفية والمالكية: أن المالكية لا يشترطون ذلك بالنسبة للمدعي، لكن يشترطون كمال الأهلية بالنسبة للمدعى عليه، أو يشترطون الرشد عندهم في المدعى عليه، والشافعية والحنابلة يستثنون بعض الحالات، فلا يشترطون فيها كمال الأهلية.

هذا أمر يحتاج إلى شيء من التفصيل؛ فالحنفية يجوزون للصبي المميز المأذون له أن يرفع الدعوى، وأن يكون مدعى عليه مع أنه ليس كامل الأهلية بل هو ناقص الأهلية؛ وذلك لأن الدعوى والجواب عليها من التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، فتصح من الصبي الذي أذن له وليه، ولا تصح ممن لم يؤذن له.

والمالكية يفرقون بين المدعي والمدعى عليه؛ فأما المدعي فلا يشترط فيه الرشد، وتصح الدعوى من السفيه والصبي، ولا يشترطون أن يكون مأذونًا له كما هو الحال عند الحنفية، وأما المدعى عليه، فتشترط فيه الأهلية الكاملة، فإن كان عديمها أو ناقصها لم تصح الدعوى عليه؛ لأنه سيترتب عليه الإجابة، ويترتب عليه أحيانًا أن ينزع منه شيء، ويكون في ذلك ضرر عليه؛ فلذلك اشترط المالكية فيه الرشد.

وأما الشافعية فالأصل عندهم اشتراط البلوغ في المدعي والمدعى عليه، ولكنهم قالوا: تسمع الدعوى على المحظور عليهم فيما يصح إقرارهم به، فتسمع الدعوى بالقتل على السفيه.

وقال الحنابلة: تصح الدعوى على السفيه فيما يؤخذ به حال سفهه، فتصح عليه دعوى الطلاق والقذف، والفقهاء الذين يجيزون القضاء على الغائب، وهم غير الحنفية قالوا بسماع الدعوى على الصغير، والمجنون، والميت إذا كان مع المدعي بينة بما يدعيه، وكان حاضرة لديه وبشروط أخرى ويحلفه القاضي يمينا سماه بعضهم يمين الاستظهار؛ أي: التقوية ويذكر في هذه اليمين أنه لم يستوف ما ادعى به ممن أقام البينة عليه، ولا أبرأه في ذلك يقسم على هذا.

وأما الحنفية، فإنهم لا يجيزون الدعوى إلا على خصم حاضر ومكلف، ولا يجيزون القضاء على الغائب، وإن أحضر المدعي بينة لدعواه هو من طريق أولى لا يجيزون سماع الدعوى على الصغير أو المجنون أو الميت حيث إن هؤلاء أضعف حالا من الغائب، وهم لا يجيزون رفع الدعوى على الغائب؛ فمن باب أولى لا يجوز رفع الدعوى على من هم  سفهاء أو مجانين أو صغار أو موتى، وهم أشد ضعفًا من هؤلاء، أشد ضعفًا من مجرد يكون المدعى عليه غائبا.

أما شرط الصفة فقد قلنا: إنه يشترط في المدعى عليه والمدعي شرطان الأهلية والصفة قد فسرنا الأهلية، أما شرط الصفة فما المقصود بها؟ المقصود بها أن يكون كل من المدعي والمدعى عليه صاحب شأن ذا شأن في القضية ذو حيثية كما نقول؛ يعني له دور أساسي يكون كل من المدعي والمدعى عليه ذا شأن في القضية التي أثيرت حولها الدعوى، وأن يعترف الشارع بهذا الشأن، ويعتبره كافيا لتخويل المدعي حق الادعاء، ولتكليف المدعى عليه الجواب والمخاصمة.

ويتحقق ذلك في المدعي إذا كان يطلب الحق لنفسه أو لمن يمثله، ويحق لدائن أن يرفع دعوى لمدينه يطالب فيه بحقوقه إذا أحاط الدين بأمواله وأشهر إفلاسه، والقاعدة في هذا عند الشافعية أن من يدعي حقًّا لغيره فإن كان هذا الحق منتقلًا إليه صحت دعواه، وإلا فلا تصح الدعوى من الوارث فيما يدعيه  لمورثه، ولا تصح من الدائن الذي يرفع دعوى لمدينه إذا لم يشهر إفلاسه، والمدعى عليه أيضًا يجب أن يكون ذا صفة، ولا تصح الدعوى إلا إذا رفعت في وجه من يعتبره المشرع خصمًا، ويجبره على الدخول في القضية ليجيب بالاعتراف أو بالإنكار.

والقاعدة في ذلك: أن من ادعى على إنسان شيئًا ما، فإن كان المدعى عليه لو أقر يصح إقراره ويترتب عليه حكم، فإنه يقوم بإنكاره خصما في الدعوى، وتصح بتوجيهها إليه، أما إذا كان لا يترتب على إقراره حكم لم يكن خصمًا بإنكاره.

وبناءً على هذه القاعدة حدد الفقهاء الخصم في مختلف أنواع الدعاوى، وفي دعاوى العين يكون الخصم من كانت هذه العين في يده؛ وذلك لأن أي شخص ليست العين المدعاة في يده ليس له أن يقر بها، والحائز لها هو الذي يملك أن يقر بها، إذًا هذا الحائز هو الخصم في دعواها، واليد الذي يكون صاحبها خصما في الدعوى هي التي تدل على الملك في الظاهر، فإن لم تكن كذلك، فإن كانت يدا طارئة كيد مستأجر أو مستعير أو مرتهن لم يصح توجيه الدعوى إلى صاحبها منفردًا، ولكن يطلب من الحائز  العرضي الحضور إلى مجلس القضاء؛ ليؤمر بتسليم الشيء المدعى عند إثبات الدعوى، وإذا وجهها المدعي إليه كان لهذا الحائل العرضي أن يدفع الدعوى بأن يده ليست يد ملك، وإنما هي يد عارضة يقول: أنا مستأجر فقط أنا مستعير فقط فلماذا تطلب أن تأخذها مني بشرط أن يبرهن على دفعه؛ يعني يظهر عقد الإيجار أو   يأتي بشهود يشهدون على أنه مستعير أو بأي بينة أخرى، وعندئذ ترد دعوى المدعي، ويطلب منه رفعها في مواجهة المالك اذهب يا رجل وارفع هذه الدعوى على المالك مالك أنت ترفع الدعوى على المستأجر أو المستعير؛ هذا لا ذنب له هو مجرد متبع.

وهذا الذي تقدم مختص بدعاوى الملك المطلق عن السبب، أما إذا ادعى المدعي أن فلانا غصب منه مالًا لم يكن للمدعى عليه دفع هذه الدعوى حجة أن العين المدعاة ليست في يده؛ لأن الأصل في دعوى الفعل كما سيأتي أنها يصح توجهها ضد الفاعل.

ويتفرع على ما تقدم أمور؛ منها: إذا باع رجل ملك غيره وسلمه بدون إذنه كان الخصم هو المشتري، ولكن محل ذلك إذا طلب المدعي استرداد العين، أما إذا أراد التضمين سمعت الدعوى على البائع الغاصب، وإن كانت العين في يد غيره؛ لأنها تكون دعوى فعل عندئذ كما يتفرع على ذلك أنه إذا توفى شخص عن تركة فيها أعيان وله ورثة، وأراد شخص الادعاء بعين من أعيانها كان الخصم له هو الوارث الذي في يده تلك العين، ولا تسمع الدعوى بها على غيره من الورثة.

ويتفرع على ما سبق أيضًا أنه إذا بيع عقار فطلب الشفيع أخذه شفعة، فإن تسلمه المشتري كان هو الخصم للشفيع، وإن لم يتسلمه كان الخصم له كلًا من البائع والمشتري؛ لأن الأول واضع اليد، فيحضر من أجل التسليم، والآخر مالك فلا تسمع  الدعوى إلا بحضورهما جميعًا.

ويتفرع على ما سبق أيضا أنه إذا باع شخص لغيره عينا، ولم يسلمها إليه فأراد آخر ادعاء ملكيتها؛ كان الخصم له كلا من البائع والمشتري؛ لأن الأول واضع اليد، فلا بد من حضوره ليؤمر بالتسليم عند ثبوت الدعوى، وأما إذا سلمها البائع للمشتري كان الخصم هو المشتري؛ ففي جميع الحالات التي تكون فيها العين المدعاة في يد غير المالك يشترط في صحة الدعوى بالملك تدور لاثنين.

والحق أن المدعى عليه هو المالك للعين، وإن لم تكن يده على المدعى به فعلًا،  ولكنها عليه حكمًا، والآخر حيازته لها عرضية؛ يعني عارضة ومؤقتة، ولأنه هو الذي يترتب على إقراره حكم بينما يطلب حضور الآخرين لغاية أخرى؛ ألا وهي الحكم عليهم بتسليم العين للمدعي عند ثبوت الدعوى.

وفي دعوى الدين الخصم هو من كان الدين في ذمته   أو نائبه؛ لأن المدين هو الذي إذا أقر بالدين حمل نتيجة إقراره وألزم به؛ وبناءً على ذلك لا توجه الدعوى ضد حائز العين التي يتملكها المدين كالمستأجر منه ولا الغاصب منه ولا المستعير منه؛ إنما توجه إلى المالك، وفي دعوى الفعل كالغصب وغيره الخصم هو الفاعل الذي اغتصب؛ أي: الذي يدعى عليه أنه قام بهذا الفعل، وفي دعوى القول الخصم هو القائل؛ أي الذي يدعى عليه أنه قال القول دعوى الطلاق تقيمها الزوجة على زوجها، وكذلك دعوى القذف أو الشتم تقام على من قال ذلك في دعوى العقد الخصم هو المباشر له الذي عقد، فقال: أجبت أو فعلت أو لزمني، أو من قام مقامه كالوكيل أو الوارث أو الوصي.

 وفي دعوى الحق كحق الحضانة وحق الرضاع الخصم هو كل شخص له شأن في الدعوى، وهو الذي ينازع المدعي في ذلك الحق، ويمنعه من التمتع به مثلا  في الحضانة حقا للأم، فالأم تدعي أن الجد لأب أو أن الأب يمنعها من هذا الحق، فهي ترفع الدعوى ضد من يمنعها من ممارسة هذا الحق.

error: النص محمي !!