Top
Image Alt

شروط الموالي للحسبة (المحتسب)

  /  شروط الموالي للحسبة (المحتسب)

شروط الموالي للحسبة (المحتسب)

شروط المحتسب:

الواقع أن الفقهاء اشترطوا في صاحب هذه الولاية شروطًا؛ حتى يتحقق المقصود منها، وهذه الشروط هي:

1. الإسلام: فالإسلام شرط لصحة الاحتساب؛ لما فيه من السلطنة وعزّ التحكيم، فخرج الكافر؛ لأنه لا يستحق عز التحكيم على المسلمين، قال تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] ولأن في الأمر والنهي نصرة للدين، والكافر ليس من أهل نصرة الدين؛ بل هو جاحد لأصل الدين.

2. التكليف: أي: يكون المحتسب بالغًا عاقلًا، فالتكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وشرطه: القدرة على فهم الخطاب، والتكليف لا بد أن يتوافر فيه البلوغ والعقل؛ أما الصبي فلا يجوز له أن يتولى هذا، وكذلك المجنون؛ لأنه مريض، فكيف يتولى وظيفة خطيرة مثل الحسبة؟ فالتكليف شرط لوجوب الاحتساب وتولي هذه الوظيفة.

أمَّا مجرَّد الأمر والنهي؛ فإنَّ الصبي غير مخاطب ولا يلزمه فعل ذلك، أمَّا إن كان الفعل وجوازه في حقه، فلا يستدعي إلّا العقل، فإذا عقل القربة وعَرِفَ المناكر وطريق التغيير، فتبرَّع بذلك وفعله؛ كان صحيحًا سائغًا نقبل منه، لكن أن يتولى وظيفة الاحتساب، لا؛ فالصبي له إنكار المنكر، وله أن يريق الخمر، ويكسر الملاهي، وإذا فعل ذلك نال به ثوابًا، ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف، فإن هذه قربة وهو من أهلها.

3. العلم: والعلم الذي يُشترط تحققه في المحتسب على ضربين:

– أن يكون عارفًا بأحكام الشريعة الإسلامية؛ ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، فإن الجاهل بها ربما استحسن ما قبَّحه الشرع، وارتكب المحظور وهو غير ملم بالعلم به.

– لا يشترط فيه أن يبلغ مرتبة الاجتهاد الشرعي، فليس من الضروري أن يكون مثل الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي والإمام مالك، لا يشترط هذا على رأي جمهور الفقهاء؛ بل يكتفى فيه بأن يكون من أهل الاجتهاد العرفي، والفرق بينهما: أنَّ الاجتهاد العرفي ما ثبت حكمه بالعرف؛ لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] والاجتهاد الشرعي ما رُوعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع.

ولا ينكر المحتسب إلا مجمعًا على إنكاره، أو ما يرى الفاعل تحريمه؛ أمَّا ما عدا ذلك فإنكاره يكون على سبيل الندب، وليس على وجه النصيحة، والخروج من الخلاف إن لم يقع في خلاف آخر، وترك سنة ثابتة لاتفاق العلماء، على استحباب الخروج من الخلاف، معنى هذا: أن المحتسب لا ينكر إلا ما أجمع عليه، أو كان إنكار شيء؛ لأن فاعله يرى أن يفعله مع أنه حرام، فينكر عليه.

4. العدالة: العدالة هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة، أو حتى فعل مباح يخل بالمروءة، والعدل من يكون مجتنبًا عن الكبائر، ولا يكون مصرًّا على الصغائر، ويكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، ويستعمل الصدق ديانة ومروءة، ويجتنب الكذب ديانة ومروءة.

أما كَوْن هذه العدالة شرطًا في تولي هذا المنصب أو لا، فلم يشترط جمهور الفقهاء تحقق العدالة في المحتسب إذا كان متطوعًا غير صاحب ولاية، واشترطوها في صاحب الولاية، إلّا عند الضرورة، أي: إذا لم يوجد من يقوم بهذه الوظيفة المهمة، ويكون عدلًا تتوافر فيه كل الشروط، إذًا: على قدر المستطاع.

أما وجه عدم اشتراطها في المتطوع؛ فلأن الأدلة تشمل البر والفاجر، وأن ترك الإنسان لبعض الفرائض لا يسقط عنه فروضًا غيرها، فمن ترك الصلاة مثلًا؛ لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف، ولم ينته عن سائر المنكر، فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه، وأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أجرى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجرى سائر الفروض, في لزوم القيام به مع التقصير في بعض الواجبات، في قوله صلى الله عليه وسلم : ((مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله)).

وقال أبو عبد الله العقباني التلمساني المالكي: “اختُلِفَ في العدالة، هل هي شرط في صفة المحتسب أم لا؟ فاعتبر قوم شرطيتها، ورأوا أن الفاسق لا يصلح، وأبى من اعتبارها آخرون، وذلك الصحيح المشهور عند أهل العلم؛ لأن ذلك من الشروط الواجبة على الشخص في رقبته كالصلاة، فلا يسقطه الفسق”.

وقال ابن العربي المالكي: “وليس من شرطه أن يكون عدلًا عند أهل السنة”، وقال الإمام الغزالي: “الحق أنّ للفاسق أن يحتسب، وبرهانه أن تقول: هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي كلها؟ فإن شُرِطَ ذلك فهو خرق للإجماع، ثم حَسْمٌ لباب الاحتساب -أي: منع له بالمرة- إذ لا عصمة للصحابة، فضلًا عمن دونهم”.

error: النص محمي !!