Top
Image Alt

شروط الموكل

  /  شروط الموكل

شروط الموكل

الموكل والوكيل هما العاقدان في عقد الوكالة، فهما أحد أركان هذا العقد. والموكل هو من يقيم غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم، ويشترط في هذا الشخص الموكل شروط لا تصح الوكالة إلا بتوافرها.

فالجمهور ما عدا الحنفية قالوا: الوكالة صحيحة من كلٍّ من الحاضر أو الغائب حين توكيله لغيره؛ أي: لا يشترط أن يكون الموكل حاضرًا مع الوكيل حين توكيله إياه، بمعنى أنه لو كان الموكل غائبًا عن مجلس الوكالة؛ فهذا في مكان، والوكيل في مكان آخر، فالوكالة صحيحة من الحاضر أو الغائب إذا وكل غيره.

كما قالوا أيضًا بصحة وكالة المريض، وكذلك صحة وكالة المرأة في الجملة، سواء كانت خَفِرة أو بَرِزة، إذا كانا مالكينِ لأمر أنفسهم؛ أي: المرأة والمريض غير محجور عليهما.

هذا رأي الجمهور، وهو صحة وكالة هؤلاء جميعًا ما داموا غير محجور عليهم.

أما الإمام أبو حنيفة فقال: لا يجوز للحاضر غير المعذور -أي: ليس له عذر من مرض أو غيره- أن يوكل؛ كأنه يرى أن الشخص الذي يتمتع بصحة ويستطيع أن يقوم بالشيء بنفسه لا يجوز له أن يوكل.

كذلك يقول أبو حنيفة: لا يجوز للمرأة أن توكل إلا إذا كانت خفرة لا برزة, والمرأة الخفرة هي المرأة التي يمنعها حياؤها أن تخرج إلى الأسواق, أو تدخل في مجال المخاصمات والخصومات والمنازعات، فتصون نفسها بأن توكل غيرها في ذلك.

فأبو حنيفة يرى أن هذه المرأة هي التي توكل، أما البرزة -من البروز وهو الظهور- وهي التي اعتادت مثل ذلك من الذهاب إلى الأسواق, ومخاصماتها في الحقوق بنفسها، فقال أبو حنيفة فيها: هذه لا يجوز لها أن توكل ما دامت تبرز للناس، وتدخل في البيع والشراء, وتذهب إلى الأسواق، فهذه لا توكل وإنما تذهب بنفسها.

والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الموكل الذي لا عذر له من مرض أو غيره قد يقوم بالتوكيل ترفهًا، وهذا لا مانع منه، وقد يقوم به عجزًا وأبو حنيفة يقول هذا, فما دام عند الجمهور أنه يجوز له أن يقوم به ترفهًا، فلا يستطيع أحد أن يمنعه من ذلك؛ لذلك يرجح رأي الجمهور، وهو أن الحاضر حتى لو كان توكيله ترفهًا, ولو كان له عذر من مرض أو غيره، وكذلك المرأة مطلقًا يجوز لها أن توكل.

ودليل الجمهور الذي يساند رأيهم هذا, أتوا به من النقل والأثر والمعقول.

أما النقل؛ فمن السنة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع دعوى حويصة ومحيصة على يهود خيبر, وهذان الاسمان اسمان لأخوين سمع دعواهما النبي صلى الله عليه وسلم على يهود خيبر؛ لأنهم قتلوا عبد الله بن سهل، وكانا – حويصة ومحيصة- نائبين عن وليه الذي كان حاضرًا، وهو أخوه عبد الرحمن بن سهل.

فصورة هذا الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودًا في مكان ما، وكان يهود من خيبر قتلوا عبد الله بن سهل، وله ولي يحضر الموقف الذي كان يحضر فيه حويصة ومحيصة هذين, فالنبي صلى الله عليه وسلم سمع من شخصين آخرين الدعوى في حين أن أخا المقتول أو القتيل كان حاضرًا، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم وسمع من حويصة ومحيصة شهادتهما على القتل.

والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر دعواهما مع حضور وليه، وهو أخوه عبد الرحمن، فلو كانت وكالة الحاضرين أو الحاضر مطلقًا غير جائزة؛ لأنكرها النبي صلى الله عليه وسلم كأن قال لهما مثلًا: لا تتكلما, أخو المقتول حاضر.

فالنبي صلى الله عليه وسلم سمع الدعوى من الحاضرين, في حين أن الأولى بالقبول هو الوكيل، وهو أخوهم الحاضر، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعترض؛ فدل ذلك على صحة توكيل الحاضر الذي ليس له عذر، فهذا جائز بهذه الواقعة.

واستدلوا من الأثر بما ورد من توكيل عليٍّ رضي الله عنه لأخيه عقيل، فسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكّل أخاه عقيلًا مع أن عليًّا كان حاضرًا، وتوكيله لعبد الله بن جعفر بعد أن أسن عقيل, أي: بلغ السن التي لا تسمح له بالعمل بالوكالة، وكان كذلك علي حاضرًا, فذلك إجماع من الصحابة على وكالة الحاضر وغير المعذور؛ بتوكيل علي -وهو حاضر غير معذور- لأخيه عبد الله بن جعفر.

والدليل من المعقول للجمهور على صحة توكيل الحاضر: أن مقصود الوكالة هو معونة من كان ضعيفًا أو صيانة من كان مهيبًا, والمعنى موجود في الحاضر وغير الحاضر؛ أي: الحاضر غير المعذور، والغائب المعذور، فيعينه الموكل في أداء هذه المهمة نيابة عنه، وهذا رأي من المعقول.

وقد رَدّ الجمهور على ما استدل به أبو حنيفة لما رآه، فالجمهور يرون صحة وكالة الحاضر عن الغائب.

شروط الموكل تفصيلًا:

الشرط الأول: أن يكون له أهلية التصرف فيما يوكل فيه، وتلزمه الأحكام المترتبة على هذا التصرف؛ بمعنى أن كل شخص صح تصرفه في شيء بنفسه، وكان هذا الأمر مما يجوز أن تدخل فيه النيابة -أي: ينوب فيه شخص مكان شخص- صحت الوكالة فيه.

وعلى ذلك اتفق الفقهاء على أنه لا تجوز الوكالة إذا لم يتحقق هذا الشرط؛ فلا تصح الوكالة ولا تجوز من المجنون، ولا من الصبي غير المميز مهما كان نوع التصرف محل الوكالة؛ لعدم وجود الأمر الأساس الذي هو شرط من شروط الأهلية، وهو العقل. كما أنهما -المجنون والصبي غير المميز- لا تلزمهما أحكام التصرفات التي تصدر منهما.

والصبي المميز، وهو الذي يكون تحديد تميزه بسبع سنوات فما فوقها إلى سن البلوغ, أيضًا لا يصح التوكيل منه في الأمور التي لا يملكها بنفسه من التصرفات، فالصبي المميز مثل الصبي غير المميز؛ لا يملك أن يتصرف تصرفات تضر به ضررًا محضًا، كالهبة والصدقة والطلاق، ونحو ذلك من هذه التصرفات.

أما التصرفات النافعة له نفعًا محضًا، كأن يقبل تبرعًا من هبة أو يقبل صدقة، فيجوز للصبي المميز التوكيل بها؛ أي: الموكل يوكل غيره بأن يهب؛ لأن هذه التصرفات نافعة له نفعًا محضًا.

وعن التصرفات التي تدور بين النفع والضرر؛ أي: تكون مرة نافعة في حالة، ومرة تكون ضارة، كالبيع والإجارة؛ فهذا الصبي ننظر إلى واقعه، وهو المميز، إما أن يكون مأذونًا له في التجارة أو لا، فإن كان مأذونًا له في التجارة من وليه يصح منه التوكيل بها؛ لأنه يملكها بنفسه.

لكن إذا رأى وليه أنه لم يأذن له لأمر رآه، أو منعه من بعض التصرفات؛ فإن التوكيل هنا ينعقد موقوفًا على إجازة الولي, أو على إذن وليه له بالتجارة إذا كان أذن له بالتجارة، وهذا هو رأي الحنفية في حكم وكالة الصبي.

أما المالكية والشافعية والحنابلة -أي الجمهور- فقالوا: لا يصح توكيل الصبي مطلقًا، فلا يصح عندهم مباشرته لأي تصرف، ومن لا يملك التصرف أصالة لا يجوز له أن يوكل فيه.

وبناء على ذلك نقول: إن كل من جاز تصرفه في شيء صحت فيه النيابة, جاز أن يوكل فيه غيره؛ فإذا جاز أن ينوب عنه غيره فيه جاز أن يوكل عنه غيره فيه, ولذلك يمكن بناءً على هذا تقسيم الأشخاص الذين يحدث منهم التوكيل باختلاف حالتهم التي ينبني عليها جواز التوكيل, وعدم جوازه إلى ثلاثة أقسام:

قسم تكون تصرفاتهم جائزة على الإطلاق، وهم الذين استوفوا جميع الشروط، ويشمل هذا القسم من كان بالغًا عاقلًا رشيدًا، فهؤلاء الثلاثة يجوز لهم أن يوكلوا إذا كان تصرفهم تصرف ملك؛ أي: ما داموا يملكون أن يتصرفوا في هذا الشيء، فيجوز لهم أن يوكلوا فيه، وإذا كانوا يتصرفون فيه عن غيرهم بالنيابة فإنابة غيرهم فيما أُنيبوا فيه فيها كلام عند الفقهاء.

فمن كانوا بالغين عاقلين رشيدين؛ يجوز لهم أن يوكلوا فيما لهم حق التصرف فيه بالملك؛ أي: يملكون الشيء.

وقسم ثانٍ لا تكون تصرفاتهم جائزة على الإطلاق -عكس الأول- وهم الصبيان والمجانين، فلا يجوز توكيلهم؛ أي: لا يوكلون غيرهم.

القسم الثالث من هؤلاء الأشخاص الذين يحدث منهم التوكيل: قسم يجوز تصرفهم في حال بالوكالة ولا يجوز في حال آخر، ويجوز في شيء دون شيء آخر، وهؤلاء الثلاثة الأشخاص: السفيه، والمفلس، والعبد.

أما السفيه -وهو من لا يحسن التصرف في ماله- فيجوز أن ينفرد بتصرف لا يرجع فيه إلى وليه، فينفرد بالطلاق والخلع والرجعة، وقبول الوصية وقبول الهبة.

فالطلاق لا يحتاج فيه لإذن وليه، ولا إلى خلع زوجته، ولا إلى إرجاع زوجته إلى عصمته بعد طلاقها، ولا إلى قبول الوصية أو قبول الهبة؛ لأن هذين الأمرين فيهما منفعة له، فيجوز له -السفيه- أن يوكل من ينوب عنه في ذلك, أي: يجوز أن يوكل غيره في الطلاق، وفي الخلع، وفي الرجعة أو الإرجاع -إرجاع زوجته إلى عصمته- ويجوز له أن يوكل غيره في أن يقبل وصية له أو هبة له نيابة عنه، ولا يجوز أن يتصرف فيما سوى ذلك أو أن يوكل فيه, فما عدا هذه الأمور لا يجوز له التصرف فيها؛ لأنه سفيه وممنوع منها، وعليه لا يجوز له أن يوكل فيها.

وأما المفلس -وهو الذي حكم الحاكم أو القاضي بإفلاسه لتراكم الديون عليه، وأصبحت أمواله لا تفي بما عليه, فيحكم بإفلاسه- فيجوز له التصرف في غير المال الذي في يده؛ لأن الحجر عليه من جهة القاضي، فالحجر على المفلس إنما كان واقعًا على المال الذي تحت يده؛ لأنه هو الذي ستسدد منه ديونه.

وعلى هذا, لا يجوز له أن يوكل في المال المحجور عليه؛ لأنه ما دام حُجر عليه في هذا المال فلا يجوز له أن يتصرف في المال المحجور عليه لبطلان تصرفه فيه، وعليه فلا يجوز أن يقع منه أي توكيل في التصرف في شيء هو ممنوع منه, وهو المال المحجور عليه الذي تحت يده، ويجوز أن يوكل فيما سواه من عقود أخرى، كعقد بيع ونكاح أو غيره. هذا بالنسبة للمفلس.

أما العبد, فلا داعي للحديث عن أحكامه نظرًا للإطالة في هذا؛ لأن فيه أحكامًا لا يسمح الوقت بسردها أو عرضها أو ذكرها عند الفقهاء.

error: النص محمي !!