Top
Image Alt

شروط تحمل الشهادة وأدائها

  /  شروط تحمل الشهادة وأدائها

شروط تحمل الشهادة وأدائها

الشرط الأول: أن يكون الشاهد عاقلا وقت التحمل، التحمل معناه: أن يحمل الشهادة، يحملها بأن كان حاضرا، فلا يصح تحملها من مجنون ولا من صبي؛ لأن هذا الشاهد ينبغي أن يكون عاقلا والإنسان يكمل عقله بالبلوغ، فمعنى هذا أنه لا تصح شهادة مجنون ولا صبي لا يعقل؛ لأن تحمل الشهادة يعني فهم الحادثة وضبطها، ولا يحصل ذلك إلا بأداة الفهم والضبط وهي العقل. نحن نقصد بالطبع بالعقل هنا يعني يكون الصبي وصل لدرجة البلوغ، أما قبل هذا فهو له مرحلتان: مرحلة التمييز وما قبل التمييز. في تحمل الشهادة يجب أن يكون الشاهد عاقلا، و كمال هذا العقل بالبلوغ.

الشرط الثاني: أن يكون هذا الشاهد بصيرا، فلا يصح التحمل للشهادة من الأعمى عند الحنفية. وقد ذهب جمهور الفقهاء ومنهم زفر من الحنفية إلى صحة تحمل الأعمى للشهادة، لكن فيما يجري فيه التسامع إذا تيقن الشاهد الصوت وقطع.

الشرط الثالث: أن يكون التحمل عن علم، أو عن معاينة للشيء المشهود به بنفسه، يعني بنفس الشاهد يراه بنفسه لا بغيره من الوسائط، وإلا فإنه لا تصح شهادة هذا الذي تحملها عن غير علم أو عن غير معاينة، الشهادة أمر خطير فينبغي أو يجب أن يكون التحمل مبنيا عن علم، إلا إذا كان الأمر فيما ينتشر بالتسامع كالنكاح، نعرف أن فلانا تزوج فلانة ونشهد على هذا وإن كنا لم نر عرسه، أو النسب فلان ولد على فراش فلان فهو ابنه وإن كنا  لا نعلم  هو الذي أتى زوجته حملت منه أو لا، لكن هذا بالتسامع. وكذلك الموت فلان مات منذ كذا سنة والناس تسامعت بخبره فهذا يتسامح فيه ويتحمل الشهادة فيه. ولا يشترط في التحمل البلوغ ولا الحرية ولا الإسلام ولا العدالة، لكننا قبل ذلك قلنا: إنه يشترط العقل. العقل هذا قد يوجد في صبي قبل البلوغ بقليل إذا كان صبيا مميزا، فإذًا لا يشترط في من يتحمل الشهادة أن يكون قد وصل بالفعل إلى درجة البلوغ، ولا يشترط أيضا أن يكون حرا ولا يشترط أن يكون مسلما، أي عند التحمل ولا عدلا عند التحمل، لكن عند الأداء هناك كلام آخر.

شروط الأداء:

الأداء معناه أنه يشهد بالفعل، يؤدي ما قد تحمله. فشروط الأداء  أقسام  بالنسبة للشاهد وبالنسبة للمشهود به وبالنسبة ل  نصاب الشهادة،  أما ما يرجع إلى الشاهد نفسه؛ فيشترط فيه عدة شروط:

الشرط الأول: البلوغ، يعني هنا كمال العقل، فلا تصح شهادة الصبيان لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] الشاهد قوله: {مّن رّجَالِكُمْ} فالصبي ليس من الرجال بل ممن رفع القلم عنهم: ((رفع القلم عن ثلاث…)) وذكر منها الصبي. وقد أجاز بعض المالكية وبعض الحنابلة  شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، كأن يجرح أحدهم الآخر أو يشجه، وزاد المالكية -على ما سبق في حالة قبول شهادة الصبيان في الجراح-  أن يتفقوا في شهادتهم يعني ما يقوله الصبي الأول يقوله الثاني يقوله الثالث، لكن إذا اختلفوا لا تقبل. وألا يدخل بينهم كبير حتى لا يحرضهم على شهادة بما لم يروا. واختلف الفقهاء في إناثهم، يعني الفقهاء الذين أجازوا شهادة الصبيان في نوع معين من القضايا  اختلفوا بالنسبة للبنات، وأنا أميل إلى أنه مادمنا قد أجزنا شهادة الصبيان فهذا يشمل البنين والبنات، كأن تكون مدرسة بنات خاصة، يعني ليس فيها ذكور، فيحدث بينهم جراح فتشهد بعض الفتيات على بعض.

الشرط الثاني: العقل.

الشرط الثالث: الحرية عند الجمهور، وأجاز الحنابلة شهادة الرقيق في غير الحدود والقصاص. لأن الحدود والقصاص لها خطورتها والحدود تدرأ بالشبهات، حتى لا تكون هناك أدنى ثغرة.

الشرط الرابع: البصر، فلا تجوز شهادة الأعمى عند الحنفية مطلقا، وتجوز شهادة الأعمى عند الحنابلة وذلك عند التيقن من الصوت،  واختلف الشافعية والمالكية في الشهادة على الأقوال والأفعال فأجازها كثير منهم في الأقوال دون الأفعال.

الشرط الخامس:  الإسلام، فالأصل أن يكون الشاهد مسلما، فلا تقبل شهادة الكفار سواء أكانت الشهادة على مسلم أم على غير مسلم، لكن هؤلاء الفقهاء استثنوا من هذا الأصل  شهادة الكافر على المسلم في الوصية في السفر. يعني هذه حالة خاصة فقد أجازها الحنابلة عملا بقوله تعالى: {يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] الأصل هو أنه لا تجوز شهادة غير المسلم لكن هذه الآية تجيز هذه الشهادة من غير المسلمين في قوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}. معنى قوله تعالى: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} أي مسلمين، أما من غيركم أي غير مسلمين.

ولما كانت هذه حالة استثنائية فقد توقفوا في جوازها في غيرها، بهذه المواصفات وبهذه الضوابط المذكورة فهي وصية في سفر؛ بمعنى أنه  قد لا يتيسر أو لا يتوافر وجود الشاهد المسلم في هذه الحالة المهمة جدا، فالشرع تيسيرا وتخفيفا أجاز شهادة غير المسلم حتى لا تضيع الحقوق، واختار الحنفية  جواز شهادة الذميين بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم، أما المرتد فلا تقبل شهادته.

الشرط السادس: النطق أما الأخرس فلا تقبل شهادته عند الجمهور، ويرى مالك -رحمه الله- جواز شهادة الأخرس إذا كانت له إشارة مفهمة، فأشار تلك الإشارة التي فهمنا منه أنه يشهد بالإثبات أو يشهد بالنفي، ويرى الحنابلة حصول شهادته إذا أداها بخطه؛  لأنه لا يستطيع النطق ويستطيع الكتابة ولا شك أن الكتابة  أقوى من الإشارة، بل قد تكون أقوى من اللفظ نفسه أحيانا.

الشرط السابع: العدالة، ولا خلاف بين الفقهاء في اشتراط العدالة في الشاهد لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مّنكُمْ} [الطلاق: 2]  أي: اثنين من العدول المسلمين،ولذلك فلا تقبل شهادة الفاسق، لكننا نحب أن نشير إلى أن العدالة بالشروط التي اشترطها الفقهاء، والمواصفات التي وصفوها وحددوا بها معنى العدالة وشروطها قلما تتوافر في عصرنا الحاضر، بل منذ أزمنة، ولذلك فأمر العدالة أمر نسبي، ويرى الشوكاني أن الإصرار على اشتراط ما اشترطه الفقهاء في العدالة يترتب عليه ضياع كثير من الحقوق، وفي هذه الحالة -يعني في حالة عدم توافر  العدالة بهذه الشروط- للقاضي أن يستكثر من عدد الشهود؛  حتى تلوح له أمارات الصدق، فإن ذلك -يعني هذا التعدد- أقرب إلى جلب المصلحة.

الشرط الثامن: التيقظ أو الضبط، يكون يقظا  فطنا متنبها حيث يدرك ما قد لا يبدو على السطح ويقرأ ما بين السطور.

الشرط التاسع: ألا يكون محدودا في قذف لقوله عز وجل: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [النور: 4، 5] مسألة فيها خلاف كبير بين الأصوليين: هل هذا الاستثناء يعود على ما تقدم كله أو يعود على بعضه فقط؟ الجمهور يرى أنه إن تاب وأصلح فتقبل شهادته، بينما ذهب الحنفية إلى عدم قبولها منه حتى وإن تاب وأصلح؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} فهنا حكمان: الحكم بالفسق والحكم بعدم قبول الشهادة. فالحنفية  يجعلون  الأمر يشمل الوصفين السابقين: الفسق وقبول الشهادة،لكن الجمهور يرى  أنه إن تاب وأصلح قبلت شهادته.والراجح هو قول الجمهور لأن هذا الاستثناء  يعود على  الفسق وعلى قبول الشهادة.

 الشرط العاشر: الشاهد يكون ذكرا، الذكورة في الشهادة على الحدود والقصاص؛ لأن بعض الأمور  تقبل فيها شهادة النساء بشروط ومواصفات.

الشرط الحادي عشر: عدم التهمة وهي تكون بسبب أن يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا،  أو بسبب قرابة بعضية كالأب والابن والعداوة بينهما،  والحرص على الشهادة لأن من يحرص على الشهادة لا تقبل شهادته، والعصبية  لأن بعض الناس يتعصبون عندهم عصبية لبعض كشأن القبائل، وموافقة هذه الشهادة للدعوى.

أما الشروط التي ترجع إلى الشهادة نفسها فقد سبق تناولها، وملخصها: وجود الدعوى،  وموافقة الشهادة للدعوى واتفاق الشاهدين، وأن تكون بلفظ أشهد على خلاف في ذلك.

وأما ما يرجع إلى النصاب ففي جريمة الزنا بالذات يشترط أربعة شهود من الرجال، وقد يشترط ثلاثة ذلك فيمن يشهد له عند الحنابلة لأخذ الزكاة، هم ثلاثة من أقاربه أو من معارفه يقولون: إن فلانا أصابته جائحة اجتاحت ماله فهو يستحق الزكاة، وقد لا تقبل شهادة اثنين فقط، ذلك بأن يكون رجلين لا امرأة فيهما، ذلك فيما سوى الزنا من الحدود والقصاص بالاتفاق، وعند الجمهور إلى أن ما يطلع عليه الرجال غالبا في حياتهم  مما ليس بمال ولا يقصد منه مال، كالنكاح والنسب والشهادة على الشهادة، فتقبل فيها شهادة رجلين لا امرأة فيهما كذلك. وقصر الجمهور قبول شهادة الرجلين أو رجل وامرأتين على ما هو مال أو بمعنى المال كالبيع والإقالة ونحوهما، وأجازوا فيه أن يثبت بشاهد واحد  ويمين المدعي، وذلك في الأمور التي لها صلة بالمال شهادة امرأتين أو رجل وامرأتين.

ورفض الحنفية ذلك واختلفوا في العدد الذي يشترط، بمعنى أنهم رفضوا قبول شهادة واحد ويمين المدعي؛ لكنهم يقبلون بالطبع شهادة رجل وامرأتين وشهادة رجلين، لكن حتى في الأمور التي لها صلة بالمال والتي يقبل الجمهور فيها شهادة واحد مع يمين المدعي الحنفية يرفضون هذا. إذًا في بعض القضايا فممكن أن تثبت وذلك في  أحوال خاصة جدا، وقال بها بعض الحنفية لكن جمهور الحنفية والأندلسيون أيضا من المالكية يقولون: “لا تقبل شهادة واحد ويمين المدعي”.

ومن القضايا ما تقبل فيها شهادة النساء منفردات وهي الولادة، وما لا يطلع عليه إلا النساء، يعني لا يطلع عليه الرجال، واختلفوا في العدد الذي يشترط في هذه الحالة فقيل: تقبل شهادة واحدة وقيل: اثنتين وقيل: ثلاث، وقيل باشتراط أربع.

ومن القضايا ما تقبل فيه شهادة رجل واحد وهو الهلال، ويرى المالكية والحنابلة قبول شهادة الطبيب الواحد في الشجاج، يقول: هذه آمة أو مأمومة، هذه  دامغة أو دامعة إلى آخره. وكذلك البيطار في عيوب الدواء. البيطار كالطبيب بالنسبة للإنسان فهو طبيب بيطري، فهذا تقبل شهادة الواحد في عيوب وأمراض الحيوانات.

error: النص محمي !!