Top
Image Alt

شروط توريث الحمل

  /  شروط توريث الحمل

شروط توريث الحمل

قد يكون الحمل وارثًا -في الواقع- من حيث صلته بمورِّثه وقرابته منه، لكن قد يعرض له عارض يمنعه من الإرث ويلغي أحقيته له، ومن ثمَّ فإن الحمل لا يرث إلا إذا تحقق فيه شرطان:

الشرط الأول: وجوده في الرحم حين موت مورّثه ولو نطفة، وذلك لأن الوارث يخلف المورث بعد موته، فلابد أن يكون موجودًا عند موت مورّثه، والنطفة هي أَولى درجات الحياة والوجود، أما المعدوم فلا حق له؛ لا من الإرث ولا من غيره، قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حُبلى أن الولد الذي في بطنها يرثُ ويُورث.

الشرط الثاني: انفصاله كليا حيًّا حياة مستقرة؛ لأنه إذا انفصل كذلك كان هذا دليلًا على وجوده في الرحم عند موت مورّثه على ما سنذكر ، من حيث المدة المحددة لذلك، ومن ثَم كان أهلًا للتملك لهذه الحياة المستقرة التي ثبتت له عند ولادته، وهذا الشرط يقتضي منا أن نبحث المسائل الآتية:

المسألة الأولى: انفصال بعضه حيًّا وباقيه ميتًا؛ بيّنا من قبل أن المولود لا يرث إلا إذا خرج كله حياة مستقرة، وعلى هذا فلو خرج بعضه وهو حي ثم مات قبل خروج بقيّته فإنه لا يرث لعدم تحقق استقرار حياته، وهذا عند جمهور الفقهاء خلافًا للأحناف؛ لأنهم اشترطوا استقرار الحياة، وهذا لا يتأتى إلا إذا خرج كله حيا، فلو خرج بعضه -وهو حي- ثم مات قبل خروج بقيته- فيكون هذا شبيهًا بما لو مات قبل خروجه أو بما لو خرج ميتًاـ أما الأحناف فإنهم يرون أنه إذا خرج أكثره وهو حي ثم مات قبل خروج بقيته فإنه يرث ويورَث ويُعتبر كما لو أنه خرج كله حيًّا؛ لأن للأكثر حكم الكل، وهذا قولٌ عند الشافعية، كما أنه رواية عن أحمد، على غير الأصح في المذهب، ويرى الأحناف تفصيلا لهذه المسألة، فيقولون: ويرث إن خرج أكثره فمات لا أقله؛ لأن الحمل يرث -أي الحمل يرث- إن خرج أكثره وهو حي ثم مات، وإن خرج أقله وهو حي فمات لا يرث؛ لأن انفصاله حيا في  البطن شرطٌ لإرثه، والأكثر يقوم مقام الكل، ثم إن خرج مستقيمًا، وهو أن يخرج رأسه أولًا فالمعتبر صدره -يعني إذا خرج صدره كله وإن خرج منكوسًا وهو أن يخرج رجله أولًا- فالمعتبر سرته، فإن لم تخرج السرة لم يرث.

المسألة الثانية: انفصاله كله ميتًا بالجناية على أمه: إذا خرج الجنين ميتًا فإنه لا يرث لعدم تحقق شرطه وهو انفصاله حيًّا من بطن أمه حياةً مستقرة، ويتساوى في هذا أن يُفصل ميتًا بولادة طبيعية أو بالاعتداء على أمه، كأن يَضرب شخصٌ بطن حاملٍ فتجهض وتلقي جنينها ميتًا، هذا عند جمهور الفقهاء كما بيناه من قبل وأثبتناه مع وجود الغرة عند الشافعية تصرف إلى ورثة الجنين، خلافًا للأحناف فإنهم يرون تقييد عدم إرثه بخروجه كله ميتًا فيما لو كانت ولادته طبيعية لغير جناية، فإن كانت ولادته ميتًا بجناية على أمه بأن ضرب شخصٌ بطنها فأجهضت وألقت جنينها ميتًا فإنها تجب فيه الغرة ويَرث ويُورث.

المدة المعتبرة شرعًا لاستحقاق الحمل الميراث:

قد ذكرنا من قبل أن أقل مدة الحمل ستة أشهر بالإجماع، وأن غالبه تسعة أشهر عند جمهور الفقهاء، وأن أقصاه وأكثره سَنة شمسية -أي ثلاثمائة وخمسة وستون و يوما- على الراجح من قول أهل الذكر وهم الأطباء، والذي أيد القول محمد بن عبد الحكم من المالكية؛ حيث ذهب إلى أن أقصى مدة الحمل سنة قمرية –أي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما- ومن ثمّ فإن الأحكام الآتية تكون بناءً على هذه التحديدات التي انتهينا إليها في هذه الحالات الثلاث:

الحالة الأولى: أن ينفصل حيًّا قبل مضي أقل مدة الحمل وهي ستة أشهر من موت مورثه، وهذا يرث بالاتفاق؛ لأنه وُلد لأقل مدة الحمل التي أجمع الفقهاء عليها، ويكون هذا دليلًا على أنه كان موجودًا في الرحم قبل موت مورثه.

الحالة الثانية: أن ينفصل حيًّا بعد مُضي زمن أكثر مدة الحمل من موت مورثه، وهي سنة شمسية، وهذا لا يرث مطلقًا؛ لأن ولادته بعد هذه المدة دليلٌ على علوقه بالرحم بعد موت مورّثه.

الحالة الثالثة: أن ينفصل حيًّا بين المدتين؛ أي فوق الحد الأدنى للحمل ودون الحد الأقصى له، في هذه الحالة يُفرق في الحكم بين ما إذا كانت المرأة تحت زوج أو سيد يطؤها في هذه المدة؛ بأن كانت زوج ابن المتوفى أو زوجة أخيه ونحو ذلك، ففي هذه الحالة لا يرث؛ لأنه غير متحقق الوجود في الرحم حين موت المورّث لاحتمال أن يكون من وطءٍ حادثٍ بعد الموت، وإن كانت المرأة لا تُوطأ في هذه المدة لعدم الزوج أو الثيب أو غيبتهما أو تركهما الوطء عجزًا أو امتناعًا فإنه يرث لأنه متحقق الوجود عند موت المورث، كما لو كانت غير فراش.

المسألة الثالثة: ونتساءل في هذه المسألة عن المراد بالحياة المستقرة عند الفقهاء؟

المراد بالحياة المستقرة عند الفقهاء: هي التي يعيش بعدها المولود عادةً أو غالبًا ويُعرف ذلك بأن يستهل المولود صارخًا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا استهل المولود ورِّث)) بضم الواو وكسر الراء المشددة، والحديث أخرجه الإمام أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة، ورواه ابن ماجه من حديث جابر، ونصه: ((إذا استهل المولود صُلي عليه ووَرث)) وابن ماجه رواية أخرى: ((لا يرث الصبي حتى يستهل صارخًا)) قال: واستهلاله أن يبكي ويصيح أو يعطس، وحق المولود في الميراث بالاستهلال إنما هو باتفاق الأئمة الأربعة، وكذلك غير الاستهلال مما يقوم مقامه عند الأئمة الثلاثة غير مالك، كالحركة الطويلة أو التنفس أو العطاس أو الرضاع أو البكاء ونحو ذلك مما يدل على الحياة، فهذا كله حكمه حكم الاستهلال، فتثبت به الحياة، بخلاف الحركة اليسيرة والتنفس اليسير، فلا يدلان على الحياة، وكذلك الاختلاج لا يدل على الحياة أيضًا لاحتمال كونه كحركة المذبوح، فإن الحيوان يتحرك بعد ذبحه حركةً شديدة وهو كميت، ولأن الاختلاج قد يقع نتيجة لانضغاط وتقلص عصب، أما عند الإمام مالك -رحمه الله- فلا تثبت الحياة المستقرة إلا بالاستهلال وحده، وهذا قول عند الحنابلة أيضًا، فلقد جاء في (المنتقى) للباجي: سئل مالك: عن المولود يُولد فيتحرك أو يرضع ويعطس أو يمكث يومًا وليلة وهو حي يتنفس ويرضع أو أكثر من يوم وليلة ولم يستهل صارخًا: أنه لا يرث ولا يُورث ولا يصلى عليه، والدليل على ما نقول أن هذه حركة عُريت عن الصراخ، فلم تدل على الحياة، كالاختلاج، هذا ما نُقل عن الإمام مالك -رحمه الله-، لكن المذهب على أن ما يدل على الحياة غير الاستهلال يقوم مقامه.

فلقد جاء في كتاب (المعونة) على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب: إذا طُرح الجنين فاستهل صارخًا فقد ثبتت حياته، ويرث ويُورث، وكذلك إن أقام أيامًا وإن لم يصرخ، فإن ذلك يقوم في باب العلم بحياته مقام الصراخ، ولقد جاء في كتاب (التلقين) في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب أيضًا: ولا يرث الجنين إلا بعد وضعه والعلم بحياته، وذلك بالاستهلال وهو الصراخ، أو ما يقوم مقامه من طول مكث أو ارتضاع واختُلف في العطاس، والمشهور: أن يرث لأن عطسه دليل على أنه حي في بطن أمه وقت وفاة مورثه.

استهلال أحد التوأمين مع عدم معرفته: إذا ولدت المرأة توأمين، فاستهل أحدهما ولم يعلم بعينه، ثم وجدا ميتين؛ فإن كانا ذكرين أو أنثيين أو ذكر وأنثى- لا يختلف ميراثهما، كالأخوين لأم، فلا فرق بينهما ولا قرعة، وإن كانا ذكرًا وأنثى يختلف ميراثهما بالذكورة والأنوثة كالإخوة لغير أم؛ فإنه يُقرع بينهما، فمن أخرجته القرعة جعل المستهل، كما لو طلق رجلٌ إحدى نسائه ولم تُعلم بعينها، ثم مات- أخرجت بالقرعة، وفي التوأمين المستهل أحدهما مع عدم معرفته لم يرد عن السلف نصٌّ في هذا، وقال الفرضيون: تعمل المسألة على الحالين، ويُعطى كل وارث اليقين ويوقف الباقي حتى يصطلحوا عليه، ويحتمل أن يقسّم بينهم على حسب الاحتمال، والغرض في هذا: أن المستهلَّ يكون وارثًا ويكون ميراثه بموته تركةً له، يوزع على بقية الورثة ميراثًا شرعيًّا حسب فرائض الله.

error: النص محمي !!