Top
Image Alt

شروط حد القذف

  /  شروط حد القذف

شروط حد القذف

لا شك أن هناك شروطًا يجب أن تتحقق حتى يقام حد القذف، وإذا تخلفت تلك الشروط، أو تخلف البعض منها لا يقام الحد، وإذا توافرت تلك الشروط، فتكون عقوبة الحد على القاذف واجبة، وعقوبة القاذف ثمانون جلدة، كما بينتها الآية الكريمة: { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].

أما عن الشروط:

فالشرط الأول: أن يكون القاذف مكلفًا، بمعنى: أن يكون عاقلًا، بالغًا، غير مكره، وعلى ذلك فلا يقام الحد على القاذف لو كان مجنونًا، أو صغيرًا، أو مكرهًا على القذف، فإنه من القضايا المسلمة أنه لا يترتب تجريم بجناية مما يقتضي عقوبة الموت أو دون ذلك من قصاص في الأطراف، أو حدود دون القتل، أو تعازير على غير المكلف الذي لا يعقل، أو الذي يكون صغيرًا، أو مكرهًا؛ وذلك للخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)).

الشرط الثاني: أن يكون المقذوف محصنًا؛ وذلك لقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، وبهذا فإنه لا ينبغي أن يُضربَ حد القذف من قذف غير المحصن، لكن ليس معنى ذلك أن يعفى من العقوبة، بل يعزر تعزيرًا؛ لأجل الأذى.

ولكن ما هو المحصن الذي نتحدث عنه، ويستحق قاذفه تلك العقوبة؟ المحصن هو: المسلم الحر العاقل العفيف عن الزنا، والذي يجامع مثله.

وبهذا؛ فإن شرائط الإحصان للمقذوف الذي يجب الحد بقذفه خمسة، هي: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن يكون المقذوف كبيرًا يجامع مثله.

وتأسيسًا على ذلك، لا ينبغي أن يحد من يقذف المجنون، أو الصبي، أو العبد؛ لأن شعورهم بالمعرة ضعيف أو معدوم؛ ولأن كلًّا من المجنون، والصبي لا يجب عليه حد بالوطء، فلا يجب من أجله الحد لو كان مقذوفًا كذلك.

وكذلك لا حد في قذف الكافر؛ لأنه غير محصن؛ لنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من أشرك بالله، فليس بمحصن)).

وكذلك لا حد على القاذف غير العفيف، كما لو كان زانيًا، أو متهتكًا؛ لأنه غير محصن بالعفة؛ ودليل ذلك قول الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4]، فاشترط الإحصان بوجوب الحد، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء، باستثناء ما روي عن داود بن علي الظاهري، فإنه أوجب الحد على قاذف العبد.

وكذلك فإنه لا حد على قاذف الصغيرة التي لا تطيق الوطء، ولا الصغير الذي ليس له آلة الوطء، فإن كلًّا منهما لا يجب عليه الحد لو حصل له وطء، فضلًا عن أن قذف صغير لا يلحق به معرة، وعليه فإن قذفه لا يستوجب حدًّا كذلك.

قالوا أيضًا: ولو كان المقذوف خصيًّا، أو امرأة رتقاء أو قرناء، أي: بها عيب من العيوب التي تمنع من الوطء، قالوا: يجب الحد على القاذف؛ لعموم قول الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4]، فإن هؤلاء المذكورين يعتبرون من المحصنين، وهم كذلك تلحقهم بالقذف معرة، وهذا قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

أما المجبوب -وهو مقطوع الذكر- فإنه يحد قاذفه عند بعض الفقهاء، أما المريض الذي اشتد مرضه، قالوا: “فإن قذفه يوجب الحد بلا خلاف”.

أما المحصنات، فقد جاء هذا المسمى في القرآن على أربعة معانٍ، منها العفائف، ومنها ذوات الأزواج، ومنها الحرائر، ومنها الإسلام.

وبناء على ذلك، نقول: “إذا كان المقذوف غير محصن، فلا ينبغي أن يقام الحد على القاذف، كما لو كان المقذوف عبدًا، أو كافرًا، أو صغيرًا ليس أهلًا للجماع، أو كان به أسباب الريبة والفحش، غير متعفف عن الزنا، أو تحيط به مظاهر الريبة والفحش، كالذي نشهده أو نسمع عنه في عصرنا هذا مما تطالعنا به أعراف الحضارات الفاسدة الحديثة، وما أفرزته للدنيا من تهتك وعري، وإسفاف وخلاعة.

الشرط الثالث: ألَّا يكون القاذف والدًا للمقذوف، ويدخل في الوالد الأصل وإن علا، وعلى ذلك فلو قذف والدٌ ولدَه وإن سفل، أي: ولده، أو ولد ولده، كما لو كان حفيده، فإنه ليس عليه من حد، سواء كان القاذف أبًا أو أمًّا؛ وذلك لأن عقوبة القذف تجب لحق الآدمي، فلا تجب للولد على والده كالقصاص.

أما إذا قذف الولد أباه، أو أمه، وجب عليه الحد عند جمهور فقهاء الحنفية، والشافعية، والمالكية، والراجح من مذهب الحنابلة.

وثمة قول آخر في المذهب، وهو أن يحد الوالد إذا قذف ولده تصريحًا ويحكم بفسقه؛ استدلالًا بعموم الآية الدالة على وجوب الحد على القاذف بشروطه، وهو قول لأبي ثور.

الشرط الرابع: فهو أن يقذف بالزنا الذي يوجب الحد، وقد بينا أن القذف على نوعين: صريح، وكناية.

أما الصريح: فهو القول الواضح الذي لا يحتمل غير ما يحتمله اللفظ، لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وهو أن يقول: أنت زنيت، أو يا زانٍ، أو فرجك زنا، ونحو ذلك من الكلام الذي لا يحتمل غير القذف بالزنا صراحة.

ولا شك أن هذا النوع من القذف يجب به الحد لا محالة، ولا مجال في ذلك للتأويل أو التفسير، وهو كما لو صرح بلفظ الطلاق من غير كناية.

كذلك لو قال: أنت لوطي، أو ناداه بقوله: يا لوطي، فإن ذلك قذف صريح عند كثير من العلماء، كعلماء الحنابلة، والمالكية.

أما الشافعية، فإن القذف عندهم هو ما كان بالصريح من القول، أما ما كان بغير الصريح من القول، فهو كناية محتملة لا حد فيها إلا أن يريد القذف، وذلك كما لو قال: يا فاجر، أو يا فاسق، فإن نوى بذلك القذف حُد، وإلا لم يجب الحد عند فقهاء الشافعية.

ولو قال لرجل، أو امرأة: زنت يداك أو رجلاك، هل يكون هذا قذفًا، أو لا؟ قالوا: لم يكن قذفًا على الراجح من أقوال العلماء؛ لأن الزنا من هذه الأعضاء لا يوجب الحد، وإليه يشير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع…)) إلى آخر الحديث، وبذلك لا يتحقق الزنا الموجب للحد إلا عن طريق الفرج، وما كان عن غير طريق الفرج من الأطراف، فإنه لا يستوجب حد القذف عند التعيير به، وهو قول للحنابلة، أما الشافعية فلهم في ذلك قولان:

الأول: أن ذلك قذف يستوجب الحد، ووجه ذلك: أن القاذف أضاف الزنا إلى عضو منه، فأشبه ما إذا أضاف إلى الفرج.

الرأي الثاني: أن مثل هذا ليس قذفًا إلا بالنية، فإن نوى الرمي بالزنا حقيقةً كان ذلك قذفًا، وإذا لم ينو لم يكن ذلك قذفًا، واستدلوا لذلك بالحديث السالف الذكر: ((العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش…)) الحديث.

أما الكناية: فهي أن يتكلم القاذف كلامًا يحتمل القذف بالزنا وغير الزنا، فالكلام في هذه الحالة يحتمل أكثر من معنى، وذلك كما لو قال لها: يا فاجرة، أو يا خبيثة، أو قال شخص لزوجة رجل: فضحتيه، أو نكستي رأسه، إلى غير ذلك من الألفاظ، فإن مثل ذلك ليس بالقذف الصريح؛ لأنه يحتمل أكثر من معنى، فيحتمل القذف، ويحتمل القذف بالزنا، والمسألة في هذا موضع اختلاف العلماء من حيث وجوب الحد وعدمه؛ حيث ذهب فقهاء الحنفية، والحنابلة -في الراجح عندهم- إلى عدم وجوب الحد في الكناية أو التعريض من القذف؛ وذلك لاحتمال الكلام أكثر من معنى.

أما الشافعية، فإنه لا يجب الحد عندهم في الكناية أو التعريض في القول، إلا إذا اقترن ذلك بالنية في القذف.

أما المالكية، فهم أشد الناس استمساكًا بمدلولات الكلام على القذف، فهم بذلك يوجبون الحد في الصريح، والكناية على السواء، فلو عرّض القاذف تعريضًا وجب عليه الحد.

الشرط الخامس: عدم إثبات القذف بأربعة شهداء، فإذا أتى القاذف بهم، فلا حد عليه، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [النور: 4]، وبذلك يتبين لنا أن الله تعالى علق وجوب إقامة الحد بعد الإثبات بأربعة شهداء، فإذا لم يكن مع القاذف إلا نفسه، أو كان معه آخرون، ولم يكملوا به عدة أربعة من الرجال الأحرار العدول؛ كانوا جميعًا قذفة ووجب في حقهم الحد، وهو الجلد ثمانون جلدة للحر، وأربعون جلدة للعبد أو الأمة؛ لقوله سبحانه: { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ  } [النساء: 25]، وهو ما أجمع عليه العلماء.

ولكن نسأل السؤال: ماذا لو شهد أربعة بالزنا، ثم رجع أحدهم عن الشهادة؟ هل هناك من حد؟ وعلى من؟ الفقهاء يقولون فيما لو شهد أربعة بالزنا ثم رجع أحدهم عن الشهادة، فقد وجب في حقهم الحد؛ لأن عدد الشهود المعتبر أربعة، لكنه نقص هنا، فلزمهم الحد كما لو كانوا ثلاثة، وقيل: يحد الثلاثة الباقون دون الرابع، أما إن رجع الجميع فعليهم الحد؛ لأنه برجوعهم قد أقروا على أنفسهم أنهم قذفة.

error: النص محمي !!