Top
Image Alt

شروط صحة الحوالة

  /  شروط صحة الحوالة

شروط صحة الحوالة

يشترط لصحة الحوالة شروط تتعلق بكل من أربعة: المحيل، والمحال، والمحال عليه، والمحال به.

شروط المحيل:

المحيل هو الذي عليه الحق فنقله بالحوالة إلى ذمة أخرى, وهو المدين، والمحال هو الدائن، والمحال عليه في الأصل قد يكون مدينًا للمحيل؛ فعندما يأتي إليّ شخص ويقول لي: أعطني الدين, فأقول: أحلتك بدينك على فلان, فيأتي إلى فلان هذا ويقول له: فلان أحالني عليك، فقد يكون هذا المحال عليه مدينًا لي، وقد أحيله على شخص, أي: يدفع له تكرمًا وتطوعًا؛ لأن بيني وبينه علائق أو صلات، أو قد يكون في الواقع ليس مدينًا، لكن الأصل أن المحال عليه قد يكون مدينًا للمحيل.


وأول شرط من شروط المحيل: أن يكون أهلًا للعقد بأن يكون بالغًا عاقلًا، فلا تصح حوالة الصبي الذي لا يعقل، ولا حوالة المجنون؛ لأن العقل شرط لصحة أي تصرف.

أما حوالة الصبي المميز -المميز هو من وصل إلى سن التمييز وهو سن السابعة- إذا أحال شخصًا بدين عليه لشخص آخر, فحوالته هذه تنعقد، لكنها تكون موقوفة على إجازة الولي، فإذا وافق الولي على الحوالة نفذت الحوالة، وإذا لم يوافق لم تنفذ الحوالة.

إذًا: البلوغ شرط نفاذ لا انعقاد؛ لأن الولي هنا هو الذي ينفذ الحوالة، أما الانعقاد فقد حصل من الصبي, فلا نشترط البلوغ هنا وإنما نشترط وجود التمييز للانعقاد فقط، وإنما البلوغ نشترطه للنفاذ، فإذا أحال البالغ كانت حوالته نافذة، أما إذا أحال المميز فحوالته غير نافذة، لكنها منعقدة.


الشرط الثاني: الرضا, فلو أكره شخص على الحوالة لا تصح عند الجمهور؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك, فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات؛ فلو جاء شخص لآخر وقال له: أعطني الدين الذي عليك, فقال له: ليس عندي أو ليس لك كذا، فأكره هذا الشخص على الحوالة، كانت الحوالة غير صحيحة هنا؛ لأن الإكراه يفسد هذا التصرف؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليكات، والتمليكات تفسد بالإكراه، وما دامت الحوالة إبراء فيها معنى التمليك؛ لأنه إذا أجبر على الحوالة كانت الحوالة هنا فيها نقل دين من ذمته إلى ذمة شخص ثالث -وهو المحال عليه- وما دامت ذمته أصبحت بريئة بالحوالة كأنه ملك الدين الذي عليه لصاحبه عندما نقله إلى المحال عليه، وهذا التمليك دائمًا يفسده الإكراه. هذا بالنسبة لشرطين في المحيل.

شروط المحال:

المحال -وهو الدائن أو صاحب الحق الذي نقله؛ أي: انتقل حقه أو دينه من ذمة المحيل إلى ذمة أخرى- فيه شروط كذلك, وهي ما يلي:

الشرط الأول: أن يكون أهلًا للعقد -كما هو الشرط في المحيل تمامًا- بأن يكون عاقلًا؛ لأن قبوله لا بد منه, بمعنى قبول المحال؛ لأنه يأتي إلى مدينه، ويقول له: أعطني ديني, فيقول: أحلتك, فقد يقبل الحوالة وقد لا يقبل، فالقبول لا بد منه, والذي يعتد بقبوله لا بد أن يكون عاقلًا، وغير العاقل ليس من أهل القبول.

وأن يكون بالغًا؛ لأن البلوغ شرط نفاذ لا شرط انعقاد كما في الصبي المميز، فإذا كان المحال غير بالغ احتاج إلى موافقة والديه، وكذلك إذا كان غير عاقل.

 الشرط الثاني أيضًا كما اشترطنا في المحيل: الرضا، فلا تصح الحوالة إذا كان المحال مكرهًا عند الجمهور، وكذلك يشترط رضاه بمعنى موافقته، وهو أنه إذا لم يكن عاقلًا فليس أهلًا لأن يقبل الحوالة، فرضاه هنا بمعنى الموافقة على القبول؛ لأن الدين حقه، وهو في ذمة المحيل، والدين ينتقل بالحوالة، والذمم متفاوتة في حسن القضاء والمماطلة، فلا بد من رضاه.

بمعنى: أنه لو جاء إلى المحيل وقال له: أعطني ديني, فقال: أحلتك على فلان, ففلان الثالث هذا الذي هو المحال عليه قد يكون مماطلًا، وقد لا يكون في نظر الناس ممن يسددون الحقوق، فكيف يقبل صاحب الدين حوالة المدين له إلى شخص آخر؟

فالشرط الثاني عدم الإكراه على الحوالة، والرضاء بمعنى آخر وهو الموافقة, فالحوالة التي تتم بالإكراه على المحال من المحيل لا تجوز؛ لأنه يشترط رضاه؛ لأن الناس تختلف في حسن القضاء.

الشرط الثالث في المحال: أن يتم قبوله الحوالة في مجلس الحوالة عند الحنفية، فهو شرط انعقاد عند أبي حنيفة؛ أي: لا تنعقد الحوالة عند أبي حنيفة إلا إذا تم قبول المحال الحوالة في مجلس الحوالة.

بمعنى: أنه إذا قال شخص لآخر: أحلتك بالدين الذي لك علي إلى فلان أو لي عند فلان، فلا بد أن يعلن قبوله في نفس الجلسة، فلو كان هذا المحال غائبًا عن المجلس فبلغه الخبر فأجاز؛ لا تعتبر إجازته نافذة عند أبي حنيفة، وتنفذ عند غيره.

فإذا كان غائبًا, بمعنى: أن شخصًا ما جالس في مجلس وقال: أحلت فلانًا بالدين الذي له علي إليه، والمحال هنا غائب عن مجلس العقد، فلما بلغه أنه أحيل دينه على فلان فقبل وهو غائب, عند أبي حنيفة ومحمد لا يصح هذا التحويل، أو لا تصح هذه الحوالة، فهي غير نافذة.

وقال أبو يوسف: ينفذ؛ لأن قبول المحال ليس بركن عنده، وإنما هو ركن عند أبي حنيفة ومحمد, وما دام ركنًا فلا بد أن يعلن قبوله في مجلس العقد.

فهنا ثلاثة شروط في المحال، وهي: أن يكون أهلًا للحوالة فلا يكون مجنونًا ولا صغيرًا غير مميز، وأن يرضى فالإكراه يفسد الحوالة، وأن يتم القبول في مجلس الحوالة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن القبول في المجلس ركن عندهما، ولكن عند أبي يوسف يجوز ذلك.

شروط المحال عليه:

المحال عليه هو الذي انتقل الحق بالحوالة من ذمة المحيل -الذي هو المدين- إلى ذمته, فنحن أمام أطراف ثلاثة: محيل، ومحال، ومحال عليه.

فالمحيل هو المدين، والمحال هو الدائن، والمحيل هو المدين. يأتي الدائن -وهو المحال- إلى مدينه -وهو المحيل- فيطالبه بدينه, فيقول له: أحلتك بدينك الذي لك علي على فلان. هذا الفلان هو المحال عليه، وهو الذي نتكلم عن شروطه الآن.

فالمحال عليه: هو الذي انتقل الحق بالحوالة من ذمة المحيل -وهو المدين- إلى ذمته، فتحول للمحال عليه ليأخذ دينه منه.

وللمحال عليه شرطان:

الشرط الأول: أن يكون أهلًا للعقد بأن يكون بالغًا عاقلًا؛ أي: لا يحال على صبي أو مجنون؛ لأن البلوغ هنا يعتبر شرط انعقاد، فقد لا يقبل فلا يصح من الصبي قبول الحوالة أصلًا؛ أي: لا يصح أن يكون الصبي محالًا عليه؛ لأن الحوالة عليه سيغرم بها مالًا يدفعه، وغرامة المال من التصرفات الضارة ضررًا محضًا، وهذه لا تجوز.

الشرط الثاني: الرضا, أي: لا يكره شخص على قبول الحوالة؛ فلو أن شخصًا جاء إلى فلان وقال له: أنت مرغم بأن تكون حوالة فلان عليك؛ لأنه دائن لي. فهو أكرهه على قبول الحوالة، والعقد هنا غير صحيح.

شروط المحال به:

المحال به هو الحق الذي يتحول -حق لصاحب هذا الحق، وهو الدائن- فيتحول حق هذا الدائن -وهو المحال- من ذمة المحيل الذي كان المحال دائنًا له, لينتقل إلى ذمة المحال عليه، وهذا الدين أو هذا الحق الذي يدور عليه هذا العقد -وهو الحوالة على ثلاثة أشخاص- يشترط فيه -وهو الذي نسميه المحال به- الشروط الآتية:

الشرط الأول: أن يكون هذا المحال به دينًا؛ أي: أن يكون هناك دين ثابت للمحال في ذمة المحيل, أو أن يكون المحيل مدينًا للمحال أو أن يكون المحال دائنًا للمحيل, فالمعنى واحد، وهذا يستلزم أن يكون هناك دين ثابت للمحال في ذمة المحال عليه، وهذا شرط أيضًا عند الجمهور.

فالأصل أن يكون المحيل -وهو المدين- له دين عند شخص آخر هو المحال عليه, فأطراف الحوالة هؤلاء الثلاثة, ويستلزم أن يكون المحيل مدينًا للمحال، وما دام المحيل مدينًا، وحول دين المحال إلى شخص آخر، فهذا يستلزم أن يكون للمحيل دين ثابت له في ذمة المحال عليه؛ لأنه سوف يحول شخصًا دائنًا له إلى شخص آخر، فهل يعقل ألا يكون له دين؟

قال الحنفية: يعقل.

وقال الجمهور: لا بد أن يكون هناك للمحيل دين ثابت في ذمة شخص آخر -وهو المحال عليه- فهذا شرط. أي: يشترط لصحة المحال به أن يكون هناك دين ثابت للمحال في ذمة المحيل، وأن يكون هناك دين ثابت في ذمة المحيل على المحال عليه.

وهذا الشرط يشمل أمرين: ثبوت دين للمحال في ذمة المحيل، وثبوت دين للمحيل في ذمة المحال عليه. هذا عند الجمهور.

والحنفية يقولون: لا يشترط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل؛ لأن المحال عليه قد يدفع تطوعًا، وقد يكون بينه وبينه علاقة قرابة… إلى آخره، فعندما يأتي له شخص يقول له: فلان أحالني بدين عليك, يقول: نعم حبًّا وكرامة، أدفع له لا مانع.

والحنفية يسمون هذا الأمر: الحوالة المطلقة, وهي التي لا يكون للمحيل دين على المحال عليه.

والجمهور ينبني على رأيهم إذا لم يكن للمحال دين ثابت في ذمة المحيل، هل تجوز الحوالة؟ وكذا إذا لم يكن للمحيل دين ثابت في ذمة المحال عليه, هل تجوز الحوالة؟

فهنا إجابة على أمرين: الأمر الأول، وهو لجمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية، ووجه عند الحنابلة, حيث ذهبوا إلى أنه إذا لم يكن هناك دين للمحال في ذمة المحيل؛ يكون العقد في هذه الحوالة وكالة بالقبض, لا حوالة.

فهنا دين ثابت للمحال في ذمة المحيل إذا لم يكن للمحال دين في ذمة المحيل، والذي يتمخض عنه هذا الرأي أنهم قالوا: هذه تكون وكالة بالقبض لا حوالة، فكأن المحال حينما حوله أو قال له المحيل: اذهب إلى فلان؛ لأني أحلتك عليه بدين، فكأنه قال له: وكلتك في قبض هذا الدين، ولا تعتبر حوالة؛ لأن المحال هنا ليس دائنًا للمحيل، فكأن المحيل وكّل المحال في قبض الدين الذي له على المحال عليه.

وبناءً عليه لو اختلف المحيل مع المحال بعد القبض، فالمحيل قال: أنا أحلتك لتقبض لي الدين الذي لي على المحال عليه، فأنت وكيل لي. والمحال قال: لا، أنت أحلتني بدين لي عليك, وكان في الواقع المحال دائنًا للمحيل، لكنه فهم عندما قال له: اذهب إلى فلان فخذ منه كذا, أنها حوالة بدينه وكان للمحيل قصد آخر، وهو أن يستخلص له الدين باعتباره وكيلًا؛ يكون القول هنا للمحيل بيمينه؛ لأن المحال يدعى عليه الدين وهو ينكر, والقول للمنكر عند عدم البينة.

وأيضًا استدل أصحاب هذا الرأي فقالوا: الوكالة تجوز بلفظ الحوالة؛ أي: اشتراكهما في المعنى لأنهما مشتركان في المعنى؛ لأن الوكيل يطالب من عليه الدين كاستحقاق المحال مطالبة المحال عليه، فهي وكالة جرت على لسان المحيل، وتمت بلفظ الحوالة، ومن هنا قالوا: إن القول يكون للمحيل إذا ادعى المحال أنه أحيل بدينه، والمحيل يدعي أنه أرسله ليقبض له ماله عند المحال عليه، أو ماله عند الشخص الثالث وكالة.

الرأي الثاني، وهو وجه عند الشافعية: قالوا: العقد لا ينعقد وكالة إذا تم بلفظ الحوالة، فإذا اختلفوا وقال المحال: أنت أحلتني لأقبض ما لي عليك من دين عند المحال عليه، وقلت: أحلتك عليه أنا متمسك باللفظ، فهذه حوالة اعتبارًا باللفظ، والغالب عند أصحاب هذا الوجه عند الشافعية, أنهم يرجحون انعقاد هذا العقد حوالة باعتبار اللفظ.

لكن الرأي المختار هنا عند الخلاف ما يذهب إليه الجمهور، فالقول يكون للمحيل؛ لأن العبرة في هذه الأمور العمل بالنيات لا بظواهر الألفاظ، وهي العقود؛ لأن النظر في العقود للمعاني لا لظواهر الألفاظ والمباني.

هذا إذا لم يكن هناك دين للمحال في ذمة المحيل، وحصل هذا الخلاف.

أما السؤال الثاني المتعلق بإذا لم يكن للمحيل دين ثابت في ذمة المحال عليه، وهو ما قلنا: إن الحنفية يسمونها الحوالة المطلقة، فالجمهور يذهبون إلى أن هذه المعاملة تجوز وتصير حوالة إذا رضي بها الأطراف الثلاثة؛ أي: لم يحدث خلاف؛ بمعنى أن المحيل الذي أحال شخصًا بدين وكان هذا المحيل في نفس الوقت ليس له دين على المحال عليه، وذهب المحال إلى المحال عليه وقال له: لست مدينًا للمحيل. فقال له: هو أحالني، ولكنني أقبل. فالمحال يقبل بطبيعته، والمحيل يقبل كذلك. فإذا رضي الأطراف الثلاثة بهذا جازت هذه الحوالة، لكنهم يختلفون في تكييف هذه المعاملة أو هذا النوع؛ فالحنفية يسمونها حوالة مطلقة، والجمهور -المالكية والشافعية- يقولون: إنها في الأصح تعتبر كفالة، ويراها الحنابلة حوالة في الاقتراض؛ كأنه إذا أعطى المحال عليه المحال. فالمالكية والشافعية يسمونها كفالة، كأنه كفل المحيل وأعطى المحال الدين, والحنابلة يقولون: إنها وكالة، فكأنه أقرض المحيل؛ لأنه ليس دائنًا له أو دفع عنه، فكأنه أقرض المحيل.

الشرط الثاني من شروط المحال به: أن يكون هذا الدين لازمًا، والدين اللازم هو الذي يكون صادرًا أو ناتجًا عن تصرف شخص له الأهلية الكاملة لإصدار هذا التصرف، بمعنى: أن له ولاية الإصدار، سواء كانت هذه الولاية أصلية بحكم الشرع, أو بطريق النيابة عن الأصيل.

وقد اتفق الفقهاء على أن الدين المحال به يشترط فيه أن يكون لازمًا، ولكنهم اختلفوا في اشتراط اللزوم في الدين المحال عليه، بمعنى: أن الحنفية والمالكية اشترطوا في الدين المحال عليه أن يكون لازمًا، فلا تصح الحوالة على دين غير لازم، كدين الصبي والسفيه ونحوهما إذا استدانوا بغير إذن أوليائهم، فلا تصح الحوالة عليهم؛ لأن لولي الصبي والسفيه أن يطرح الدين عنهما أو يسقطه.

ومن الدين غير اللازم: ثمن المبيع في زمن الخيار؛ لأن البيع في زمن الخيار صحيح، ولكنه غير لازم.

فيشترط في الدين المحال عليه أنه يكون لازمًا, بمعنى: أنه لو كان بيني وبين شخص آخر علاقة في بيع، والمبيع ما زال في زمن الخيار، ولو كان المبيع ما زال في مدة الخيار, إذًا الدين الذي هو ثمن المبيع لم يصر لازمًا بعد؛ أي: يلزم ثمن المبيع إذا تم البيع، وقال للشخص الذي في مدة الخيار: قبلت البيع، وما دام ثمن المبيع في زمن الخيار غير لازم، فلا يصح أن أحيل عليه.

بمعنى: أنني مدين لشخص بدين, وجاء هذا الدائن يطالب دينه، وأنا دائن لشخص بثمن مبيع، فلا يصح أن أقول للشخص الذي جاءني ليأخذ دينه مني: أنا أحلتك على شخص ثالث بدينك, والشخص الثالث هو الشخص الذي بعت له شيئًا، ولي عنده ثمن هذا الشيء، ولكن البائع ما زال في مدة الخيار لم يقبل البيع ولم يرفض، فما دامت الحوالة هنا على دين لم يصل لازمًا بعد، فلا تجوز الحوالة هنا؛ لأننا نشترط في الدين المحال به وعليه أن يكون لازمًا.

فالمحال به يشترط فيه أيضًا أن يكون لازمًا، فالصبي والسفيه إذا كان لهما معاملات، بمعنى: دين الصبي ودين السفيه إذا استدان أي واحد منهما بغير إذن وليه، فأصبح هذا الصبي مدينًا؛ أي: إنه أخذ أموالًا من صبي مثله أو داينه أو أخذ من كبير أو غيره، فهؤلاء الدين بالنسبة لهم غير لازم؛ لأن ولي الأمر لم يعلم بهذا الدين، فإذا علم وقبل صار الدين لازمًا في ذمة والده.

وما دام الدين هنا في مرحلة كون ولي الأمر لم يعلم به، فولي الأمر أو ولي المحجور عليه؛ لأن الصبي محجور عليه، والسفيه محجور عليه، واستدانوا بغير إذن أوليائهم, لا تصح الحوالة بهذا الدين ولا عليه, أي: لا يصح أن يحيل الصبي الذي دان صبيًّا بما له عليه من دين؛ لأنه دين غير لازم، ولا يصح لكبير أن يحيل على صبي دانه؛ لأن الدين على هذا الصبي الذي أحال الصغير أو الكبير عليه لم يصر لازمًا؛ لأن ولي أمر هذا الصبي لم يقبل.

فمن شروط المحال به على هذا: أن يكون دينًا لازمًا؛ بمعنى: أن يكون صادرًا عن تصرف لشخص له الأهلية الكاملة في إصدار هذا، فيخرج بذلك الصبي لأن ليس له ولاية إصدار هذا التصرف, لا بحكم الشرط ولا بحكم النيابة؛ لأنه إذا كان لا يملك أمر نفسه، فمن باب أولى لا يملك غيره بطريق النيابة.

الشرط الثالث من شروط المحال به: اتفاق الدينين -المحال به والمحال عليه- أي: أن يكون الدينان -المحال به والمحال عليه- متساويين ومتفقين في جنس الدين، وصفته، وفي الحلول والتأجير.

والتساوي في الجنس هو أن يكون الدين المحال به والمحال عليه نوعهما من ذهب مثلًا، فيحيل من عليه ذهب, أي: المحيل, الدين الذي عليه يكون من ذهب، والمحال عليه يكون من ذهب، فيحيل من عليه ذهب إلى من له عليه ذهب، وإذا كان المحيل الدين الذي عليه فضة يحيل على شخص له عليه فضة.

وبلغة العصر الحاضر تكون المعاملة واحدة، فلا يحيل من عليه دينارات على شخص هذا المحيل يداينه بدولارات أو جنيهات. وإلا هنا إذا اختلف الجنس صرنا أمام اختلاف جنس يتحقق فيه الربا، ويكون هنا صرف مؤخر، ومعنى صرف مؤخر: أن المحيل لما أحال المحال على المحال عليه؛ يأتي إليه فيأخذ منه دينه متأخرًا، فهذا صرف دين غير نفس الدين، والصرف هنا متأخر، والصرف المؤخر لا يجوز؛ لأن ذلك نوع من الربا. هذا عن التساوي في الجنس.

أما التساوي في الصفة فبمعنى: أنه لا يحيل المدين بدين له صفة أدنى على دين له صفة أعلى أو العكس؛ لأن ذلك يعتبر اختلافًا في الصفة مثلًا كما يقولون: نوع السكة في النقود وخلافه، وإذا وقعت الحوالة بذلك كان ذلك من بيع الدين بالدين، وهو ممنوع.

والتساوي يكون في أمر ثالث، وهو الحلول والتأجير، وهو بمعنى: أن الدينين يكونان متساويين في هذا الأمر؛ الحلول والتأجير، فاتفاق أجل الدينين إذا كانا مؤجلين؛ بمعنى: أنه إذا كان أحدهما حالًّا والآخر مؤجلًا أو كان أحد الدينين إلى شهر، والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة؛ أي: إنني دائن أذهب إلى المدين وهو المحيل, فيحيلني بديني الذي حل على شخص آخر, ودينه -أي: دين المحيل- لم يحل عليه، أو بمعنى العكس: أنا ديني مؤجل، ويحيلني المحيل أو المدين لي على أجل, على دين قد حل.

المهم أنه اتفاق أجل الدينين إذا كانا مؤجلين، بمعنى: أن الفقهاء يقولون: إذا كانا مؤجلين فهذا جائز، لكن إذا كان أحدهما مؤجلًا إلى شهر، والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة، لكنهما متفقان في الحلول, ذهبت إليه عندما حل الدين، فأحالني بديني عليه على شخص آخر، وكان هذا الدين الذي على المحال عليه وهو الآخر حالًّا, تكون صحيحة مع توافر باقي الشروط التي قلناها.

فلا تصح الحوالة إلا إذا كان الدين المحال به حالًّا، والدين الذي على المحال عليه حالًّا أيضًا, فيتفقان في الحلول، فالحوالة تكون هنا صحيحة مع توافر باقي الشروط.

error: النص محمي !!