Top
Image Alt

شروط قطع يد السارق

  /  شروط قطع يد السارق

شروط قطع يد السارق

ولا تقطع يد السارق إلا بشروط سبعة، صنَّفها الفقهاء تحت شروط قطع السارق، وأيما فات شرط من هذه الشروط، فإنه يوجب درء الحد، وإليك بيان تلك الشروط بشيء من التفصيل:

الشرط الأول: أن يكون السارق مكلفًا، والتكليف -كما نعلم- منوط بالعقل والبلوغ والاختيار.

أما البلوغ، فهو سن الاحتلام لدى الذكور، أما الإناث فالبلوغ هو حصول المحيض في حقهن، وقيل: يتحقق البلوغ، بأن يبلغ كل من الذكر والأنثى من العمر خمس عشرة سنة، متى كان هناك احتلام في حق الذكور، والحيض في حق الإناث، فهنا نكون أمام بالغ مكلف مسئول عن تصرفه.

الشرط أن يكون السارق مكلفًا، فماذا إذا فقد الاختيار، وكان السارق مكرهًا؟

نقول: لا بد من الاختيار، بمعنى: أن يُقدِم السارق على السرقة، وهو مختار غير مكره، ومن ثم إذا وقع عليه إكراه فسرق، فلا حد عليه، والدليل على نفي الحد عن السارق إذا كان غير عاقل، ولا بالغ، هو الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)).

أما المكره الذي يقترف السرقة غير مختار، فإنه أيضًا لا حد عليه؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه))، وبهذا؛ فإننا نقول: لا حد على السارق إذا كان غير مكلف، وهو أن يفتقد عنصرًا واحدًا من عناصر التكليف، وهي: العقل والبلوغ، والاختيار، وذلك ما لا خلاف فيه بين العلماء.

الشرط الثاني: أن يكون المسروق مالًا متقومًا، أي: له قيمة، ولا يكون هدرًا مباحًا، وعلى ذلك فلو سرق خمرًا، أو خنزيرًا، أو كلبًا، أو جلد ميتة، فإنه لا قطع لليد في تلك الحالة، وكذلك لو سرق أداة من أدوات الملاهي، كما لو كان مزمارًا، أو عودًا، أو نحو ذلك من المعازف، فإنه لا قطع عليه، لماذا؟ قالوا: لأن ذلك ليس من الأموال المتقومة في نظر الشريعة الإسلامية، والتي ينبغي أن تصان لحرمتها، وهو قول العلماء بلا خلاف، إلا ما ذكر عن الحنفية، في جواز بيع الكلب للانتفاع به.

ويستوي في هذا الحكم السابق، ما لو كانت السرقة من مسلم، أو ذمي، فالحكم هو هو متى توافرت في السرقة الشروط المطلوبة، هنا يجب الحد.

قد يتطرق إلينا سؤال: إذا كان الخمر غير متقوم في نظر الشريعة، فماذا إذا كان الإناء المسروق الذي فيه الخمر يبلغ النصاب، ناهيك عما في الإناء من خمر، ولكن الإناء قد يبلغ حد النصاب، فهل يجب في سرقة هذا الإناء المملوء بالخمر الحد، أو لا ؟ رأيان للفقهاء.

أحدهما: أنه لا يقطع؛ لأن ما في الوعاء من خمر تجب إراقته، ولا يجوز إقراره فيه أصلًا، وكذلك فإن الإناء هنا إنما يراد وعاء لما يحويه، وهو الخمر، فصار تابعًا لما لا قطع فيه.

الرأي الثاني: أنه يقطع من سرق إناء فيه خمر، وكانت قيمة الإناء تبلغ النصاب، لماذا القطع؟ قالوا: لأنه سرق نصابًا، وهو الإناء، فكما كان الأمر لو سرق إناءً فيه بول، وهذا قول الشافعية، والحنابلة.

ماذا لو سُرق حرٌّ صغيرٌ، هل تلك السرقة تستوجب القطع أو لا؟ قالوا: لو سَرقَ شخصٌ حرًّا صغيرًا فلا قطع فيه؛ لأنه ليس بمال، أي: لأن الحر ليس بمال، أما لو سرقه وعليه حُليٌّ بقدر النصاب، ففي ذلك وجهان، أي: لو كان مع الصبي حليّ مما جرت به العادة أن يُحلَّى به الأطفال من الذهب، أو من الفضة، أو من كذا أو من كذا، وقد بلغ هذا الحليّ النصاب، فهل سرقة هذا الصبي، وما معه من حليّ بلغ نصابًا يستوجب القطع أو لا؟ وجهان.

الأول: يجب القطع؛ لأنه قصد أن يسرق ما على الصبي من حلي.

الثاني: لا قطع؛ لأن يد الصبي ثابتة على الحليّ، فأشبه ما لو سرق جملًا وصاحبه راكبًا عليه.

كذلك أيضًا عند الفقهاء، أنه لا قطع في سرقة التراب، والطين، واللبن، والآجر -هو الطوب الأحمر- والفخار، والزجاج؛ لتفاهتها.

قالوا أيضًا: ولا قطع في الخشب إلا إذا كان معمولًا، يعني: مُصنَّعًا.

هذا قول في كتب الفقه، ولكن هذا القول، هل يعوَّل عليه الآن في زماننا، وقد أصبح للتراب قيمة، وللطين قيمة، وللبن قيمة، وللزجاج قيمة، وللخشب قيمة، قد تصل هذه القيمة إلى أكثر من النصاب الذي يستوجب القطع؛ لأجل هذا نقول: هذا القول لا يمكن التعويل عليه في أزمنة توالت بعد الإدلاء بهذا؛ لأنه مستمد من واقع الناس في سابق زمانهم، وهو واقع كثيرًا ما يحدده العُرف، لكن هذه الأشياء في أعرافنا الراهنة متقومة؛ بل هي من الأموال المعتبرة؛ لأهميتها وشدة الحاجة إليها.

الشرط الثالث: أن يبلغ المسروق النِّصاب، ومن ثم إن بلغ نصابًا وجب القطع، وإن كان المسروق دون النصاب، فلا قطع.

وثمة تفصيل للعلماء في حقيقة النِّصاب، ولهم في ذلك جملة أقوال، لكننا نختصر منها قولين رئيسيين، يعوَّل عليهما في اعتبار مقدار النصاب الذي يوجب الحد على السارق.

القول الأول -وهو للجمهور من أهل العلم وفيهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة، والشيعة الإمامية وآخرون-: حيث ذهب هؤلاء، إلى أن نصاب السرقة، هو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، والدليل على هذا، ما ورد من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما ورد عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا)).

وأخرج مسلم أيضًا، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقًا في مجن -آلة من آلات الحرب- قيمته ثلاثة دراهم، وغير ذلك من الأدلة كثير، ما يدل على تحديد النصاب بربع دينار، أو ثلاثة دراهم فصاعدًا.

أما القول الثاني -وهو للحنفية-: وقد ذهبوا فيه إلى تحديد النصاب بعشرة دراهم، وهي معادلة بدينار واحد، ومن ثم، فإذا نقص المسروق عن هذا المقدار، فلا قطع.

ومن أدلة الحنفية، على أن النصاب الموجب للحد هو عشرة دراهم: ما ورد عن أيمن، فيما أخرجه النسائي بإسناده قال: ((لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم السارق إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار)).

وفي رواية أخرى: ((يقطع السارق في ثمن المجن، وكان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا، أو عشرة دراهم)).

كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من قطع في مجن قيمته دينار، أو عشرة دراهم، ويبدو من اختلاف الأدلة بين الفريقين، أن ما ذهب إليه الجمهور أحوط، فضلًا عن قوة الأدلة التي استمسكوا بها، لكن ما ذهبت إليه الحنفية أيسر؛ استنادًا إلى التوسيع في دائرة الشبهة التي يدرأ بها الحد، ومبعث الشبهة، هو الخلاف في تقدير المجن، فهل هو دينار؟ أو ربع دينار؟ أو هل هو عشرة، أو ثلاثة؟ هذه شبهات فيها نوع من التيسير، كما تتضمن التوسيع في دائرة الشبهة التي يسقط بها الحد.

وعلى هذا، إذا وجد ذلك القدر من النصاب في سرقة واحدة وجب الحد على السارق؛ لوجود الشرط، وهو إكمال النصاب، أما إذا اختلفت السرقة بأن حصلت على فترات متقاطعة ومتقاربة، فلا حد؛ لانعدام الشرط، وهو النصاب؛ بمعنى: أنه لو سرق شخص اليوم ما هو دون النصاب، وكان بالأمس سرق ما دون النصاب، وكان من قبل أمس سرق ما دون النصاب، فاكتمل حد النصاب في سرقته، هل يستوجب ذلك الحد، أو لا؟

قالوا: لا يستوجب ذلك الحد؛ لانعدام الشرط، وهو اكتمال النصاب في كل سرقة.

وإذا رجعنا إلى فقه الحنفية، لوجدنا أن لهم تفريعات وتفصيلات حول هذا الأمر، أردنا التنبيه عليها؛ إتمامًا للفائدة، من ذلك، أنهم قالوا: لو دخل الرجل دارًا فسرق من بيت فيها درهمًا، فأخرجه إلى صحنها، ثم عاد فأخذ درهمًا من البيت فأخرجه ثم عاد، فلم يزل يفعل ذلك حتى أخذ عشرة، ثم أخذها جميعًا وخرج بها من الدار، وجب عليه القطع في تلك الحالة؛ لأن هذه سرقة واحدة؛ لأن الدار مع صحنها وبيوتها معتبرة حرزًا، أي: أن الدار بما فيها من صحن، وبما فيها من بيوت -أي: من حجرات أُعدت للبيتوتة- يعتبر الجميع حرزًا واحدًا، ومن ثم فإنه يجب القطع في تلك الحالة، فما دام في الدار، لم يوجد الإخراج من الحرز، أما وقد خرج من الدار، فقد تحقق أخذ النصاب، فوجب الحد.

لكن لو كان قد خرج في كل مرة من الدار بجزء مسروق، ووضعه خارج الدار، ثم عاد، وتكرر منه هذا الفعل حتى اكتمل النصاب على مرات، هنا قالوا: لا يجب القطع؛ لأن هذه معتبرة جملة من السرقات، فكل فعل منه يعتبر بمفرده إخراجًا من الحرز، فكان كل فعل معتبرًا سرقة لما دون النصاب، ومن ثم فلا حد؛ لأنه يشترط لوجوب القطع -كما ذكرنا- أن يكتمل النصاب في كل مرة، أما وإنه لم يكتمل، فلا قطع في تلك الحالة.

كذلك لو سرق رجل واحد عشرة دراهم من منزلين مختلفين، بأن سرق من أحدهما درهمًا، أو تسعة، فلا حد عليه؛ لأن هاتين سرقتان مختلفتان، فإن كل واحد من المنزلين حرزًا بانفراده، فهتك أحدهما بما دون النصاب غير معتبر في هتك الآخر.

ولكن ما هي الصفة المعتبرة للنصاب الموجب للحد؟ هل المعتبر في النصاب القيمة، أو الوزن؟

اختلف الفقهاء في الصفة المعتبرة للنصاب، من حيث هل يعتبر قيمته؟ أو يعتبر وزنه؟

نجد فقهاء الحنفية، اعتبروا القيمة في المسروق لوجوب القطع، وعلى هذا فقد اشترطوا أن تكون الدراهم المسروقة جيادًا، أي: صحيحة غير مزيفة، أو لم يبطل العمل بها، ومن ثم فلو كانت مغشوشة، أو كانت قيمتها دون عشرة صحيحة، فلا يجب القطع في تلك الحالة.

وكذلك المسروق من غير الدراهم، إذا كانت قيمته لا تبلغ قيمة عشرة دراهم جياد، فلا يجب القطع، ووجه ذلك أن اسم الدراهم في الأحاديث ينصرف إلى الجياد.

أما فقهاء الشافعية، فالراجح عندهم، والمعتمد في المذهب، أن الوزن هو المعتبر، وعلى هذا لو سرق شخص ربع مثقال من الخلاص، وهو ما أخلصته النار من الذهب، وقيمته دون ربع دينار فقد وجب القطع؛ لأن الخلاص يقع اسمًا للدينار، فيقال: دينار خلاص، ولو سرق خاتمًا وزنه أقل من ربع دينار، وقيمته تساوي ربعًا، فلا يقطع في تلك الحالة.

على أن ثمة أقوالًا أخرى لبعض العلماء، عن مقدار النصاب الذي يوجب القطع غير ما قدمنا؛ حيث قالت جماعة، منهم: ابن أبي ليلى، وابن شبرمة: لا تقطع اليد في أقل من خمسة دراهم، وهو مروي عن الحسن البصري. وقيل: تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا، وهو قول أبي هريرة، وأبي سعيد. وقال عثمان البتي: تقطع في درهمين.

وذهب آخرون إلى وجوب القطع في القليل والكثير، وهو قول الحسن البصري، وداود وآخرين، واستدلوا لذلك، بإطلاق قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، لكن يجاب عن ذلك: بأن إطلاق الآية، مقيَّد بالأحاديث المذكورة في تحديد النصاب.

واستدلوا كذلك، بما أخرجه الشيخان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده))، فيجاب عن هذا الاستدلال، بما قاله الأعمش، عن المراد بالبيض: بأنه بيض الحديد، وكذلك الحبل، فإن المراد به: ما زاد عن ثلاثة دراهم، كحبل السفينة، وقيل: المراد: تحقير شأن السارق، فإنه -أي: السارق- إذا جعل السرقة عادة له، جرَّأه ذلك على سرقة ما فوق البيضة، والحبل حتى يبلغ إلى المقدار الذي تقطع به الأيدي.

error: النص محمي !!