Top
Image Alt

شروط لا إله إلا الله، والجمع بين الأحاديث التي ظاهرها أن مجرد النطق بالشهادتين يكفي لدخول الجنة

  /  شروط لا إله إلا الله، والجمع بين الأحاديث التي ظاهرها أن مجرد النطق بالشهادتين يكفي لدخول الجنة

شروط لا إله إلا الله، والجمع بين الأحاديث التي ظاهرها أن مجرد النطق بالشهادتين يكفي لدخول الجنة

أولًا: شروط “لا إله إلا الله”:
لا شك أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم -على نبينا عليه السلام- كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، كلمة عظيمة يدخل بها الإنسان في الإسلام، ويخرج بها من دائرة الكفر إلى ساحة الإيمان، وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، بل المراد قولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها، ومعاداته.
ولكلمة: “لا إله إلا الله” أركان وشروط؛ فأركانها: اثنان نفي وإثبات، وحد النفي من الإثبات: “لا إله” أي: نافيًا جميع ما يعبد من دون الله، وحد الإثبات: “إلا الله”، أي: مثبتًا العبادة لله تعالى وحده لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه.
وأما شروطها فسبعة لا تصح هذه الكلمة، ولا تنفع قائلها إلا إذا استجمعت له تلك الشروط وهي:

  1. العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا. وهذا ينافي الجهل. قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19]، وقال تعالى أيضًا: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون} [الزخرف: 86]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
  2. اليقين المنافي للشك، أي: استيقان القلب بها قال تعالى: {{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه كما في “الصحيح”: ((من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن “لا إله إلا الله” مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنة)).
  3. الإخلاص المنافي للرياء والشرك قال الله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين} [الزمر: 2]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال: “لا إله إلا الله” خالصًا من قلبه أو نفسه)).
  4. الصدق المنافي للكذب. قال الله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين} [العنكبوت: 3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد يشهد: أن “لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله” صدقًا من قلبه إلا حرَّمه الله على النار)). متفق عليه.
  5. المحبة المنافية للبغض، قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما …)). الحديث متفق عليه.
  6. الانقياد المنافي للترك، أي: الانقياد لها ظاهرًا وباطنًا. قال الله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)).
  7. القبول المنافي للرد، فلا يرد شيئًا من لوازمها ومقتضياتها. قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُون} [الصافات: 35، 36]. وقد جمع بعض العلم هذه الشروط السبعة في قوله: علم يقين وإخلاص وصدقك مع
    • محبة وانقياد والقبول لها

ثانيًًا: الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها أن مجرد النطق بالشهادتين يكفي لدخول الجنة:
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله-: “وهذا التوحيد هو معنى قولك: “لا إله إلا الله” فإن الإله عندهم: هو الذي يُقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكًا، أو نبيًّا، أو وليًّا، أو شجرة، أو قبرًا، أو جنيًّا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر؛ فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده -كما قدمت لك- وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: “السيد” فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: “لا إله إلا الله”، والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة: هو إفراد الله تعالى بالتعلق به، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة منه؛ فإنه لما قال لهم: قولوا: “لا إله إلا الله”. قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص: 5]، فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها: “لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر إلا الله”؛ فلا خير في رجلٍ جُهَّال الكفار أعلم منه بمعنى: “لا إله إلا الله”. انتهى كلامه.
فاستدلال الغلاة بظاهر الأحاديث التي فيها أن من قال: “لا إله إلا الله” دخل الجنة؛ كاستدلال الفسقة بقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [البقرة: 173] عندما يؤنبهم أحد على ذنب وقعوا فيه، وكاستدلال أحدهم في القديم على إباحة الخمر قائلًا: إن الله تعالى قال في كتابه: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين} [الماعون: 4]، ولم يقل: “ويل للسكارى”، ثم نظم هذا المعنى بقوله:
دع المساجد للعباد تسكنها
* وقم بنا إلى حانة الخمار يسقينا

لم يقل ربك: ويل للأولى سكروا
* وإنما قال: ويل للمصلينا

فالاستدلال بظاهر الأحاديث التي فيها أن مجرد النطق بالشهادة يكفي، معارض بما في كثير من الأحاديث الأخرى التي فيها أن المسلم لا يكفي أن ينطق بالشهادة؛ بل يجب عليه أن يعتقد معناها، ويعمل بمقتضاها، ويأتي بلوازمها، ويحذر من نواقضها ويستمر على ذلك حتى الموت.
تنبيه:
إن المسلم في بداية الإسلام كان يدخل في الإسلام بهذه الكلمة ولم تنزل الأوامر الشرعية الأخرى؛ كالجهاد، والحج، والزكاة… ثم يموت هذا المسلم، فتقول: هذا المسلم يدخل الجنة بقول: “لا إله إلا الله”؛ لأنه لم يؤمر بغيرها، وهذا ما حصل للتابعي الجليل الذي دخل في الإسلام، ونطق بهذه الشهادة، ثم دخل المعركة مجاهدًا فاستشهد في ذلك اليوم فقيل فيه: رجل دخل الجنة وما صلى وما صام لله قط.
وأخيرًا أذكر في نهاية الرد على هذه الشبهة ما ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- في رده على هذه الشبهة؛ حيث بين أن من قالها؛ وجب الكف عنه إلا إن تبيَّن منه ما يناقض ذلك كدعاء الأولياء وقصدهم فيما هو من حق الله تعالى ، فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه، وماله، وأن الرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه؛ حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94]. أي: فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قُتل؛ لقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُواْ}، ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، وكل من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلا إن تبيَّن منه ما يناقض ذلك، والدليل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقتلته بعدما قال: “لا إله إلا الله”؟!))، وقال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: “لا إله إلا الله”)) هو الذي قال في الخوارج: (((أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا وتسبيحًا، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم يحقرون صلاتهم مع صلاتهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة؛ فلم تنفعهم “لا إله إلا الله”، ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام؛ لما ظهر منهم مخالفة الشريعة، وكذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، وكان الرجل كاذبًا عليهم.
فكل هذه النصوص تدل على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث، التي احتجوا بها وجوب الكف عمن قالها حتى يتبين منه مخالفتها”. انتهى بمعناه.

error: النص محمي !!