Top
Image Alt

شروط ماهية المفعول له كما ذكرها أبو البقاء، والتعليق على شروط المفعول له الخمسة

  /  شروط ماهية المفعول له كما ذكرها أبو البقاء، والتعليق على شروط المفعول له الخمسة

شروط ماهية المفعول له كما ذكرها أبو البقاء، والتعليق على شروط المفعول له الخمسة

ذَكَرَ أبو البقاء في شرح (اللمع) شروطًا تتعلق بماهية “المفعول له”، فقال: وللمفعول له شروط:

الشرط الأول: أن يصلح في جواب “لِمَ”، مثل: “جئت طلبًا للعلم”؛ فـ”طلبًا” مفعول له يصلح أن يقع في جواب “لِمَ”، أي: لم جئت؟

الشرط الثاني: أن يصح جعله خبرًا عن الفعل العامل فيه، كقولك: زرتك طمعًا في بِرّك، أي: الذي حملني على زيارتك الطمع في برك، أو أن يصح جعله مبتدأً؛ كقولك: الطمع في برك حملني على زيارتي لك.

الشرط الثالث: أن يصح تقديره باللام، مثل: زرتك طمعًا في برك، فنقدر ونقول: زرتك للطمع في برك، ولعل هذا الشرط مستغنًى عنه بما قالوه من أن نصب المفعول لأجله ليس واجبًا.

الشرط الرابع: أن يكون العامل فيه من غير لفظه، فلا يجوز أن يُجعل “زيارةً” في قولك: زرتك زيارةً -مفعولًا له؛ لأن المصدر هو الفعل في المعنى، والشيء لا يكون علة لوجود نفسه، ولعل في مثل “زرتك زيارة” مانعًا آخر، أن الزيارة مصدر لا يفهم العلية وليس قلبيًّا.

تعليق على شروط “المفعول له” الخمسة:

المقصود به التعليق على الشروط الخمسة التي ذكرها النحاة للمفعول لأجله، غير الشروط التي ذكرها أبو البقاء لماهية “المفعول له”. والشروط الخمسة التي هي: أن يكون مصدرًا، وأن يكون قلبيًّا، وأن يكون مفيدًا للعلية، وأن يكون متحدًا مع عامله في الوقت، وأن يكون متحدًا معه في الفاعل، متى فقد المعلِّل -بكسر اللام- من شروط جواز النصب شرطًا منها -وجب عند من اعتبر ذلك الشرط أن يجره بحرف التعليل.

وهذه الشروط هي رأي الجمهور، ونحن نتعامل برأي الجمهور ونترك ما عداه، فمتى فقد المصدر -وهو المعلل- شرطًا من هذه الشروط وجب جره بحرف التعليل، أما إذا اجتمعت فيه الشروط؛ فالغالب فيه أن يكون منصوبًا، ولكن يجوز أيضًا مع توفر الشروط أن يجر بحرف التعليل.

والحروف التي تفيد التعليل: اللام، والباء، وفي، ومن.

واقتصر الناظم على اللام؛ لأنها الأصل في إفادة معنى التعليل

.

ففاقد الشرط الأول -وهو المصدرية- نحو قوله تعالى: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَام} [الرحمن:10]، فـ”الأنام” علة للوضع وليس مصدرًا؛ فلذلك جر باللام وجوبًا.

وفاقد الشرط الثاني -وهو القلبية- قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} [الأنعام:151]، فـ “الإملاق” مصدر أملق أي: افتقر، والإملاق علة للقتل، فهذا مصدر من المصادر ولكنه ليس قلبيًّا؛ لذلك جُر بحرف التعليل وهو هنا: {مِّنْ}، بخلاف قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء:31]، فـ “الخشية” مصدر قلبي، ومفيد للتعليل، ومتحد مع عامله في الزمن والفاعل، فاجتمعت فيه الشروط الخمسة وهو مضاف، والمضاف يجوز نصبه ويجوز جره على السواء، أي: يجوز لنا في غير القرآن أن نقول: ولا تقتلوا أولادكم خشية الإملاق، أو لخشية إملاق.

أما فاقد الشرط الثالث -وهو أن يكون المصدر مفيدًا للعلّية- نحو: “قتلته صبرًا” فيمتنع جره؛ لأن الجر بحرف التعليل يفيد العلّية، وليس الغرض من المثال إفادة العلية؛ فلذلك لا يجوز جره.

وأما فاقد الشرط الرابع –هو الاتحاد في الزمن- ففي مثل قول الشاعر امرئ القيس الكندي:

فَجِئتُ وَقَد نَضت لِنَومٍ ثِيابَه

*لَدى السِترِ إِلّا لِبسَةَ المُتَفَضِّلِ

“فجئت وقد نضَت لنوم ثيابها” -أو “وقد نضّت لنوم ثيابها”- النوم  هنا  مجرور في كلام الشاعر باللام المفيدة للتعليل، فهل هذا الجر على سبيل الوجوب أم على سبيل الجواز؟ والجواب: أن الجر على سبيل الوجوب، والسؤال الذي يوجه هو: لماذا يجب جَرُّ المصدر المعلل للفعل باللام هنا؟ والجواب عن هذا السؤال: أن هذا المصدر يفتقد شرطين:

الشرط الأول: أنه ليس قلبيًّا.

الشرط الثاني: أنه يفتقد الاتحاد في الزمن.

فالنوم مصدر غير قلبي، وهو غيرُ متفق مع الفعل العامل فيه في الزمن؛ لأن زمن خلع الثياب لأجل النوم متقدمٌ على زمن النوم.

وأما فاقد الشرط الخامس -وهو الاتحاد في الفاعل- فكما في قول أبي صخر الهذلي:

وانّي لَتَعْروني لذِكراكِ هزةٌ

*كَما انْتَفَضَ العُصفورُ بَلّلهُ القَطْر

ففاعل العروِّ هو الهزة، وفاعل الذكرى هو المتكلم، و”ذكرى” مصدر قلبي، ومفيد للعلة، وفاعله المتكلم، أما الفعل العامل فيه ففاعله الهزة، فاختلف الفاعلان؛ لذلك وجب جره بحرف التعليل “اللام”.

ولو تأملنا قول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء:78]، و”دلوك الشمس”: هو مَيْلها عن كبد السماء، وهو الوقت الأول لصلاة الظهر، ففاعل القيام هو المخاطب، وفاعل الدلوك هو الشمس، فالفاعلان مختلفان، لكن الزمن واحد؛ ذلك أن دلوك الشمس هو ميلها بالفعل، وهو وقتُ إقامة الصلاة أو بداية صلاة الظهر، أو الوقت الذي يجوز فيه أن تؤدى صلاة الظهر.

وعلى ذلك فالجر بحرف التعليل واجب؛ لعدم الاتحاد في الفاعل يقينًا، أو عدم الاتحاد في الوقت والفاعل، كما ذهب إلى ذلك صاحب (التصريح) وابن هشام.

والمصدر المستوفي للشروط يجوز جره، وهذا الجر يكون بكثرة إن كان مقرونًا بـ”أل”، وبقلة إن كان مجردًا من “أل” والإضافة.

ومن شواهد المقرون بـ”أل” قول الراجز:

لاَ أقعُدُ الجُبنَ عَنِ الهيجَاءِ

*وَلو تَوَالت زُمَرُ الأعدَاءِ

“لا أقعد الجبن عن الهيجاء”، فالجبن مصدر، علّي، قلبي، متحد مع عامله في الوقت والفاعل، مقترن بـ”أل”، وإذا كان مقترنًا بـ”أل” جاء منصوبًا على قلة، والأكثر فيه أن يكون مجرورًا.

ومن شواهد المجرد من “أل” والإضافة قول الراجز:

من أمَّكم لرغبةٍ فيكم جبر

*ومن تكونوا ناصريه ينتصر

فـ”رغبة” مصدر قلبي، مفيد للعلية، متحد مع عامله زمنًا وفاعلًا، ففاعل الأمّ هو فاعل الرغبة، وهذا المصدر القلبي الذي توافرت فيه الشروط الخمسة مجرد من “أل” والإضافة، والأكثر في المجرد من “أل” والإضافة النصب؛ ولذلك جاء الجر هنا على الوجه القليل وليس على الوجه الكثير.

وكأن الرجز الأول متفق مع الرجز الثاني في أن الرجز الأول جاء على القليل، والرجز الثاني جاء على القليل أيضًا، فـ”لا أقعد الجبن عن الهيجاء” مقترن بـ”أل”، فالكثير فيه الجر والشاعر نصب، وفي الرجز الثاني المصدر “رغبة” مجرد من “أل” والإضافة، والكثير فيه النصب، والشاعر جر.

وحكم النصب في قوله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف:56]، فـ {خَوْفًا} مصدر قلبي، مفيد للعلية، متفق مع عامله في الزمن والفاعل، وهو مجرد من “أل” والإضافة، فالكثير نصبه، والقرآن جاء على الكثير، والرجز الذي سبق أن ذكرناه، وهو قول الراجز: “من أمكم لرغبة فيكم جبر” جاء على القليل.

والنصب والجر يستويان في المضاف، نحو قوله تعالى: {يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} [البقرة:265]، فـ{ابْتِغَاء} مفعول له وهو مضاف منصوب، وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ} [البقرة:74]، فـ{خَشْيَةِ اللّهِ} مفعول له وهو مضاف مجرور.

error: النص محمي !!