Top
Image Alt

شعر الدعوة الإسلامية

  /  شعر الدعوة الإسلامية

شعر الدعوة الإسلامية

انتدب الشعر ليكون سلاحًا من أسلحة الدعوة، فقد حكى ابن هشام أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال للأنصار: ((ما يمنع الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟!)) قال حسان بن ثابت: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرني به مقول بين بصرى وصنعاء. فقال له: ((وكيف تهجوهم وأنا منهم؟)) قال: إني أسلُّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. قال: ((اذهب إلى أبي بكر فيحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم، ثم اهجهم وجبريل معك))، فأخذ حسان بن ثابت يهجوهم، وكثيرًا ما كان يقول له صلى الله عليه  وسلم: ((شن الغارة على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع الحسام في غلس الظلام))؛ إذًا دخل الشعر المعركة بين الإسلام والشرك.

والمعركة بين الإسلام والشرك لم تكن خصومةً مبنيةً على العصبية القبلية، ولا دفاعًا عن رياسةٍ ولا مياهٍ ولا مرعًى -كما كان الشأن في العصر الجاهلي- الخصومة في الإسلام، أو بعد الإسلام كانت بين المسلمين والمشركين على أساس الاختلاف في الدين؛ لما أنكر القرشيون على محمد صلى الله عليه  وسلم دينه، وترصدوه وحاربوه هو والمؤمنين معه.

وهكذا كان الشعر أو الشعراء فريقين: فريق مع كفار قريش يهجو الرسول صلى الله عليه  وسلم والمسلمين وينفر منهم، ويثبط عزائمهم؛ وفريق آخر مع الرسول صلى الله عليه  وسلم والمسلمين يدافع عن الإسلام ويبين محاسنه، ويدعو إليه، ويرد على خصومه.

ففي يوم بدر: لما وقعت غزوة بدر، وانتصر المسلمون؛ قال ضرار بن الخطاب، وهو من شعراء المشركين:

عجبت لفخر الأوس والحين دائر

*عليهم غدًا والدهر فيه بصائرُ

وفخر بني النجار أن كان معشر

*أصيبوا ببدر كلهم ثَمَّ صابرُ

فإن تك قتلى غودرت من رجالنا

*فإنا رجالًا بعدهم سنغادر

وتردي بنا الجرد العناجيج وسطكم

*بني الأوس حتى يشفيَ النفسَ ثائرُ

ووسط بني النجار سوف نكرُّها

*لها بالقنا والدارعين زوافر

فنترك صرعى تعصب الطير حولهم

*وليس لهم إلا الأمانيُّ ناصرُ

وتبكيهمو من أهل يثرب نسوة

*لهن بها ليل عن النوم ساهر

وذلك أنا لا تزال سيوفنا

*بهن دم مما يحاربن مائرُ

وضرار بن الخطاب في هذه الأبيات يتوعد المسلمين والأنصارَ منهم خاصة -أهل المدينة- ويذكر منهم بني النجار، ويقول: إنهم -أي: المشركون- سيثأرون لأنفسهم مما حدث لهم في بدر.

وفي الأبيات كلمات تحتاج إلى تفسير منها: تردي أي: تسرع، والعناجيج: جمع عنجوج، وهو الطويل السريع؛ يصف الخيول بالسرعة والطول. والثائر: الطالب لثأره، وتعصب أي: تجتمع عصائبَ عصائبَ؛ أي: جماعات جماعات، ومائر، أي: سائل؛ يقال: مار يمور إذا سال.

فلما قال ضرار هذا الشعر أجابه من شعراء المسلمين كعب بن مالك رضي الله  عنه   فقال:

عجبت لأمر الله والله قادر

*على ما أراد ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقيَ معشرًا

*بغوا وسبيل الغي بالناس جائرُ

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم

*من الناس حتى جمعهم متكاثر

وسارت إلينا لا تحاول غيرنا

*بأجمعها كعبٌ جميعًا وعامر

وفينا رسولُ الله والأوس حوله

*له معقل منهم عزيز وناصرُ

وجمع بني النجار تحت لوائِهِ

*يميسون في الماذي والنقع ثائر

يميسون، أي: يمشون مشي التبختر، والماذي: الدروع البيض اللينة، والنقع: الغبار، وثائر، أي: مرتفع فوق رءوسهم.

ثم يقول كعب بن مالك:

فلما لقيناهم وكل مجاهد

*لأصحابه مستبسل النفس صابر

شهدنا بأن الله لا ربَّ غيره

*وأن رسول الله بالحق ظاهرُ

وقد عُرِّيَتْ بِيْضٌ خِفَاٌف كأنها

*مقابيسٌ يزهيها لعينيك شاهر

بهن أَبَدْنَا جمعهم فتبددوا

*وكان يلاقي الحَيْنَ من هو فاجرُ

فَكُبَّ أبو جهلٍ صريعًا لوجهه

*وعتبةُ قد غادَرْتَهُ وهو عاثرُ

وشيبة والتيميَّ غادرن في الوغى

*وما منهمو إلا بذي العرش كافر

فأمسوا وقودَ النار في مستقرها

*وكل كفور في جهنم صائرُ

تلظَّى عليهم وهي قد شب حميها

*بزبر الحديد والحجارة ساجرُ

وكان رسول الله قد قال أقبلوا

*فولوا وقالوا إنما أنت ساحر

لأمر أراد الله أن يهلكوا به

*وليس لأمرٍ حَمَّهُ اللهُ زاجرُ

ومن هذا الصراع بين الشعر في معسكر الكفار والمشركين، والشعر في معسكر المسلمين: ما قاله عبد الله بن الزبعرى، يبكي قتلى بدر من المشركين، فيقول:

ماذا على بدر وماذا حوله

*من فتيةٍ بيضِ الوجوهِ كرامِ

تركوا نُبيهًا خلفهم ومُنبهًا

*وابني ربيعة خير خصم فئام

والحارث الفياض يبرق وجهه

*كالبدر جلَّا ليلة الإظلام

إلى أن يقول:

وإذا بكى باكٍ فأعول شجوه

*فعلى الرئيس الماجد بن هشام

حيَّا الإله أبا الوليد ورهطه

*رب الأنام وخصه بسلامِ

وهو هنا يتحدث عن أبي جهل ويرثيه ويعلن حزنه عليه؛ كما بكى غيره من قادة المشركين. فأجابه حسان بن ثابت رضي الله  عنه   بقوله:

ابكِ بكت عيناك ثم تبادرت

*بدمٍ يُعُلُّ غروبها سجامِ

ماذا بكيت به الذين تتابعوا

*هلا ذكرت مكارم الأقوامِ

يقول له: من هؤلاء الذين تذكرهم أيها الشاعر المشرك؟! هلَّا ذكرت محمدًا صلى الله عليه  وسلم وآمنت به:

ماذا بكيت به الذين تتابعوا

*هلا ذكرت مكارم الأقوام

وذكرت منا ماجدًا ذا همة

*سمح الخلائق صادق الإقدام

أعني النبي أخا المكارم والندى

*وأبر من يُوْلِي على الأقسام

فلمثله ولمثل ما يدعو له

*كان المُمَدَّحَ ثم غير كهام

والماجد: الشريف، يُولي، أي: يقسم ويحلف، والكهام: الضعيف.

ومن هذا الشعر أيضًا: ما قاله حسان، ويصور حسان بن ثابت رضي الله  عنه   واقعة بدر التي انتصر فيها المسلمون على الكفار نصرًا عزيزًا مؤزرًا فيقول:

لقد علمت قريش يوم بدر

*غداة الأسر والقتل الشديد

بأنا حين تشتجر العوالي

*حماةُ الحرب يوم أبي الوليد

قتلنا ابني ربيعة يوم سارا

*إلينا في مضاعفة الحديد

وفرَّ بها حكيمٌ يوم جالت

*بنو النجار تخطر كالأسودِ

وولَّتْ عند ذاك جموع فهر

*وأسلمها الحويرث من بعيد

لقد لاقيتمو ذلًّا وقتلًا

*جهيزًا نافذًا تحت الوريدِ

وكل القوم قد وَلَّوا جميعًا

*ولم يلووا على الحسب التليد

واستمر الشعر الإسلامي مواكبًا للدعوة وظروفها، يمجد الانتصارات ويرد على الهاجين من المشركين، ويرثي شهداء المسلمين:

ومن ذلك: ما قاله عبد الله بن رواحة يرثي حمزة رضي الله  عنه   بقوله:

بَكَتْ عَيَني وحُقَّ لها بُكاها

*وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَوِيلُ

على أسدٍ الإِلهِ غَداةَ قالُوا

*أحمزة ذاكم الرجل القتيل

أصِيبَ المُسْلِمُونُ به جَميعًا

*هناك وقد أصيب به الرسولُ

أبا يعلى لك الأركان هُدت

*وأنت الماجدُ البرُّ الوصولُ

عليك سلام ربك في جنان

*يخالطها نعيمٌ لا يزولُ

ألا يَا هاشمَ الأخيارِ صبرًا

*فكل فِعَالِكُم حسنٌ جميلُ

رسول الله مصطبرٌ كريم

*بأمر الله ينطق إذ يقولُ

ألا من مبلغ عني لؤيًّا

*فبعد اليوم دائلة تدول

وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا

*وقائعنا بها يُشْفَى الغليلُ

ومن شعر الدعوة الإسلامية كذلك: ما قاله الشعراء المسلمون في مديح رسول الله صلى الله عليه  وسلم مشيدين بشمائله الكريمة وفضائله النبيلة التي حباه الله سبحانه وتعالى بها، من ذلك: قول أبي دعبل الجمحي يمدح الرسول صلى الله عليه  وسلم فيقول:

إن البيوت معادن فنجاره

*ذهب وكل بيوته ضخمُ

عقم النساء فما يلدن شبيهه

*إن النساء بمثله عُقُمُ

متهللٌ ينعم بلا متباعد

*سيان منه الوفر والعُدْمُ

نظر الكلام من الحياء تخاله

*ضمنًا وليس بجسمه سقم

ومن ذلك أيضًا قول كعب بن زهير:

أنُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعدَني

*والعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مأمول

مَهْلًا هَدَاكَ الذي أَعْطَاكَ نافلَةَ الْـ

*ـقُرْآنَ فيها مَوَاعِيظٌ وتَفْصِيلُ

إلى أن قال:

إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ به

*مهندٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ

في فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ

*ببطن مكة لما أسلموا زولوا

زَالُوا فما زالَ أَنْكَاسٌ ولا كُشُفُ

*عند الِلَّقَاءِ ولا ميلٌ مَعَازِيلُ

وهو هنا يمدح المهاجرين مع مدحه لرسول الله صلى الله عليه  وسلم. ومن هذا المديح أيضًا: قول النابغة الجعدي من قصيدةٍ في مدح الرسول صلى الله عليه  وسلم:

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى

*ويتلو كتابًا كالمجرة نيرًا

أقيم على التقوى وأرضى بفعلها

*وكنت من النارِ المخوفة أحذرَا

ومن شعر الدعوة الإسلامية كذلك: التمدح بالخصال التي دعا إليها الإسلام في معرض الثناء على النفس أو الغير.

ومن ذلك مثلًا: قول معن بن أوس:

لعمرك ما أهويت كفي لريبة

*ولا حملتني نحو فاحشة رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها

*ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

وأعلمُ أني لم تصبني مصيبةٌ

*من الدهر إلا قد أصابت فتًى قَبْلي

ولستُ بماشٍ ما حييتُ لمنكرٍ

*من الأمرِ لا يمشي إلى مثلهِ مثلِي

ولا مؤثرًا نفسي على ذي قرابَتِي

*وأوثر ضيفي ما أقامَ على أهلِي

وإذا أردنا أن نتحدث عن الخصائص الموضوعية والفنية لشعر الدعوة الذي أوردنا نماذج منه؛ فإننا نلاحظ أن هذا الشعر ساير الدعوة الإسلامية في جهادها للكفار والمشركين، وأنه أعلن مبادئ هذه الدعوة، ورد على المشركين من الشعراء الذين حاولوا أن يصدوا الناس عنها، ونلاحظ أن الأغراض التي سلكها هذا الشعر هي أغراض معروفةٌ من قبل كالهجاء والمديح والحماسة والرثاء.

لكن المعاني التي عبَّر عنها الشعراء المسلمون معانٍ جديدة، تأثروا فيها بدينهم الحنيف، فهم يمدحون بالصدق، ويمدحون بالتقى، ويمدحون بالإيمان، ويعيرون الكفار بكفرهم وبصدودهم عن الدين الجديد، وبإعراضهم عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ويذكرون في شعرهم الجنة والنار، ويستفيدون من معاني القرآن الكريم، ومعاني الحديث النبوي الشريف.

كما أن هذا الشعر تختفي منه أغراض حرمها الإسلام كشعر الخمر، والمقدمات الغزلية الفاحشة أو الماجنة، والوقوع في الأعراض في الهجاء، وغير ذلك مما نهى الإسلام عنه.

كما نلاحظ أن هذا الشعر متأثرٌ في معجمِهِ -أي: في لغته- بلغة القرآن الكريم وألفاظه، واستمر الشعر مصاحبًا لمسيرة الدعوة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه  وسلم في عهد أبي بكر، وحين يخرج مُسيلمة الكذاب يدعي النبوة ويرتد، ويفتن جماعاتٍ من العرب معه، يقول أحد الشعراء المسلمين:

دعانا إلى ترك الديانةِ والهُدَىَ

*مسيلمةُ الكذاب إذ جاء يسجعُ

فيا عجبًا من معشرٍ قد تتابعوا

*له في سبيل الغيِّ والغيُّ أشنعُ

ولما انتصر المسلمون على المرتدين؛ عاد كثيرٌ من الإسلام، وصوَّرَ الشعرُ ذلك؛ فهذا واحدٌ من العائدين إلى الدين يندم على ما فرط منه، وهو جُندب بن سلمى أحد بني شنوق من بني مدلج، يقول:

ندمت وأيقنت الغداةَ بأنني

*أتيت التي يبقى على المرءِ عَارُهَا

شهدت بأن الله لا شيء غيره

*بني مدلج فالله ربي وجارها

وهو هنا يعلن توبته عما حدث منه وندمه على استجابته لنداء الردة.

ويرى المسلمون العجائب في حربهم للمرتدين، ويرون علامات تأييد الله سبحانه وتعالى لهم وتيسير النصر لهم؛ فهذا واحدٌ من شعراء المسلمين يقول:

ألم تر أن الله ذلَّلَ بحره

*وأنزل بالكفار إحدى الجلائلِ

دعونا الذي شقَّ البحارَ فجاءنا

*بأعجب من فلقِ البحارِ الأوائلِ

 وهكذا صور الشعر مراحل الدعوة الإسلامية، وتأثر بالمعاني الإسلامية، وبأسلوب القرآن الكريم وألفاظه.

error: النص محمي !!