Top
Image Alt

شعر العبث والسخرية والاستجداء

  /  شعر العبث والسخرية والاستجداء

شعر العبث والسخرية والاستجداء

كان لشعر العبث والسخرية شعراء هجَّاءون اتخذوا سبيل العبث والسخرية سبيلًا للنيل من خصومهم ومنافسيهم، اشتهر في هذا الباب: أبو نواس، وأبو العتاهية، وأبو عيينة المهلبي، وعبد الصمد بن المعذَّل. وكان الاستهزاء والسخرية والعبث هو الدائرة التي تفوَّق فيها هؤلاء الشعراء إلى جانب عددٍ من الأغراض التي تناولوها -حسب موهبة كل واحد منهم. ومن الشعراء الذين تهاجوا أيضًا وتعرضوا لهذا الباب من الشعر: حماد؛ فقد كان يتبادل الهجاء مع أصدقائه كمطيع بن إياس.

ومن الشعراء الذين نزلوا هذه الحلبة كذلك: أبان بن عبد الحميد، وتبادل “أبان” هذا الهجاء مع المعذل بن غيلان، وفيه يقول المعذل:

صحَّفَتْ أمُّك إذ

*سمَّتْكَ بالمهدِ أبانا

قد علِمنَا ما أرادت

*لم تُرِدْ إلا أتَانا

والأتان: هي أنثى الحمار.

صيرت باءً مكان

*التاءِ والله عِيانا

قطع الله وشيكًا

*من مسمِّيك اللسانا

فأنت ترى الشاعر يهجو “أبان” ويسخر منه ويعبث، ويقول: إن أمه أرادت أن تسميه أتانًا، فصحَّفت وغيَّرت وجعلت مكان التاء باءً، والأتان: هي أنثى الحمار.

ومن هذا الباب أيضًا: قول داود المهلبي في هجاء آل سليمان بن علي والي البصرة:

قومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامَهم

*واستوثقوا من رِتاج البابِ في الدار

لا يقبِسُ الجارُ منهم فضلَ نارِهِمُ

*ولا تكفُّ يدٌ عن حرمة الجار

فهو يهجوهم بالبخل؛ لكنه في صورة ساخرة، يصورهم أنهم إذا أكلوا أخفوا كلامهم حتى لا يشعر بهم أحد، وأنهم يستوثقون من رتاج الباب فيغلقونه إغلاقًا جيدًا حتى لا يدخل عليهم أحدٌ، وأنهم لا يقبِس الجارُ منهم فضلَ نار، وأنهم يؤذون الجار ولا يكفون عن حرمته.

ومن هذا الشعر الساخر العابث أيضًا: هذه الأبيات لأبي عيينة المهلبي يهجو بها ربيعة بن قُبَيْصة بن روح بن حاتم المهلبي بعد أن قصده، ولم يجد عنده ما أراده منه، فولّى عنه مغاضبًا وعرف ذلك داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة المهلبي؛ فترضَّاه -أي: ترضَّى الشاعر- بصلة سنيَّة، جعلته يمدحه مدحًا رائعًا، ويهجو في تضاعيف هذا المدح ربيعة بن قبيصة هجاءً ساخرًا لاذعًا، فيقول: والخطاب للمهجو:

داودُ محمودٌ وأنت مذمَّمٌ

*عجبًا لذاك وأنتما من عُودِ

ولرب عودٍ قد يُشَقُّ لمسجدٍ

*نصفٌ وسائره لحُشِّ يهودِ

فالحُشُّ أنتَ له وذاك لمسجدٍ

*كم بين موضعِ مسْلَحٍ وسجودِ

يقول: أنتما من أصلٍ واحدٍ، وأنتما من عودٍ واحدٍ، ورُبّ عودٍ قد يُشَقُّ؛ فيؤخذ نصفه لمسجدٍ ويؤخذ باقيه لمكانٍ يقضي فيه اليهود حاجتهم.

داود يفتح كلَّ باب مغلق

*بندى يديه وأنت قُفلُ حديدِ

وروى صاحب (الأغاني) أن ابن عم هذا الشاعر، وهو: أبو عيينة المهلبي، تزوج بنت سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب وكانت قد تزوجت قبله رجلين ماتا عنها؛ فكتب أبو عيينة إليه يعنفه على اختياره لها، وأنه إنما اختارها بسبب مالها؛ فهذا هجاء لابن عمه ولبنت عمه أيضًا، يقول في الأبيات:

رأيت أثاثها فطمعتَ فيه

*وكم نصَبَتْ لغيرك من أثاثِ

فصيِّرْ أمرَها بيديْ أبيها

*وسرِّحْ من حِبالِك بالثلاثِ

وإلا فالسلام عليك مني

*سأبدأ من غدٍ لك بالمراثي

يقول: إنك إن لم تطلقها ستموت كما مات الزوجان اللذان سبقاك إليها.

وكان عبد الصمد بن المعذل صاحب لهو ومجون وتعابث، وكان هجَّاءً خبيث اللسان؛ حتى كأن الهجاء عنده غريزة؛ فإذا هو به يتناول أخاه، وكان أخوه رجلًا صاحب جاه واسع في بلدته، وكان صاحب منزلة عند الحكام، وكان عبدُ الصمد هذا لا يقاربه في ذلك ولا يدانيه فكان يحسده ويهجوه فيحلم عنه، وحدث أن قدم على بعض الخلفاء فأكرمه وخلع عليه ووصله بمال كثير -هذا الأخ- ورجع إلى البصرة فاستقبله جلتها استقبالًا حافلًا، إلا عبد الصمد هذا الشاعر الهجَّاء؛ فاستقبل أخاه بقوله:

ولما أن أتته دُرَيْهماتٌ

*من السلطان باع بهن ربه

كسبتَ أبا الفضول لنا معابًا

*وعارًا قد شُمِلْتَ به وسُبَّه

يقولون: وفكر أحمد -هذا الأخ- في أن يجاور في الثغور ويجاهد في جيش إسحاق بن إبراهيم صاحب بغداد؛ فلم يكد يلقاه عبد الصمد حتى أنشده شعرًا يقول فيه:

يُرِي الغزاةَ بأن الله همَّتَه

*وإنما كان يغزو كيسَ إسحاقِ

فباعَ زهدًا ثوابًا لا نفادَ له

*وابتاع عاجلَ رِفدِ القومِ بالباقي

وكان لعبد الصمد بن المعذل هذا ابنُ أخٍ فيه عجب؛ فقال فيه قال يخاطبه:

يا أبغض الناس في عسر وميسرة

*وأقذر الناس في دنيا وفي دينِ

لو شاء ربي لأضحى واهبًا لأخي

*بمُرِّ ثُكلك أجرًا غير ممنون

أي: بفقدك.

إن القلوب لتُطوَى منك يا ابن أخي

*إذا رأتك على مِثلِ السكاكينِ

ومن هجائه اللاذع: قوله في رجل اسمه أبو رِهم:

لو جاد بالمال أبو رهمٍ

*كجوده بالأختِ والأمِّ

أضحى وما يُعرَف مِثْلٌ له

*وقيل أسخى العُرْبِ والعُجْمِ

وهذا من الهجاء الساخر الشديد الوقع -كما ترى. وتهاجى عبد الصمد بن المعذل هذا مع الجمّاز ابن أخت سلم الخاسر، وكان لا يقل عنه خبثًا في هجائه ولا شرًّا -كما يقول الدكتور شوقي ضيف- وكان مما قاله الجماز فيه:

ابن المعذل مَن هو ومَن أبوه المعذل

*سألت وهبان عنه فقال بيضٌ مُحوَّل

والبيض المحوَّل: هو البيض الذي ترقد عليه دجاجة غير أمه، أو البيض الذي يحضنه غير أبويه؛ فكأنه يرميه في نسبه، وأنه ليس نقي النسب، فقال عبد الصمد ردًّا عليه:

نسَبُ الجمَّازِ مقصورٌ إليه منتهاه

*ليس يدري من أبو الجماز إلا مَن يراه

وأما الاستجداء؛ فقد ارتبط بالمديح، وكان هناك شعراء جعلوا من الشعر وسيلة للغنى والتكسب وجمع المال، والوقوف به على باب الأمراء والوزراء يطلبون بذلك الغنى.

وقد اشتُهر في هذا الباب شعراء كثيرون وفدوا على الأسخياء خاصة الوزراء من البرامكة، ومن هذا الشعر مثلًا ما يُروَى للأصمعي الذي كان يألف جعفر بن يحيى ويُخَصُّ به وله فيه مدائح كثيرة وتقريظ وتفضيل، ومن طريف ما له فيه قوله:

إذا قيل من للندى والعُلى

*من الناسِ قيل الفتى جعفرُ

وما إن مدحت فتًى قبلَه

*ولكن بنو برمكٍ جَوْهَرُ

ومنه أيضًا: قول بعضهم في الفضل بن يحيى:

ما لقينا من جود فضلِ بن يحيى

*ترَكَ الناس كلهم شعراءَ

علَّم المفحَمِين أن ينظِموا

*الأشعار منَّا والباخلين السَّخَاءَ

فانظر إلى هذا القول الذي يجعل جودَ فضل بن يحيى ترك الناس كلهم شعراء؛ فالناس كلهم قالوا الشعر من أجل جوده ومن أجل الحصول على ماله، ثم إن هذا الرجل بجوده وسخائه وعطاياه علَّم المفحَمين أن ينظِموا الأشعار كما علم البخلاء السخاء والكرم. ويقول بعضهم فيه:

جاد الربيعُ الذي كنا نؤمِّلُه

*فكلنا بربيع الفضل مرتَبِعُ

وفيه أيضًا قال آخر:

مدح الفضلُ نفسَه بالفِعَالِ

*فَعَلَا عن مديحِنَا بالمقالِ

فكل هذه الأشعار وأشباهُها اتخذها أصحابها وسيلةً للتكسب والاستجداء.

هذه هي أهم الظواهر -أو بعض الظواهر- التي ظهرت ولم تكن جديدة جدة مطلقة؛ وإنما كان ظهورها واضحًا في الشعر العباسي.

error: النص محمي !!