Top
Image Alt

شعر الفتوحات الإسلامية

  /  شعر الفتوحات الإسلامية

شعر الفتوحات الإسلامية

دعا الله سبحانه وتعالى المؤمنين إلى الجهاد في سبيله، ودعاهم إلى أن يبلغوا دين الله إلى الناس، ورغَّبَهُم في الاستشهاد في سبيله، ووعد الشهداء بجنةٍ عرضها السموات والأرض، وأخبر القرآن الكريم أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وبدافع هذه العقيدة خرج المسلمون بدينهم يدعون الناس في مشارق الأرض ومغاربها إلى الإسلام، ويحاربون من تصدَّى لهم، وأراد أن يطفئ نور الله.

تصوير البطولات: وقد شهدت الفتوحات بطولاتٍ نادرةً، وساير الشعر هذه الفتوحات، وصوَّرَ هذه البطولات، من ذلك مثلًا: أن أبناء الشاعرة الكبيرة المعروفة بالخنساء شاركوا في معركة القادسية، وقد حَثَّتْهُم أمهم على القتال والإقدام، فلما أضاء لهم الصبح؛ أخذوا مواقعهم في الصفوف، وقال أحدهم:

يا إخوتي إن العجوز الناصحة

*قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة

مقالةً ذات بيانٍ واضحة

*فباكروا الحربَ الضروسَ الكالحةْ

وإنما تلقون عند الصائحة

*من آل ساسان الكلابَ النابحةْ

قد أيقنوا منكم بوقعِ الجائحةْ

*وأنتم بين حياةٍ صالحةْ

أو ميتة تورث غُنمًا رابحة

وتقدم فقاتل حتى استُشهد.

ثم حمل الثاني على الأعداء وهو ويقول:

إن العجوز ذاتُ حزمٍ وجلد

*والنظر الأوفق والرأي السدد

قد أمرتنا بالسداد والرشد

*نصيحةً منها وبرًّا بالولد

فباكروا الحرب حماةً في العدد

*إما لفوزٍ باردٍ على الكبدْ

أو ميتة تورثكم عزَّ الأبدْ

*في جنة الفردوس والعيشِ الرغدْ

فقاتل حتى استُشهد.

ثم حمل الثالث وهو يقول:

والله لا نعصي العجوز حرفًا

*قد أمرتنا حربًا وعطفًا

نصحًا وبرًّا صادقًا ولطفًا

*فبادروا الحرب الضروس زحفًا

حتى تَلُفُّوا آل كسرى لفًّا

*أو يكشفوكم عن حماكم كشفَا

إنا نرى التقصير عنكم ضعفا

*والقتلى فيكم نجدةً وزلفى

فقاتل حتى استشهد.

ثم حمل الرابع وهو يقول:

لست لخنساء ولا للأخرمِ

*ولا لعمرو ذي الثناء الأقدم

إن لم أردْ في الجيش جيش الأعجم

*ماضٍ على الهول خضم خضرمِ

إما لفوز عاجلٍ ومغنمِ

*أو لوفاء في السبيل الأكرم

 فقاتل حتى استُشهد، فبلغ أمهم الخنساء الخبر، فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. وهذا لعمري من أعجب ما أحدثه الإسلام في نفوس أبنائه.

ويعبر الشاعر جميل بن سعيد عن عقيدة المجاهدين الصادقين في القتال حين يقول:

ولست أبالي إن قُتلت لأنني

*أُرَجِّي بقتلي في الجنان مقامي

ومن الشعراء الفرسان الذين لمعت أسماؤهم في الفتوحات: أبو محجن الثقفي، وكان مولعًا بالخمر على الرغم من إسلامه، فحبسه سعد بن أبي وقاص؛ حتى إذا احتدمت معركة القادسية، توسل إلى سلمى زوج سعد أن تطلقه على أن يعود إلى محبسه بعد الحرب؛ لكي يسهم في شرف المعركة فأطلقته، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، وعاد إلى سجنه وهو ينشد:

لقد علمت ثقيفٌ غير فخرِ

*بأنا نحن أكرمهم سيوفَا

فإن أُحبس فقد عرفوا بلائي

*وإن أُطلق أُجَرِّعُهُم حتوفًا

وكان حول أبي محجن فرسان كثيرون منهم عمرو بن معديكرب الزبيدي، وكانت له آثار مشهورة في القادسية واليرموك وغيرهما، ومن شعره في القادسية قوله:

والقادسية حين زاحم رستم

*كنا الحماة بهن كالأشطان

الضاربين بكل أبيضَ مخزمٍ

*والطاعنين مجامع الأضغانِ

ومنهم بشر بن ربيعة الخثعمي، وله يصور بلاءه وبلاء قومه في مواقع القادسية:

تذكر هداك الله وقعَ سيوفِنَا

*بباب قُديسٍ والمكرُّ عسيرُ

عشية ود القوم لو أن بعضهم

*يعار جناحيْ طائرٍ فيطيرُ

إذا ما فرغنا من قِراع كتيبة

*دلفنا لأخرى كالجبال تسير

ترى القومَ فيها واجمينَ كأنهم

*جِمالٌ بأحمالٍ لهن زفيرُ

ومن فرسان القادسية كذلك: قيس بن المكشوح المرادي، وهو الذي قتل رستم قائد الفرس في تلك المعارك، وفي شعره يصور ذلك؛ إذ يقول:

جلبت الخيل من صنعاء تردي

*بكل مدججٍ كالليث سامِ

إلى وادي القرى فديار كلبٍ

*إلى اليرموك فالبلد الشآم

وجِئْنَ القادسية بعد شهر

*مسومةً دوابرها دوام

فناهضنا هنالك جمع كسرى

*وأبناء المرازبة الكرام

فلما أن رأيتُ الخيل جالت

*قصدت لموقف الملك الهُمَامِ

فأضرب رأسه فهوى صريعًا

*بسيف لا أَفَلَّ ولا كِهَامِ

وقد أبلى الإله هناك خيرًا

*وفعل الخير عند الله نامي

وإلى جانب تصوير البطولة في شعر الفتوحات نجد موضوعات أخرى منها:

الحنين إلى الوطن: إذ يذهب المجاهد بعيدًا عن وطنه مجاهدًا في سبيل الله، لكنه أحيانًا يحن إلى وطنه البعيد؛ فيرسل عبراته وكلماته معبرًا عن هذا الحنين، من هذا مثلًا قول أحدهم:

أكرر طرفي نحو نجدٍ وإنني

*برغمي وإن لم يدرك الطرف أنظرُ

حنينًا إلى أرضٍ كأن تُرابَهَا

*إذا أمطرت عودٌُ ومسكٌ وعنبرُ

بلاد كأن الأقحوان بروضه

*ونور الأقاحي وشيُ بردٍ مُحَبَّرُ

أحِنُّ إلى أرضِ الحِجازِ وحاجَتِي

*خيام بنَجْدٍ بِلادٌ دُونَها الطَّرْفُ يَقْصُرُ

وما نَظَرِي مِن نَحْوِ نَجْدٍ بنافِعِ

* أَجَلْ ولكنِّي على ذاكَ أَنظُرُ

أَفِي كُلِّ يومٍ نَظْرَةٌ ثُم عَبْرَةٌ

*لعينيك مجرى مَائِهَا يَتَحَدَّرُ

مَتَى يَسْتَرِيحُ القَلْبُ إِمّا مُجاوِرٌ

*بحربٍ وإما نازِحٌ يَتَذَكَّرُ

ومن الموضوعات المتعلقة بشعر الفتوحات كذلك: ما نتج عنها من شعر يعرب فيه الآباء والأبناء عن تشوقهم: من هذا: أن المخبل السعدي تطوع ابنه الوحيد في جيش سعد بن أبي وقاص المتوجهِ إلى بلاد فارس، فقال في ذلك المُخَبَّلُ:

أيملكني شيبان في كل ليلة

*لقلبي من خوفِ الفراقِ وجيبُ

ويخبرني شيبان أن لم يعقَّنَيِ

*تعق إذا فارقتني وتحوبُ

ويقول:

فإن يك غصني أصبح اليوم باليًا

*وغصنك من ماء الشباب رطيبُ

إذا قال صحبي يا ربيع ألا ترى

* أَرَى الشَّخْصَ كالشَّخْصَيْنِ وهو قَرِيبُ

أشيبانُ ما يدريك أن كل ليلة

*غبقتك فيها والغبوق حبيبُ

وكان أبوه قد أسن وضعف، وكاد يُغْلَبُ على عقله؛ فعمد إلى ماله ليبيعه ويلحق بابنه، وذهب بعض الناس فكلم عمر بن الخطاب في شأنه، وأنشده أبيات المخبل فَرَقَّ له عمر، وكتب إلى سعد يأمره أن يرد شيبان إلى أبيه فرده عليه، ولم يزل عنده حتى مات.

ومن شعر الحنين والشوق هذا أيضًا: ما قاله أمية بن الأسكر في التشوق إلى ابنه كلاب، وكان قد خرج للغزو في عهد عمر رضي الله  عنه   قال أمية:

لِمَنْ شَيْخَانِ قَدْ نَشَدا كِلابَا

*كتابَ الله إِنْ حَفِظَ الكتَابَا

إِذا هَتَفَتْ حَمَامَةُ بَطْنِ وَجٍّ

*عَلَى بَيْضَاتِها ذَكَرَا كِلابَا

يريد أباه وأمه.

وإنك والتماس الأجرِ بعدي

*كباغي الماء يَتِّبِعُ السَّرَابَا

تَرَكْتَ أباكَ مُرْعَشَةً يَدَاهُ

* وأمَّك مَا تُسِيغُ لَهَا شَرَابَا

وأكثر من هذا الشعر الباكي الذي يتشوق فيه إلى ابنه، وبلغ عمر بن الخطاب رضي الله  عنه   هذا الشعر؛ فكتب إلى سعد يأمره بإرجاع كلاب إلى والديه، فلما قدم أرسل عمر إلى أمية فقال له: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليكَ؟ قال: النظر إلى ابني كلاب، فدعاه له؛ فلما رآه اعتنقه، وبكى بكاء شديدًا، فبكى عمر، وقال: يا كلاب؛ الزم أباك وأمك ما بقيا.

رثاء الأبطال والشهداء: ومن الموضوعات التي نجدها كذلك في شعر الفتوح: رثاء الأبطال والشهداء: من ذلك: قصيدة كثير بن الغريزة التميمي التي يرثي بها من أصيبوا في معارك تسمى معارك “الطالقان وجوزجان” في عهد عمر بن الخطاب رضي الله  عنه   وفيها يقول:

سقى مزنُ السحابِ إذا استهلت

*مصارع فتية بالجوزجان

وما بي أن أكون جزعت

*إلا حنينَ القلبِ للبرقِ اليماني

ورب أخ أصاب الموت قبلي

*بكيت ولو نعيت له بكاني

ومن موضوعات شعر الفتوح كذلك  الشكوى: إذ نجد بعض الجنود يشكون الولاة والعمال الذين يخونون فيما ائتمنوا عليه؛ على نحو ما نجد عند يزيد بن الصعق. فقد أرسل بشكوى طويلة إلى عمر بن الخطاب من أصحاب الخراج يقص عليه كيف أثروا ثراء غير مشروع من أعمالهم التي يتولونها، ومما يأخذون لأنفسهم من المغازي؛ وفيها يقول:

نئوب إذا آبوا ونغزوا إذا غزوا

*فأنى لهم وفر وليس لنا وفر

ومن المشاهد الغريبة التي لفتت أنظار الشعراء أثناء الفتوح: مشهد الفيلة التي كان يحارب عليها الفرس، وسجل الشعر ذلك، كقول ربيعة بن مقروم:

ودخلت أبنية الملوك عليهم

*ولشر قول المرء ما لم يفعل

وشهدت معركة الفيول وحولها

*أبناء فارس بيضها كالأعبل

وكان القعقاع بن عمرو أول فارس يواجه الفيل الأعظم يوم القادسية، فيقطع مشفره ويفقأ عينه، وقال في ذلك -مشبهًا الفيلة ذوات الأجسام الضخمة بالبيوت:

فإن كنت قاتلت العدو فللته

*فإني لألقى في الحروب الدواهيا

فيولًا أراها كالبيوت مغيرة

*أُسَمِّلُ أعيانًا لهَا ومآقِيَا

كما وصف الشعراء الذين خرجوا في الفتوحات كنائس الروم، ووصفوا ما فيها من زخارف ونقوش؛ كما وصفوا القصور الشاهقة والقلاع الحصينة التي لم يسبق أن رأوا مثلها من قبل، وكان المجاهدون في غزوهم وجهادهم لا تنفك ألسنتهم ذاكرة لله عز وجل يسألونه النصر ويحمدونه على التوفيق:

من ذلك ما يروى من شعر لخالد بن الوليد رضي الله  عنه   إذ قال في فتح دمشق:

لك الحمد مولاي على كل نعمة

*وشكرًا لما أوليت من سابغ النعم

مننت علينا بعد كفر وظلمة

*وأنقذتنا من حِنْدِسِ الظُّلْمِ والظُّلَمِ

وأكرمتنا بالهاشمي محمدٍ

*وكشفت عنا ما نلاقي من الغُمَمِ

فتمم إله العرش ما قد نرومه

*وعجِّلْ لأهلِ الشرك بالبؤسِ والنِّقَمِ

وهذا ضرار بن الأزور يبتدر لحرب الروم في فتح دمشق وهو يقول:

عليك ربي في الأمور المتكل

*اغفر ذنوبي إن دنا مني الأجل

يا رب وفقني إلى خير العمل

*وعني امحُ سيدي كل الزلل

أنا ضرار الفارس القرم البطل

*باغٍ على الأعداء أضحى المتصل

وأضحى المتصل أي: ظاهر الانتساب:

أقمع بسيفي الرومَ حتى تضمحل

*ما لي سواك في الأمور من أمل

وعن السمات الفنية التي اتسم بها شعر الفتوحات يقول الدكتور شوقي ضيف:

“وهناك أشياء لا بد أن نلاحظها في هذه الأشعار الكثيرة التي رويت عنهم في مغازيهم وفتوحهم؛ لعل أهمها أنها طبعت بطابع الآداب الشعبية، سواء من حيث نسيجها العام أو من حيث قائلوها، ومن نسبت إليهم.

أما من حيث النسيج: فإنها لا تبلغ من المتانة مبلغ الأشعار التي نسبت في العصر نفسه إلى الشعراء المجودين.

وأما من حيث القائلون: فإن كثيرًا منهم يكاد يكون مجهولًا؛ لسبب بسيط، وهو أنه من عامة الجند، ومن ثم اختلف الرواة في نسبةِ كثيرٍ من الأشعار إلى أصحابها، ويكثر أن يرسل الراوي الشعر إرسالًا بدون نسبته إلى شاعر بعينه، وينص الطبري على قطعتين كانت تتجاوب بهما الآفاق في الجزيرة العربية، ولا يعرف مَن نَظَمَهُمَا، ويعقب عليهما بقوله: “وسمع بنحو ذلك في عامةِ بلاد العرب. وكأن طائفة من شعر الفتوح تحوَّلَت إلى ما يشبه الأمثال التي يبدعها الشعب؛ فناظمها لا يُعْرف كما لا يعرف مرسل المثل؛ لأنه من أبناء الشعب، وأبناء الشعب قلما ذكروا أو مجدوا؛ بل إنه لا يعنيهم أن يذكروا أو يمجدوا؛ إذ هم آخر من يهتم بهذا الفضل”.

ويضيف الدكتور شوقي ضيف قائلًا:

“ويسود في هذا الشعر الإيجاز؛ فهو شعر اللمحات السريعة والمواقف الخاطفة، وجمهوره -أي: أكثره- لذلك مقطوعات قصيرة، يجري فيها الشاعر على سجيته دون تدقيقٍ في معنى، أو تنقيح للفظ، أو التماس وزن أو قافية؛ إنه يعبر عن خاطرٍ التحمَ بصدرِهِ دون معاناةٍ أو مكابدةٍ ويرمي به في سرعة كما يرمي بسهمه أو يضرب بسيفه؛ غير مفكرٍ في تنقيحٍ ولا في تصفيةٍ أو تهذيب؛ ولذلك كانت تشيع فيه البساطة، وعدم التكلف لما يعترض صاحبه من شواغل الجهاد التي تَحُولُ بينه وبين إطالة الفكرة، كما تحول بينه وبين المعاودة للفظ وتجويده وتحبيره”.

ويمكن أن نضيف إلى هذه الملاحظاتِ ملاحظاتٍ أخرى تتصل بتأثر هذا الشعر بالإسلام؛ فمما يلاحظ على هذا الشعر من الناحية الفنية: إفادته من معاني القرآن الكريم، وتصويره لحقَائِقِ الإسلام في الدعوة والجهاد، والرغبة في الاستشهاد، واستفادته من أساليب القرآن؛ كالقسم، والدعاء، وتضمنه لكثير من المعاني الدينية والألفاظ القرآنية؛ كالجنة والإيمان، والحق، والنور، والخير، والجهاد، والشهادة، والنار، والكفر… وغير ذلك من هذا المعجم الذي أضافه الإسلام إلى لغة العرب.

كما نلاحظ في هذا الشعر اقتباسًا كثيرًا من القرآن الكريم، ومن الحديث النبوي. وهذه سمات ليست مقصورةً على شعر الفتوحات؛ وإنما هي سمات موجودة في الشعر الذي أبدعه الشعراء المسلمون في عصر النبوة، وعصر الخلفاء الراشدين من بعدهم.

ولعل هذه السمات بقيت كذلك في الشعر الأموي فيما بعد ذلك؛ بل أقول: إن هذه الآثار التي ترجع إلى أسلوب القرآن الكريم وإلى الحديث النبوي الشريف ظَلَّتْ ماثلةً في الشعر العربي، بل في الأدب العربي شعرِهِ ونثرِهِ عبر العصور إلى يومنا هذا.

error: النص محمي !!