Top
Image Alt

شعر المخضرمين، وأثر الإسلام فيه

  /  شعر المخضرمين، وأثر الإسلام فيه

شعر المخضرمين، وأثر الإسلام فيه

والشعراء المخضرمون هم الشعراء الذين عاشوا فترة، أو عاشوا شطرًا من أعمارهم في الجاهلية وأدركهم الإسلام؛ فأسلموا ودافعوا عن الرسول صلى الله عليه  وسلم وعن الإسلام في شعرهم، وكان من أشهرهم: حسان بن ثابت رضي الله  عنه  .

وترجع أهمية حسان إلى أنه كان أبرز الشعراء الذين رفعوا راية النضال والجهاد ضد المشركين، وأنه أقوى شاعر اعتمد عليه الرسول صلى الله عليه  وسلم في الدفاع عنه وعن الدين؛ كان حسان في الجاهلية شاعرًا ذائع الصيت له قصائده الطويلة الجيدة، وله في الإسلام أشعار كثيرة وقصائد جيدة كذلك، وهو في شعره يساير الدعوة الإسلامية؛ فله في كل مناسبة إسلامية قصيدة أو قصائد، ومن جيد قصائده التي كان لها أثر طيب في نفس الرسول صلى الله عليه  وسلم والمسلمين معه: قصيدته في فتح مكة، ومنها قوله:

عدمنا خيلنا إن لم تروها

*تثير النقع موعدها كُداء

ينازعن الأعنة مصغيات

*على أكتافها الأسل الظماء

تظل جيادنا متمطرات

*يلطمهن بالخمر النساء

وفيها يقول:

وجبريل رسول الله فينا

*وروح القدس ليس له كفاء

وقال الله قد أرسلت عبدًا

*يقول الحق إن نفع البلاء

ولما مات الرسول صلى الله عليه  وسلم بكاه حسان بشعر صادق مؤثر، ومن هذا الشعر قوله:

تالله ما حملت أنثى ولا وضعت

*مثل الرسول نبي الأمة الهادي

ولا برأ الله خلقًا من بريته

*أوفى بذمة جار أو بميعاد

من الذي كان فينا يستضاء به

*مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد

إلى أن يقول:

يا أفضل الناس إني كنت في نهر

*أصبحت منه كمثل المفرد الصادي

ومن الشعراء المخضرمين الذين سخروا فنَّهم الشعري لخدمة الإسلام والدفاع عنه أيضًا: كعب بن مالك رضي الله  عنه  :

كان كعب مؤمنًا قوي الإيمان، تقيًّا شديد التقى، وكان رسول الله صلى الله عليه  وسلم يحبه ويدعو له بالخير، ويشجعه على شعره الجيد في الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه.

ومن شعره في غزوة بدر رادًّا على أحد الشعراء المشركين يقول:

عجبت لأمر الله والله قادر

*على ما أراد ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقي معشرًا

*بغوا وسبيل البغي بالناس جائر

إلى أن يقول:

وفينا رسول الله والأوس حوله

*له معقل منهم عزيز وناصر

وجمع بني النجار تحت لوائه

*يمشون في الماذي والنقع ثائر

فلما لقيناهم وكل مجاهد

*بأصحابه مستبسل النفس صابر

شهدنا بأن الله لا رب غيره

*وأن رسول الله بالحق ظاهر

إلى أن يقول:

وكان رسول الله قد قال أقبلوا

*فولوا وقالوا إنما أنت ساحر

لأمر أراد الله أن يهلكوا به

*وليس لأمر حمَّه الله زاجر

ومنهم أيضًا: عبد الله بن رواحة رضي الله  عنه  :

قال عنه ابن سلام: عظيم القدر في قومه، سيد في الجاهلية، ليس في طبقته أسود منه -يعني: أعلى منه- كان رضي الله  عنه   من السابقين إلى الإسلام؛ فقد شهد العقبة مع السبعين الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه  وسلم وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين أخذوا البيعة، فلما كانت الغزوات والحرب  أبلى بلاء حسنًا؛ فشهد بدرًا، وأُحُدًا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وعمرة القضاء، وكان عبد الله بن رواحة رضي الله  عنه   من أمراء المسلمين وقادة جيشهم في غزوة مؤتة. ومن شعره في هذه الغزوة أبيات يعبر فيها عن تمنيه الشهادة في سبيل الله، يقول فيها:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة

*وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حران مجهزة

*بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدث

*أرشده الله من غازٍ وقد رشدا

ومن شعره أيضًا في هذه الغزوة يقول مخاطبًا ناقته:

إذا أديتني وحملت رحلي

*مسيرة أربع بعد الحساء

فشأنك أنعُمٌ وخلاك ذم

*ولا أرجع إلى أهلي ورائي

وجاء المسلمون وغادروني

*بأرض الشام مشتهي الثواء

وردك كل ذي نسب قريب

*إلى الرحمن منقطع الإخاء

هنالك لا أبالي طلع بعل

*ولا نخل أسافلها رواء

وقال يحمس نفسه ويدعوها إلى الثبات في الحرب عندما اشتدَّ الخطر:

أقسمت يا نفس لتنزلنه

*لتنزلن أو لتكرهنه

إذا أجلب الناس وشدوا الرنة

*ما لي أراك تكرهين الجنة

قد طال ما قد كنت مطمئنة

*هل أنت إلا نطفة في شنة

ثم قال:

يا نفس إلا تقتلي تموتي

*هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقد أعطيت

*إن تفعلي فعلهما هديت

ويريد بالإشارة إلى الضمير في قوله: “إن تفعلي فعلَهما هديت” يريد: صاحبيه: زيدًا بن حارثة رضي الله  عنه   وجعفر بن أبي طالب رضي الله  عنه   وقد قاتل رضي الله  عنه   أشد القتال حتى لقي ربه شهيدًا فيها.

ومن الشعراء المخضرمين الذين دافعوا بشعرهم عن الإسلام ورسوله صلى الله عليه  وسلم: النابغة الجعدي:

وهو عبد الله بن قيس من بني جعدة العامريين، ولد بالفلج جنوبي نجد، ووفد مع قومه على رسول الله صلى الله عليه  وسلم سنة تسع للهجرة، ويبدو أنه أقام في المدينة ولم يرجع مع قومه، وله في الإسلام شعر جيد، منه قوله:

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى

*ويتلو كتابًا كالمجرة نيرا

وجاهدت حتى ما أحس ومن معي

*سهيلًا إذا ما لاح ثم تغورا

أقيم على التقوى وأرضى بفعلها

*وكنت من النار المخوفة أوجرا

ومن شعره أيضًا قوله:

عمرت حتى جاء أحمد بالهدى

*وقوارع تتلى من القرآن

ولبست بالإسلام ثوبًا واسعا

*من ثيبِ لا حَرِمٍ ولا منان

وله قصيدة يبدو فيها أثر القرآن واضحًا، وفيها ينحو منحى الوعظ، يقول فيها:

الحمد لله لا شريك له

*من لم يقلها فنفسَه ظلما

المولج الليل في النهار وفي الـ

* ليل نهارًا يفرج الظلما

الخافض الرافع السماء على الـ

*أرض ولم يبن تحتها دعما

الخالق البارئ المصور في الـ

*أرحام ماء حتى يصير دما

… إلى آخر القصيدة. وكما قلت يبدو أثر القرآن الكريم واضحًا جليًّا فيها.

ومن الشعراء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام: الحطيئة:

وكان الحطيئة معروفًا بهجائه الشديد، وليس له في تاريخ الإسلام شيء يُعد له، وورود بعض المعاني الإسلامية في شعره لا يدل على أنه كان ذا حظ من الدين والورع، وأول ذكر للحطيئة مرتبط بالإسلام، أو أول ظهور له في تاريخ الإسلام والمسلمين: ظهوره مع المرتدين في عهد أبي بكر رضي الله  عنه   فلم يكن الحطيئة في الوفود التي أسلمت في حياة رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ويقال: إنه أسلم بعد وفاته صلى الله عليه  وسلم والرواة يقولون: إنه كان رقيق الإسلام فاسد الدين، وقد قال شعرًا مشهورًا ذائعًا في الردة يحرض فيه على قتال المسلمين، ومن هذا قوله:

أطعنا رسول الله إذ كان صادقًا

*فيا عجبًا ما بال دين أبي بكر

أيورثنا بكرًا إذا مات بعده

*فتلك وبيت الله قاصمة الظهر

ولما هزم المرتدون؛ وقع الحطيئة أسيرًا سنة إحدى عشرة من الهجرة الشريفة، ويقال: إنه أقلع عن الكفر وحسن إسلامه فيما بعد، واشترك في معركة القادسية، وأخذ يحرض المسلمين على الاستبسال ضد الفرس.

ويقال: إنه هجا الزبرقان بن بدر هجاء مقذعًا فشكاه إلى عمر بن الخطاب رضي الله  عنه   فحبسه، فقال أبياتًا يستعطف فيها عمر، قال فيها:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ

*حمر الحواصل لا ماء ولا شجر

غيبت كاسبهم في قعر مظلمة

*فاغفر عليك سلام الله يا عمر

أنت الأمين الذي من بعد صاحبه

*ألقت إليك مقاليد النُّهى البشر

لم يؤثروك بها إذ قدموك لها

*لكن لأنفسهم كانت بها الأثر

ومن المعاني الإسلامية الجليلة التي وردت في شعره قوله:

ولست أرى السعادة جمع مال

*ولكن التقي هو السعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخرًا

*وعند الله للأتقى مزيد

وما لابد أن يأتي قريب

*ولكن الذي يمضي بعيد

والتأثر بأسلوب القرآن الكريم واضح في هذه الأبيات؛ فنحن عندما نسمعها نتذكر قول الله عز وجل: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، وفي الأبيات السابقة عليها يتأثر بقول الله عز وجل: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

ومن تأثره بالإسلام أيضًا: أننا نجده يكثر من جزاء الله لممدوحه على ما يقدم له من البر، على شاكلة قوله في بعض ممدوحيه:

فليجزه الله خيرًا من أخي ثقة

*وليهده بهدى الخيرات هاديها

وقد يستهل المدح بالثناء على الله في مثل قوله:

الحمد لله إني في جوار فتًى

*حامي الحقيقة نفَّاع وضرَّار

وأثنى أبو عمرو بن العلاء على الحطيئة قائلًا: لم تقل العرب بيتًا قط أصدق من بيت الحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

*لا يذهب العرف بين الله والناس

وفي هذا كله ما يدل على أنه حسن إسلامه، وتأثر بالإسلام وبالقرآن وبما ورد فيهما من المعاني النبيلة والعظات الشريفة.

ويبدو أن الأصمعي بالغ في ذمه؛ حيث قال: “كان الحطيئة جشعًا، سئولًا، ملحفًا، دنيء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلًا، قبيح المنظر، رث الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدين. وما تشاء أن تقول في شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما تجد ذلك في شعره”.

وقد يكون الحطيئة رقيق الدين؛ ولكنه ليس فاسده؛ فقد كان في شعره يستشعر عظمة الله عز وجل ويذكر جزاءه لأهل الخير؛ وفي هذا ما يدل على تأثره الواضح بالإسلام.

ويبدو في شعر المخضرمين آثار من الجاهلية القديمة التي عاشوا فيها؛ كما يبدو تأثرهم الواضح بالإسلام وبالقرآن الكريم على تفاوت فيما بينهم.

error: النص محمي !!