Top
Image Alt

شهداء أحد؛ دفنهم، والثناء عليهم، عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

  /  شهداء أحد؛ دفنهم، والثناء عليهم، عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

شهداء أحد؛ دفنهم، والثناء عليهم، عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

أ. حمد الله عز وجل على ما كان، ودفن شهداء المسلمين:

بعد هذا المصاب الذي أَلَمَّ بالمسلمين، ما كان للنبي صلى الله عليه  وسلم إلا أن يتوجه شاكرًا لله عز وجل مثنيًا عليه بما هو أهله فقال لأصحابه: ((اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ، وَلَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ، اللَّهُمَّ إِنِّي عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ قَاتِلْ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللَّهُمَّ قَاتِلْ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَهَ الْحَقِّ)). رواه الإمام أحمد.

ثم صلى النبي صلى الله عليه  وسلم الظهر قاعدًا لكثرة ما نزف من دمه، وكان من نتيجة هذه المعركة بعد أن تحولت الحال: استشهاد سبعين من خيار المسلمين كان منهم: حمزة  والمصعب بن عمير وغيرهم ممن كان لهم دور عظيم في نشر الإسلام في المدينة.

وقد قام النبي صلى الله عليه  وسلم بعد هذا بدفن الشهداء، ووقف مشرفًا عليهم يوم أحد، وقال: ((أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله إلا ويبعثه يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح مسك، وانظروا أكثر هؤلاء جمعًا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر، فكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد)) هنا موقفٌ يدل على ثبات الإيمان عند عمةِ النبي صلى الله عليه  وسلم صفية بنت عبد المطلب التي أقبلت لتعرف أمر أخيها حمزة  رضي الله  عنه وهنا أمر النبي صلى الله عليه  وسلم ابنها الزبير بن العوام أن يردها، ولكنها أصرت أن ترى أخاها، وكان أمر النبي صلى الله عليه  وسلم رفقًا بها حتى لا ترى ما صنع بأخيها، ولكنها وقفت على أخيها مظهرة الثبات والرضا بأمر الله، فاسترجعت، وحمدت الله عز وجل على هذا المصاب.

أمر النبي صلى الله عليه  وسلم أن يدفن القتلى في مكان المعركة حتى لا يغادروها، فقد جاءوا إلى هذا المكان استجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه  وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه  وسلم أن يبقوا في هذا المكان، بل إنه أمر من ذهب إلى المدينة بمن قتل من ذويهم أن يرجع بهم حتى يدفنوا في مكان الشرف الذي جعله الله لهم في صعيد أحد.

ب. عودة النبي صلى الله عليه  وسلم إلى المدينة، والسؤال عن سلامته:

بعد هذا كله توجه النبي صلى الله عليه  وسلم عائدًا إلى المدينة،  وقد رضي بقضاء الله عز وجل، وهنا نجد أن أهل المدينة لما سمعوا بهذا الأمر نالهم الأسى والحزن على من فقدوا من أحبائهم وبكوا بكاءً مباحًا عليهم لا نواح فيه، ونرى حمنة بنت جحش التي قتل أبوها عبد الله، وخالها حمزة بن عبد المطلب، وزوجها المصعب بن عمير، فلما نعي لها أخوها استرجعت واستغفرت له، ثم لما نعي لها خالها حمزة كذلك استرجعت واستغفرت له، ثم لما نعي لها زوجها المصعب بن عمير  رضي الله  عنه صاحت وولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((إن زوج المرأة منها لبمكان)) لما رأى من تثبتها عند سماعها بنبأ مقتل أخيها وخالها وصياحها على زوجها.

هنا نرى بأن البكاء كان شائعًا في بيوت الأنصار على قتلاهم، ولكن النبي صلى الله عليه  وسلم قال لما سمع بكاء الأنصار على ذويهم: ((ولكن حمزة لا بواكي له(( فلما رجع سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير إلى دار بني الأشهل أمر نساءهم أن يبكين على عم النبي صلى الله عليه  وسلم وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه  وسلم بهذه المواساة الرقيقة، فخرج وهو على باب المسجد وقد رآهن يبكين على حمزة قال لهن: ((ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن)) ونهى يومئذ صلى الله عليه  وسلم عن النواح، أمرٌ من الثبات والرضا بأمر الله وقدره حتى وإن أصاب الإنسان ومسه في ذويه من القتل.

ونجد مثلًا آخر عظيمًا وهو: المرأة الدينارية التي مر بها المسلمون عائدين، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم في هذه الموقعة فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه  وسلم؟ تسأل عن رسول الله أولًا سؤالًا يدل على مدى الحب في قلوب المسلمين لرسول الله صلى الله عليه  وسلم فقال المسلمون لها: خيرًا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأت، قالت: كل مصيبة بعدك جللٌ يا رسول الله. 

أصبح المسلمون في بيوتهم عائدين إليها، فلما انتهى النبي صلى الله عليه  وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: ((اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني اليوم(( وكذلك ناولها علي سيفه قائلًا: ((وهذا أيضًا اغسلي عنه فوالله لقد صدقني اليوم)) فقال صلى الله عليه  وسلم: ))لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيث، وأبو دجانة)) هنا رضًا بقضاء الله عز وجل كان هذا العود الحميد للنبي صلى الله عليه  وسلم والمسلمين -والله أعلم.

إن الإنسان ليعجب مما قام به النبي صلى الله عليه  وسلم في أول المعركة حينما خطط لها التخطيط السليم، وحينما رضي بقضاء الله فلم يُعنِّف أحدًا، ورضي بما نزل بالمسلمين، وها نحن قد رأينا ثناءه على الله، وكأنه ثناء على كسب، وعلى نصر -وهو نصر والحمد لله- نصرٌ للمسلمين على أنفسهم، هذا اليوم العظيم يوم أحد كانت هذه المشاهد العظيمة النادرة، قد عمت في هذا اليوم المبارك.

error: النص محمي !!