Top
Image Alt

شُروط الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر

  /  شُروط الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر

شُروط الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر

لقد وضع الإسلام صِفات ومعالِم الشخص الذي يُناط به القِيام بواجِب الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر، ويَجب أن تَتوافر فيه الشُّروط التالية:

أولًا: التكليف:

أن يَكون القائِمُ بهذا الأمْر مُكلّفًا شَرعًا والتَّكليف يَتحقق بالبُلوغ والعَقل؛ فغَير البالِغ لا يُسند إليه ولا يُطْلب منه؛ لأنه لم تَتوفّر فيه الأهلية الشرعية التي من خِلالها يكون مسئولا وواعِيًا لِما يأمر به أو يَنهى عنه. أما إذا قام المُميّز بهذا الأمر تَطوعًا، كبعض الحَفظة للقرآن الكريم، أو مِن طُلاّب العِلم الشرعي، فيُقبل منهم تَشجيعًا لهم وتَدريبًا على ممارسته، على أن يتمّ ذلك تَحت المُراقبة والمُتابعة، وفي حُدود الوَعظ والإرشاد بالقول، دون مراتب التغيير الأخرى؛ لأنَّ المُميز ليس أهلًا لها ولا مُكلّفًا بها.

وكذلك العقْل، فالمَجنون والمَعتوه والأبله لا يُكلّفون بالأمر والنّهي، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((رُفِع القَلمُ عن ثلاثة: عن المَجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يَستيقظ، وعن الصَّبيِّ حتى يَحتلم)) رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي.

ثانيًا: الإسلام:

لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

ولأن الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر نُصرةٌ للدِّين وإقامَة لحُدوده، فكيف يقوم به ويَنصُره الكافر به والجاحد له؟!

ولذلك فإنّ ما دَرجت عليه بعضُ الدول الإسلامية من الاستعانة بغير المُسلمين في وضْع المناهج التَّعليمية والتَّربوية لأبنائها، حيث يعْمَدون فيها إلى تَهميش الدِّين وإضعافه في النفوس. وأوضح مثالٍ سيِّئ على ذلك: ما فَعله المِستر “دنلوب” القِسيس الإنجليزي الذي عيَّنه “كرومر” المندوب السامي لإنجلترا في مصر في مطلع القرن العشرين مستشارًا لوزارة المعارف المصرية، فعمل على تخريب التعليم الدِّينيّ وإضعاف اللغة العربية، وما زالت بصماتُه الخبيثة على التعليم باقية حتى الآن.

فمن غير المنطق والمعقول: أن يكون غير المسلم أمينًا على دِين الأمّة المسلمة وثقافتها. وهل يُعقل أن يُؤتى بالذئب حارسًا؟ أو أن يكون اللص أمينًا؟

ثالثًا: العدالة:

وهي: التوافق والتوازن بين القول والعمل؛ فليس لِفاقد العدالة أو ناقص المروءة أن يقوم بواجب الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، ففاقد الشيء لا يُعطيه.

قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].

وقال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3].

فمَن ليس بصالح في نفسه، فكيف يُصلِح غيره؟!

ومتى يستقيمُ الظلُّ والعودُ أعْوج؟!

ولكون الإنسان غير معصوم، ولكي لا تضيق دائرة الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر، فقد يُقبل من الإنسان الذي قد يقترف بعضَ الصغائر والتي أطلق عليها القرآن الكريم لفظ: {اللّمَمَ} [النجم: 32] في قوله تعالى: {الّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللّمَمَ إِنّ رَبّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32]، فأمثال هؤلاء يُقبل منهم القيام بالأمر بالمَعْروف، لا سيما في الأشياء التي لا يرتكبونها.

قال سعيد بن جبير: “إنْ لم يأمُر بالمَعْروف ولم يَنْهَ عن المُنْكر إلاّ مَن لا يكون فيه شيء، لم يَأْمُرْ أحدٌ بشيء”.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي: “إنّ الحسبة تارة تكون بالنّهي بالوعظ، وتارة بالقهْر، ولا ينجع وعظُ من لا يتّعظ أولًا.

ونحن نقول: مَن عَلِم أنّ قولَه لا يُقبل في الحسبة لِعلْم الناس بفِسْقه، فليس عليه الحسبة بالوعظ، إذ لا فائدة في وعْظه؛ فالفسْق يؤثِّر في إسقاط فائدة كلامه، ثم إذا سقطت فائدة كلامه سقط وجوب الكلام. أمّا إذا كان الحسبة بالمنع، فالمراد منه القهر، فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمور وكسْر الملاهي وغيرها، إذا قدر على ذلك”.

وما ذكَره الغزالي ينطبق على مَن كُلِّفوا من قِبل وليِّ الأمر بإزالة المُنْكرات الشرعية والمخالفات القانونية، بحكم وظائفهم فقط؛ فهم يقومون بالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر كعمل وظيفيّ، لا كرسالة تعبّديّة، ويأخذون لها راتبًا ماليًّا نظير قيامهم بما كُلِّفوا به من الدولة، غير أنهم سيُحاسَبون أمام الله على تقصيرهم في عدم الالتزام السلوكي، كمن يحث الناس ويأمُرهم بالصلاة وقد يتكاسل عنها، أو كمن كُلِّف بجمع الزكاة وهو لا يدفع زكاة مالِه.

فهؤلاء وأمثالهم يُقبل منهم ما يقومون به من أعمال، بحسب الوظيفة لا بحسب رسالة الدّعوة إلى الإسلام، وطلب الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى.

رابعًا: العلْم والبصيرة:

فلابد من أن يكون القائم عالمًا بحقيقة الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، فإنّ من القواعد والأركان التي يقوم عليها الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، عالِمًا بالحُكم الشّرعي للمأمور به أو المنهيّ عنه، وهل هو للوجوب، أم للنّدب، أم للتحريم، أو للكراهة، أو التخيير؟

هذا بجانب الوقوف على الأدلة الشرعية من الكتاب والسُّنة التي تعضد الحُكم وتوضِّحه.

فإنّ مَن يأمر وينهى من غير علمٍ يكون ضررُه أكبر من نفعه، لأنه قد يأمر بما ليس مشروعًا، وينهى عمّا كان مشروعًا. فقد يُحِلُّ حرامًا أو يحرّم حلالًا وهو لا يدري؛ ولذلك كان تأكيد الإسلام على طلب العلْم والتّفقّه في الدِّين أمرًا معلومًا من الدِّين بالضرورة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن يُردِ اللهُ به خيْرًا يُفقِّهْهُ في الدِّين)).

وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وأمَره أن يُخبر الأمّة بذلك، وأن تلتزم بها: {قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

فالبصيرة تقوم على اليقين والبرهان العقليّ والشرعيّ.

وإن نزل بعض الدعاة ميدان الأمْر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر دون علْم يتحصّنون به وفِقْه بأوامر الشرع ونواهيه، قد يوقعهم في الضلال وينتج عن ذلك ظهور الفتن بين المسلمين، حيث تتضارب الفتوى، وتتنازع الآراء، وتتباين الأفعال، قال تعالى: {وَإِنّ كَثِيراً لّيُضِلّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلّ مِمّنْ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللّهِ} [القصص: 50].

قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: “من عمِلَ في غير علمٍ، كان ما يُفسده أكثر ممّا يُصلحه”.

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: “ولا يكون العمل صالحًا إن لم يكن بعلْمٍ وفقه”.

خامسًا: الرفق والحلم:

فإن اللّوم والتعنيف والتقريع يُخيف الناس منه ويَصرفهم عنه، قال تعالى مادحًا رسوله صلى الله عليه وسلم لِاتّصافه بالسماحة ولين الجانب: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} [آل عمران: 159].

وقد أمَر الرسول صلى الله عليه وسلم بالرّفق في كلّ الأمور، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الرِّفقَ لا يكون في شيء إلاّ زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانَه)) أخرجه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الله رفيقٌ يُحبّ الرِّفقَ في الأمْر كلِّه، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العنف)) رواه البخاري.

سادسًا: سعة الصدر:

يعِظ في لطف، ويناقش في هدوء، ويتجادل بأدب، وفْق ما أمَر الله به في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

ومع الرِّفق والحِلم، فإنه ينبغي لِمن يأمر بالمَعْروف ويَنهى عن المُنْكر أن يتحلّى بالصبر، لأن النفوس المريضة تضيق بالموعظة، وتنفر من الانصياع للأمر والنّهي. وقد ينزل الأذى بالداعي ويلحق به الضرر، ولا سيما حينما يواجِه الجبابرة من العصاة والطغاة؛ ولهذا أمر الله الرسُل -وهم أئمةُ الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر- بالصبر، فقال تعالى على لسان لقمان لابنه: {يَبُنَيّ أَقِمِ الصّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىَ مَآ أَصَابَكَ إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ} [لقمان: 17]، وخاطب الحق -تبارك وتعالى- الرسول صلى الله عليه وسلم وأمَره بالصبر، كشأن أولي العزم من الرّسُل، فقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ} [الأحقاف: 35].

وقال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمّا يَمْكُرُونَ (127) إِنّ اللّهَ مَعَ الّذِينَ اتّقَواْ وّالّذِينَ هُم مّحْسِنُونَ}
[النحل: 127، 128].

قال بعض أئمة السلف: “لا يأمر بالمَعْروف وينهى عن المُنْكر إلاّ من كان فقيهًا فيما يأمُر به، فقيهًا فيما يَنهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه”.

وقال سفيان الثوري: “لا يأمر بالمَعْروف ولا ينهى عن المُنْكر إلاّ مَن كان فيه خصال ثلاث: رفيقٌ بما يأمر رفيقٌ بما يَنهَى، عدلٌ بما يأمر عدلٌ بما ينهى، عالِمٌ بما يأمر عالِم بما ينهى”.

سابعًًا: إذن ولي الأمر:

بأن يكون القائم مأذونًا له من جهة وليّ الأمْر أو مِن قِبَلِ مَن يقوم على أمْر الدّعوة وتنظيمها؛ إذ إنَّ أساليب الدعوة إلى الله تنقسم إلى قسميْن:

القسم الأول: يطالَب به المسلمون جميعًا، ويُؤجَرون على فعْله ويأثمون على ترْكه، وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الجميع. وهو أحد المهام الرئيسة لضبط سلوك المسلم، ولبقاء الإسلام حيًّا في الضمائر، يقظًا في الأفئدة.

هذا القسم يشمل: التناصح بين المسلمين، والتّواصي فيما بينهم؛ قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ (2) إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ} [العصر: 1 – 3]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الدِّينُ النّصيحة)) قلنا: لِمَن؟ قال: ((لله، ولِكتابه، ولِرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم)‏) رواه المسلم.

فالنصيحة أمر يشترك فيه المسلمون جميعًا، يتنافسون عليه ويتسابقون إليه، ولا سيما فيما عُلِم من الدِّين بالضرورة ولا يحتاج النصح فيه إلى بذل جُهد أو إعمال فكْر وقدْح ذهن.

وهذا هو المراد من قول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110]. فالتعبير بلفظ المضارع: {تَأْمُرُونَ}، {وَتَنْهَوْنَ}، و{ وَتُؤْمِنُونَ} الذي يفيد الحال والاستقبال، هذا دليل على استمرارية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى يوم القيامة.

وهذا الأمر المشترك هو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].

هذه التذكرة بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر تتمّ حينما يجِد المذكِّر آذانًا صاغية، وقبولًا للموعظة، واستحسانًا للتوجيه، قال تعالى: {فَذَكّرْ إِن نّفَعَتِ الذّكْرَىَ (9) سَيَذّكّرُ مَن يَخْشَىَ (10) وَيَتَجَنّبُهَا الأشْقَى (11) الّذِى يَصْلَى النّارَ الْكُبْرَىَ} [الأعلى: 9 – 12].

أما إذا وجد المذكِّر تبرّمًا وضيقًا، وصدودًا وإعراضًا، وقد يلحق به أذىً من جراء موعظته، فلْيمنعْ عن إبداء النصح، ولينسحب في هدوء؛ فكثيرٌ من الناس يتأفّفون من النصيحة ويضيقون ذرعًا بالتذكرة. وقد اشتكى نوح عليه السلام من ذلك الصنف من الناس، قال تعالى: {قَالَ رَبّ إِنّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيَ إِلاّ فِرَاراً (6) وَإِنّي كُلّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوَاْ أَصَابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً (7) ثُمّ إِنّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمّ إِنّيَ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} [نوح: 5 – 9].

هذا النوع من الدعوة إلى الله، الذي يشمل الأمّة كلها، والأمّة مطالَبة به، لا يحتاج لإذنٍ من أحد، ولا يتوقّف على تصريح من هيئة أو جهة طالما وجَد الشخصُ في نفسه الكفاءة العلْمية، والقدرة على الإقناع، والشجاعة في إبداء الرأي، وتيقّن أنّ توجيهه وإرشاده لن يجرَّ عليه من العواقب السّيِّئة ما يفوق ما ترتّب على نصيحته من مصلحة. وعلى من يقوم بهذا الأمر: أن لا يتعاطى في مقابل دعْوته أجرًا ماديًّا أو يطلب مكانة أدبية، فهو متطوِّع لوجْه الله تعالى، انطلاقًا من أمْر الله لعباده جميعًا: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

فعن أبي مسعود عُقْبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((مَن دلّ على خيرٍ، فَلَه مثلُ أجْر فاعِله)).

وقال صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: ((لأنْ يهدي الله بك رجُلًا أحبُّ إليك من حُمْر النّعَم)).

هذا الصنف من الدّعاة لا يجب عليهم تتبّع عورات الآخَرين لزجْرهم، ولا التفتيش ولا التنقيب ولا التّحرِّي عمّن تستّر بالمعصية لنهيهم. وليس لهم حقّ المنْع باليد إلاّ لِمَن تحت إمْرتهم، كالزوجة والأبناء والخدم. أمّا غير ذلك فليس عليهم إلاّ إبداءُ النصح، والتّذكرة بعظم الذنب، وبيان مآثر الطاعة وعواقب المعصية. قال تعالى: {فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ (21) لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 21، 22].

وسورة (الغاشية) التي جاءت فيها هذه الآية، مِن السوَر المكية التي أمرت الرسول صلى الله عليه وسلم بالتّذكرة فحسب، إذ إنه صلى الله عليه وسلم خلال دعوته بمكة لم يكن يَملك سوى سلاح الكلمة فقط. أمّا حينما انتقلت الدعوة إلى المدينة، وتأسّست الدولة الإسلامية، وبرزت عوامل التمكين والقوّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اتجهت الدعوة إلى وسائل التغيير باليد.

القسم الثاني: أن يكون الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر من مهامّ الدولة في الإسلام، تُكلَّف به وجوبًا شرعيًّا، وتعمل على وضْع القوانين واللوائح التي تُنظِّم القيام به، وتُعيِّن الدعاة الأكْفَاء من العلماء والفقهاء، لأداء هذا الواجب الدِّيني، وتمنحهم من الصلاحيات والإمكانات ما يُعينهم على إزالة المُنْكرات، وهو ما يُعرف في الإسلام باسم: “الحِسبة”.

فـ”المُحتسِب” هو: الشخص المعيَّن من قِبل وليّ الأمر، للأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر. ويُعْطى من القوّة والتّمكين ما يساعده على ردْع العصاة وزجْرهم. قال تعالى: {الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} [الحج: 41].

والحِسبة كما عرّفها الإمام الماوردي: “أمْر بالمَعْروف إذا ظهَر ترْكُه، ونهْي عن المُنْكر إذا ظهر فعْله”.

وعرّفها الإمام الغزالي: “كلّ مُنكرٍ موجود في الحال، ظاهر للمُحتسِب بغير تجسّس، معلوم كونُه منكرًا بغير اجتهاد”.

ولقد ذكر صاحب “الإحياء” مهامّ عمَل المُحتسِب، وهو المُعيّن من قِبَل الدولة، قال: “للوعظ والنّصح، ثم بالتعنيف، ثم التغيير باليد، ثم التهديد بالضرب، وتحقيقه، ثم الاستظهار بالأعوان والجُند”.

ولقد جاء في كتاب “الحسبة في الإسلام” للدكتور إسحاق الحسيني ما يُحدِّد ميادين عمَل المُحتسِب فيقول: “فعلى المُحتسِب أن يأمُر العامّة بالصلوات الخمْس في مواعيدها، ويعاقب من لم يُصلِّ بالضرب أو الحبس. أما القتل إلى غيره -أي: لا يُخوَّل للمحتسب إقامة الحدود-. ويتعاهد المُحتسب الأئمة والمؤذِّنين؛ فمَن فرّط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة، أو خرج عن الأذان المشروع، ألزمه بذلك. ويستعين فيما يعجز عنه بوالي الحرب -أي: بالشرطة- وبكلِّ مطاع يُعين على ذلك. والمُحتسِب يُفرض له أجرٌ لنظير عملِه من بيت المال”.

ولقد توسّعت دائرة الحسبة في الإسلام، فلم تقتصر على العبادات فقط، بل اشتملت كلّ أوجه النشاط الاجتماعي. وقام المحتسِب بإذنٍ وتكليف من وليّ الأمر بمراقبة الأسواق، ومنْع الغشّ في المعاملات، والتلاعب في الموازين والأسعار، ومنع الاحتكار. ولقد كان نظام المُحتسِب وجهًا حضاريًّا عبر تاريخ الإسلام، وقد شرُف بمباشرة الرسول صلى الله عليه وسلم له.

فقد مرّ صلى الله عليه وسلم بالسوق على صُبرة طعام، فوضع صلى الله عليه وسلم يده في الإناء، فأصابت يدُه بلَلًا، فقال: ((ما هذا، يا صاحب الطعام؟)) فقال الرجل: لقد أصابته السماء -أي: نزل عليه المطر-. فقال صلى الله عليه وسلم: ((هلاّ وضَعْتَه في أعلى؛ كي يراه الناس؟! مَن غشّنا فليس منا)).

الفرْق بين المُتطوِّع والمُحتسِب في الدّعوة إلى الله:

لقد وضع الفقهاء فروقًا بين المُتطوِّع في الدّعوة إلى الله والمُحتسِب المُعيَّن مِن قِبَل ولِيِّ الأمر.

ومن هذه الفروق ما يلي:

  1. الدّعوة إلى الله فرْض عيْن على المُحتسِب، وفرْض كفاية على غيره.
  2. إن قيام المحتسِب به من حقوق تصرّفه لا يجوز أن يتشاغل عنها -أي: بعمل آخَر يَصرفه عن عمله الأصلي وهو: الدعوة-. وقيام المتطوِّع به من نوافل عملِه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه لغيره -أي: لا يَصرفه التّطوّع بالدعوة إلى الله عن عمله الأصلي الذي يسترزق منه ويعيش على موارده.
  3. إن المُحتسِب منصوب للاستعداء فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء. ومعنى ذلك: أنّ المُحتسِب يستعدي بالشرطة، ويطلب عونها في إزالة المُنْكر، أمّا المتطوِّع فلا يُخوّل له الاستنجاد أو استدعاء القوّة لمؤازرته. إنه يكتفي بالكلمة فحسب.
  4. على المحتسِب أن يبحث عن المُنْكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عمّا تُرك من المَعْروف الظاهر ليأمر بإقامته. وليس على غيره من المتطوِّعة بحث ولا فحص ولا تنقيب.
  5. للمحتسب أن يُعزِّر في المُنْكرات الظاهرة لا يتجاوز الحدود، وليس للمتطوِّع أن يُعزِّر على منكر.
  6. للمحتسب أن يرتزق على حِسبته من بيت المال، ولا يجوز للمُتطوِّع أن يرتزق على إنكار المُنْكر.

ثامنًا: القدرة على القيام بواجب الأمْر والنّهي:

والقدرة تشمل أمريْن:

الأمر الأول: القدرة العلْمية من حيث سَوْق الأدلّة وإقامة البراهين، وأن يتميّز بالفصاحة والبلاغة وسلامة اللّغة وحُسن البيان؛ ولهذا نجد موسى عليه السلام لمّا كانت في لسانه لَكنة تحُول بينه وبين القيام بأمْر فرعون ونهْيه، دعا الله تعالى أن يَحُلّ لسانه ويرسل معه هارون عليه السلام لفصاحته، قال تعالى: {قَالَ رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسّرْ لِيَ أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِي (27) يَفْقَهُواْ قَوْلِي (28) وَاجْعَل لّي وَزِيراً مّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِيَ أَمْرِي} [طه: 25 – 32].

فالخوف وعدم الفصاحة قد يكون حائلًا دون القيام بواجب الدعوة؛ وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قصة موسى مع فرعون، قال تعالى: {قَالَ رَبّ إِنّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدّقُنِي إِنّيَ أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ اتّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 33 – 35].

ولقد كان صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على أن يصْدعوا بكلمة الحق، ولا يخشون إلاّ الله.

فعن عبادة بن الصامت، قال: “بايعْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة…” -إلى أن قال: “وعلى أن نقول الحقّ أينما كنّا، لا نخشى في الله لومة لائم” متفق عليه.

الأمر الثاني: القدرة البدنية المقترنة بقوّة الشخصية التي تُمكِّنه من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي: “العاجز ليس عليه حسبةٌ إلاّ بقلْبه، إذ إنّ كلّ من أحب الله يكره معاصيه ويُنكرها”.

وذكر أنه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسِّي، بل يلتحق به ما يُخاف عليه مكروهًا يناله، فذلك في معنى العجز. وكذلك إذا لم يَخَفْ مكروهًا، ولكن علِم أنّ إنكاره لا ينفع، فلْيلْتفت إلى معنييْن:

أحدهما: عدم إفادة الإنكار امتناعًا -أي: لعجزه-.

والآخَر: خوف مكروه.

ويحصل من اعتبار المعنييْن أربعة أحوال:

الحالة الأولى: أن يجتمع المعنيان: بأن يعلم أنه لا ينفع كلامُه، ويُضربُ إن تكلّم؛ فلا تجب عليه الحِسبة، بل قد يَحْرُمُ في بعض المواضع. نعم، يلزمه أن لا يحضر مواضع المُنكر، ويعتزل في بيته حتى لا يشاهد، ولا يخرج إلاّ لحاجة مهمّة أو واجب.

الحالة الثانية: أن ينتفي المعنيان جميعًا: بأن يعلم أنّ المنكر يزول بقوله وفعْله، ولا يقدَّر له مكروه؛ فيجب عليه الإنكار، وهذه هي القدرة المُطلقة.

الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره، لكنه لا يخاف مكروهًا؛ فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تُستحبّ لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمْر الدِّين.

الحالة الرابعة: عكس ذلك، وهو: أن يعلم أنه يُصاب بمكروه، ولكن يَبطل المُنكرُ بفعله، كمن يَقدِر على أن يرمي زجاجة الفاسق بحجَر فيكسرها ويريق الخمر، ويتعطّل عليه هذا المنكر. ولكن يعلم أنه يرجع إليه، فيضرب رأسه.

فهذا ليس بواجب وليس بحرام، بل هو مُستحب، ويدل عليه قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حقّ عند سلطان جائر)‏) رواه النسائي بإسناد صحيح.

فإن غلب الظّنّ على مُنْكِر أنه يُؤذَى ويُصاب، لم يجب الإنكار. وإن غلب على الظّنّ أنه لا يصاب، وجب الإنكار. وتوقّع المكروه بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختلف من شخص لآخَر، بحسب الضعف والقوة، والجبن والشجاعة.

لذلك ينبغي لمن يتصدّى للأمر أو النّهي أن يكون عاقلًا حصيفًا، يزنُ الأمور بميزان دقيق، فيدرس حالة مَن يريد أن يتصدّى له، فيعرف حالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، ويقف على الدوافع، والأسباب التي حملتْه على ارتكاب المنكرات وعدم الإقبال على الطاعات، ويبصر بعين ثاقبةٍ مدى تحمّل هذا الشخص للتوجيه، ومدى تقبّله للّوم أو التعنيف أو التغيير بالقوة، ويسأل الداعي نفسه: هل إذا تصدّى للمنكَر سيجد الأعوان والأنصار الذين يؤازرونه ويناصرونه، أم سيواجه الأمر وحده؟ كما يجب أن يكون ذا نظرة بعيدة، فيرى ويقدِّر: هل إذا أقدم على أمرٍ أو نهْي أحدث من العواقب السيئة ما هو أشدّ وقعًا من إزالة المُنكر، كحدوث فتنة أشد؟

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فحيث كانت مفسدة الأمْر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن ممّا أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجبٌ وفُعِلَ محرَّمٌ؛ إذ المؤمن عليه أن يتّقي الله في عباد الله، وليس عليه هداهم”.

ولقد وضع الفقهاء قاعدة عظيمة في درء المفاسد وجلب المصالح، فقالوا: “درء المفسدة مقدَّم على جلْب المصلحة”.

وقد فصّلها الإمام ابن القيم فقال:

“شَرَعَ النبي صلى الله عليه وسلم إيجابَ إنكار المنكَر ليحصُل من إنكاره من المعروف ما يُحبّه الله ورسولُه. فإذا كان إنكارُ المُنكَر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغُ إنكارُه، وإن كان الله يبغضه ويمقتُ أهله. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كلِّ شرٍّ وبليّة.

ومَن تأمّل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على مُنكَر، فَطَلَبَ إزالتَه، فتولّد منه ما هو أكبر منه. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها. فلمّا فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم صلى الله عليه وسلم على تغيير البيت وعلى ردّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك -مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه فتنة من عدم احتمال قريش لذلك، لقُرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر؛ ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لِما يترتّب عليه من وقوع ما هو أعظم منه.

فإنكار المنكر له أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويَخْلُفُه ضدُّه.

الثانية: أن يقِلّ وإن لم يُزَلْ جُملة.

الثالثة: أن يَخلُفه ما هو مثْلُه.

الرابعة: أن يَخْلُفه ما هو شرّ منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة مُحرّمة.

فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، كان إنكارك عليهم مِن عدم الفقه والبصيرة، إلاّ إذا نقلْتَهم منها إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كرمي النُشّاب وسباق ونحو ذلك… وإذا رأيت الفسّاق قد اجتمعوا على لعبٍ ولهو أو سماع، فإن نقلتَهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلاّ كان تركُهم على ذلك خيرًا من أن يتفرّغوا لِما هو أعظم من ذلك… وإذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها، وخفْتَ من نقله عنها إلى انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعْه وكتبه الأولى. وهذا باب واسع.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: “مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي. فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكْر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدّهم الخمر عن قتْل النفوس وسبْي الذرية، وأخذ الأموال. فدَعْهُم!”.

بهذه الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبهذا الفهم الدقيق والحسابات المدروسة، وتقديم قضايا الأمر والنهي وما يترتب عليهما من آثار صالحة أو سيئة، يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مِن أهمّ عوامل إصلاح النفوس وتقويم المجتمعات.

وإنّ ما يعانيه العالَم الإسلامي مِن فتن هوجاء، وعواصف مدمِّرة، واضطرابات دامية، إنما هو بسبب بعض مَن يتصدَّوْن للأمر والنهي بانفعال غير مدروس، والقيام بأعمال طائشة لا تزن الأمور بميزان الفهم الصحيح لقضايا الدعوة وفِقْه الأولويّات، ممّا أثار الفتنة، وأضعف الأمّة، وفرّق الكلمة، فوهنت القوة، وغدا المسلمون لقمة سائغة وفريسةً سهلة انقضّ عليها الأعداء من كلّ حَدَبٍ وصوب، وأصبحت كلأً مستباحًا لشرار الخلْق من الكفرة وفسّاق الآفاق، يسرحون ويمرحون في ديار الإسلام كيفما شاءوا. وما ذلك إلا بسبب التضارب والتناقض في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واشتراط الشروط التي ذكرناها فيما مضى من حديث.

error: النص محمي !!