Top
Image Alt

(صحيح ابن حبان)

  /  (صحيح ابن حبان)

(صحيح ابن حبان)

ويعتبر ابن حبان من أبرز مَن كشف منهجه في توثيق الرواة وتصحيح الحديث، بالإضافة إلى مسلم -رحمه الله- في مقدمة صحيحه.

قال ابن حبان في كتاب (الثقات): لا أذكر في هذا الكتاب إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم، ويقول: فكل من أذكره في هذا الكتاب صدوقٌ يجوز الاحتجاج بخبره؛ إذا تعرى خبرُه عن خصال خمس: أن يكون فوقه رجل ضعيف لا يحتج بخبره، أو يكون دونه رجل واهٍ لا يجوز الاحتجاج بروايته، أو يكون الخبر مرسلًا فلا تلزمنا به الحجة، أو يكون منقطعًا لا تقوم بمثله الحجة، أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه؛ لأنه لا يُدرى لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه, وعرف الخبر به.

فالرواة في صحيحه جمعوا بين العدالة أو الصدق وبين الاحتجاج بخبرهم لوجود الضبط، والعدل عنده من لم يعلم بجرح إذا لم يكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم.

وقد فصل مراتب الثقات في ثنايا حكمه على الرواة، واشترط في رجال صحيحه شروطًا لا بد من اجتماعها:

الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.

الثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه -أي: الضبط.

الثالث: العقل بما يحدث من الحديث.

الرابع: العلم بما يحيل من معاني ما يروي.

الخامس: تعري الخبر عن التدليس.

وإذا كان الراوي مختلَفًا فيه اجتهد ورجّح قبل أن يختار، قال ابن حبان: وربما أروي في هذا الكتاب وأحتج بمشايخ قد قدح فيهم من بعض أئمتنا، مثل: سماك بن حرب، وداود بن أبي هند، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، وأبي بكر بن عياش، وأضرابهم ممن تنكب -أي: ابتعد- عن رواياتهم بعض أئمتنا -أي: كالبخاري- واحتج بهم البعض، فمن صح عندي منهم بالبراهين الواضحة وصحة الاعتبار على سبيل الدين أنه ثقة؛ احتججت به ولم أعرج على قول مَن قدح فيه، ومن صح عندي بالدلائل النيرة والاعتبار الواضح على سبيل الدين أنه غير عدل؛ لم أحتج به وإن وثقه بعض أئمتنا.

وذكر كيفية الاعتبار برعاية المتابعات والشواهد, فقال: وقد اعتبرنا حديثَ شيخ شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين، فمن صح عندنا منهم أنه عدلٌ احتججنا به وقبلنا ما رواه وأدخلناه في كتابنا هذا، ومن صح عندنا أنه غير عدل لم نحتج به.

لقد اعتبر حال الحديث بالنظر في رواية من رواه مقارنة بروايات غيره له، واعتبر الراوي على أساس مجموع الروايات، واعتمد في صحيحه الأحاديث بناءً على هذا الاعتبار، وقد اعتبر هذه الشروط كيفيةً في رفع الحديث وإن أوقفه بعض الرواة الآخرين؛ معتبرًا في التفرد بزيادة لفظ في الحديث فقه الراوي لاعتماد هذه الزيادة إضافةً إلى ما سبق من الشروط، واحتج برواية من نسب إلى بدعة ما لم يكن داعية إلى مذهبه وتحققت فيه الشروط السابقة، واعتمد رواية الثقات عمن اختلط آخر عمره إذا كانوا ممن سُمع منه قبل اختلاطه، بشرط موافقة روايته رواية الثقات التي لا شك في ثبوتها وصحتها، وإذا صح عنده خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه لم يبالِ أن يذكره في صحيحه, من غير بيان السماع فيه بعد صحته عنده -أي: السماع من طريق آخر.

ورأى أن الأحاديث الصحيحة تنقسم خمسة أقسام:

  • الأوامر التي أمر الله عباده بها، ونوّعها إلى مائة وعشرة أنواع.
  • النواهي التي نهى الله عباده عنها، وتنوعت إلى مائة وعشرة أنواع.
  • الأخبار التي يحتاج إلى معرفتها، وتنوعت إلى ثمانين نوعًا.
  • الإباحات، وتنوعت إلى خمسين نوعًا.

هـ. أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم-, وتنوعت إلى خمسين نوعًا.

ورأى أن كل قسم يتنوع أنواعًا بحسب العموم والخصوص, والالتزام بالمأمور به أو الإلزام، أو التخيير بين التزامه أو التزام غيره، وتوقف الأمر على شرط أو سبب أو وقت، وظهور العلة من الأمر بالنص أو الإشارة، وكون الأمر للوجوب أو غيره، وكونه عامًّا أو خاصًّا، وسار في ذلك على منهج الإمام الشافعي -رحمه الله- وعليه في بعض ذلك استدراكات، واتجه العلماء إلى بيان بعض ما لم يوافقوه عليه، ويمكن أيضًا ألا نوافقه على بعض ما اختاره وذكره.

وقد سرد الأقسام والأنواع في مقدمة صحيحه، واختار هذا التقسيم ليسهل حفظ أحاديث صحيحه على المتعلمين، بحيث يرتبط الحديث بنوعه ويرتبط النوع بقسمه, وترتبط الأقسام كلها في جميع الكتاب.

وقد بنى صحيحه على الاختصار، فقال: ونبدأ منه بأنواع تراجم الكتاب، ثم نملي الأخبار بألفاظ الخطاب؛ بأشهرها إسنادًا وأوثقها عِمادًا, من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها؛ لأن الاقتصار على أتم المتون أولى, والاعتبار بأشهر الأسانيد أحرى من الخوض في تخريج التكرار وإن آل أمره إلى صحيح الاعتبار. فمنهجه منهج شيخه ابن خزيمة في صحيحه؛ من حيث اشتراط الاتصال وثبوت العدالة، ومن حيث المبالغة في الاختصار وعدم تكرار الحديث إلا لضرورة أو فائدة تتطلب ذلك.

error: النص محمي !!