Top
Image Alt

(صحيح ابن خزيمة) و(صحيح ابن حبان)

  /  (صحيح ابن خزيمة) و(صحيح ابن حبان)

(صحيح ابن خزيمة) و(صحيح ابن حبان)

جمع ابن حبان وابن خزيمة، في كتابيْهما الصَّحيح والحَسن، أو أدخلا الحسن في الصَّحيح؛ فلا ينبغي أن يُعترض عليهما: أنَّ هناك حديثًا لا يرتفع إلى درجة الصَّحيح، وإنَّما هو في درجة الحسن، كما يقولون: لا مشاحَّة في الاصطلاح.

وإذا كان في (كتاب الثقات) لابن حبان الذي جمع فيه الرُّواة الثِّقات على نحوٍ من الاختصار، فربَّما اعتُرض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرفْ حاله، ولا اعتراضَ عليه في ذلك؛ فإنَّه يكفيه، واصطلح على ذلك: أنَّ الراوي لم يأتِ بحديثٍ منكر، فهو يعتبرُه بهذا ثقة، وإن كان أحدٌ لم يُعَدِّله؛ فيمكنُ أن يكون هذا من المستورين.

وقال ابن حجر -وهو يتكلم عن شرط ابن حبان-: حاصلُه: أن يكون راوي الحديث عدلًا مشهورًا بالطَّلب، غيرَ مدلَّس، سمع ممَّن فوقه إلى أن ينتهي.

فقوله: عدلًا مشهورًا بالطلب، هذا الذي أُتي منه ابن حبان في النُّقود التي وُجِّهت إليه، سواءٌ كان ذلك في ثقاته، أو كان ذلك في صحيحه. فربما يُدخل في كتابه أو في كتابيْه هذيْن العدلَ المشهور بالطلب، حتى وإن كان لم يعدِّله أحد.

قال ابن حجر: فإذا تقرّر ذلك، عرفتَ أنَّ الأحاديث في كتاب ابن خزيمة وابن حبان، صلاحيَّةُ الاحتجاج بها، لكونها دائرةً بين الصحيح والحَسن، ما لم يظهر في بعضها علةٌ قادحة؛ فهو لم يشترط العلَّة ولم يشترط الشُّذوذ، ومن هنا كانت النُّقودُ عليه في كتابيْه.           

رتَّب ابن حبان كتابه ترتيبًا مخترعًا، ليس على الأبواب وليس على المسانيد، ولهذا سمَّاه: (التَّقاسيم والأنواع). وسببُه: أنَّه كان عارفًا بالكلام والنَّحو والفلسفة؛ ولهذا تُكُلّم فيه، وكادوا يحكمون بقتْله. والكشف من كتابه عسرٌ جدًّا، ولذلك رتَّبه بعضُ المتأخِّرين عنه على الأبواب، وهو الكتاب المتداوَلُ بيننا، وهو كتاب: (الإحسان إلى تقريب ابن حبان) لابن بلبان.

ومن الكتب التي تُلتمس فيها الزِّيادة على الصَّحيحيْن: (صحيحُ ابن خزيمة)، وقد رأى بعضُ العلماء: أنَّه أعلى مرتبةً من (صحيح ابن حبان)، لشدَّة تحرِّيه، حتَّى إنه يتوقَّف في التَّصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول: إن صحَّ الخبر، أو: إن ثبت كذا، ونحو كذا. هذا كلام السُّيوطي في تفضيله صحيح ابن حبان على صحيح ابن خزيمة.

ويرى بعض العلماء: أنَّ ما ذهب إليه السيوطي، لا يُسلّم له:

– لأنَّ صنيع ابن خزيمة هذا يدلُّ على أنَّه أدرج في صحيحه أحاديثَ لا تصِحُّ عنده، ونبَّه على بعضها، ولم يُنبِّه على بعضها الآخر. ويتبيَّن ذلك بجلاء من مراجعة القسم المطبوع من صحيحه؛ ففيه عددٌ غيرُ قليل من الأسانيد الضَّعيفة.

– بالإضافة إلى أنَّ عددًا لا بأس به من أحاديثه لا يرتقي عن رتبة الحسن؛ فأين هو من (صحيح ابن حبان) الذي غالبُ أحاديثه على شرط الصحيح، كما تبيّن ذلك في تخريج أحاديثه، والوقوف على درجتها.

كما يظهر فساد قول من قال: غالبُ (صحيح ابن حبان) منتزَعٌ من صحيح شيخه ابن خزيمة؛ فكيف يأخذه منه وهو أضبط وأدقُّ منه في شرط الصَّحيح؟ بل إنَّ ابن حبان ربَّما فاق شيخه، -إن لم نقل قد فاقه فعلًا- في علم الحديث، وشيخُ ابن حبان هو: ابن خزيمة.

وقد ألَّف ابن حبان كتبًا في التراجم للثقات والضعفاء، تشهد أنَّه أخبرُ منه في هذا الباب. وابن خزيمة لا يعدو أن يكون واحدًا من أساتذته الذين أخذ عنهم وانتفع بعلمهم. فهو لاشكَّ يُعدّ ممّن أسهموا في إنضاج ابن حبان، ولكنه ليس كلَّ شيء فيه.

وهذا صحيح ابن حبان فيه (7495) حديثًا، لم يرو فيه عن شيخه ابن خزيمة سوى (301) حديث؛ فكيف يكون غالبُ كتابه منتزعًا من كتاب شيخه؟!

ويقول بعض العلماء بناءً على كلِّ هذا: إنَّ صحيح ابن حبان أعلى مرتبةً من صحيح شيخه ابن خزيمة، بل إنَّه ليُزاحم بعضَ الكتب الستة، وينافس بعضها في درجته.

قال السخاوي في (فتح المغيث): وكم في كتاب ابن خزيمة أيضًا، من حديث محكوم منه بصحته، وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن؛ بل وفيما صحَّحه التِّرمذيُّ من ذلك جملةٌ، مع أنَّه ممَّن يُفرِّق بين الصَّحيح والحسن.

وقال ابنُ العماد في (الشَّذرات) (جـ3 ص16): وأكثر نقاد الحديث على أنَّ صحيحه -أي: صحيح ابن حبان- أصحُّ من (سنن ابن ماجة).

فإذا عرفنا بعد ذلك أنَّ غالبَ صحيح ابن حبان على شرط الشَّيخيْن، أمكنَ أن نتبيَّن الموقع الذي يُنافس عليه هذا الصَّحيح بين كتب الصِّحاح، وأن نفسِّر سبب عناية العلماء به. وعلى كل حالٍّ فـ(صحيح ابن حبَّان) و (صحيح ابن خزيمة) يُضمَّان إلى (مستدرك الحاكم)، في كون كلٍّ منها يلتمس فيه الزائد على الصحيح، وإن كان يختلطُ بغيره في هذه الكتب، ولكنَّه يقرب البعيدَ في التماس الصَّحيح؛ وذلك لأنَّ كلًا من أصحاب هذه الكتب اشترطَ أن يكون ما فيه صحيحًا.

error: النص محمي !!