Top
Image Alt

صحيح مسلم

  /  صحيح مسلم

صحيح مسلم

لا يتّسع المجال هنا أيضًا لترجمة الإمام مسلم، وهو أشهر مَن أن يُترجم له في هذه العُجالة، ولكنّنا نتعرف على صحيحه، والسّبب الأول الذي ألّف البخاري له صحيحه هو نفسه السبب الذي جعل الإمام مسلمًا يُؤلف كتابه، وهو أنه أصبحت هناك حاجة ماسّة لِأَن تُفْرِد كتب الأحاديث الصحيحة دون غيرها؛ لِمَا جدّ على العالم الإسلامي، ولما كَثُر من الضعيف في الكتب التي قبله.

شروط الإمام مسلم في صحيحه:

هي -كما قلنا في شروط الإمام البخاري- تنقسم إلى شروط عامة، وهي: الإسلام، والعدالة، والبلوغ والضبط، واتصال الأسانيد… وغير ذلك، ولكن الإمام مسلم تخلّى عن الشرطين الخاصّين اللذين اشترطهما الإمام البخاري، وقد تناول الدارسون كتاب مسلم، كما تناولوا كتاب البخاري؛ كي يستنبطوا شروطه التي على أساسها اختار أحاديثَ صحيحةً.

وقد ذكر الحاكم أن مسلمًا يشترط -كما اشترط البخاري- ألا يُخرج إلا حديث الصحابي المشهور، الذي له اثنان فأكثر من الرّواة الذين نقلوا حديثه، وردّ عليه ابن طاهر المقدسي والحازمي في كتابيهما (شروط الكتب الستة) و(شروط الكتب الخمسة) ولا يتّسع المجال لذكر أمثلة من ردّهما عليه وإثباتهما أن هناك في الكتابين أحاديث لصحابة ليس لكل صحابي منهم إلا راوٍ واحد، وكما قلنا: خالف الإمام مسلم أستاذه في اشتراط أن يثبت تاريخيًّا التقاء الراوي بشيخه الذي روى حديثه عنه بالعنعنة، حتى ينتفي احتمال التدليس أو الإرسال، وينتفي تحديثُ الرّاوي عن شيخه الذي عاصره بما لم يسمعه منه؛ فمسلم يرى أن الرّاوي إذا حدّث عن شيخه بـ”عن”، وقد عاصره، واحتُمل لقاؤهما، ولم يُعهد من هذا الراوي التدليس، ولم يكن هناك دليل على عدم التقائهما؛ فإن روايته تُحمل على السماع، ويُحتجّ بها.

وعلى كلِّ حالٍ فقد وَسّعَ هذا الرأي الذي اتّخذه مُسلم من دائرة الحديث الصحيح عنده، فأخذ أحاديثَ تركها البخاري لهذا السبب، وهناك شرطٌ آخر اتّخذه البخاري وتجاوز عنه مسلم، فتوسّعت دائرة الحديث الصحيح عنده مرة أخرى، فقد رأى البخاري ألا يسند في صحيحه إلا أحاديثَ الرّواة الذين يُعدّون في الطبقة الأولى بالنسبة للسماع من شيوخهم، وطول اللقاء بهم، وعدالتهم وضبطهم، أما مسلم فلا يكتفي بذلك، وإنما يعرّج على أحاديث الطبقة الثانية، ويأخذ مَنْ هم أدنى في الاعتبار والمتابعة والاستشهاد، وقد قسّم مسلم الأخبار وناقليها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الأخبار التي سلمت من العيوب سندًا ومتنًا؛ لأن رُواتَها من أهل الاستقامة في الأحاديث والإتقان فيها، وليس في روايتهم اختلافٌ شديدٌ ولا تخليطٌ فاحشٌ، وهذه الأخبار يتقصّاها في صحيحه.

القسم الثاني: أخبارٌ يقع في أسانيدها بعضُ مَنْ ليسوا موصوفين بالحفظ والإتقان، كرُوَاة القسم الأول، لكن اسم الستر والصدق وطلب العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم. وهذا القسم يتْبع به مسلم أحاديثَ القسم الأول، أي: يذكر من أسانيده في المتابعات والشواهد، وللدلالة على اختلاف الروايات، أو حيث لم يجد من القسم الأول حديثًا يضعه في الباب الذي يُترجم له.

أما القسم الثالث: وهو أحاديث قوم متهمين بوضع الأحاديث، وتوليد الأخبار، أو من يغلب على حديثهم المنكر أو الغلط، فلا يخرّج مسلمٌ في كتابه أحاديث هؤلاء، وكلامه في المقدّمة يدلّ على ذلك.

ومع تساهل مسلم هذا فيما تشدّد فيه البخاري من التخلّي عن الشرطين الخاصّين، اللذين أخذ بهما البخاري؛ فإنه مع هذا لم يجمع كلّ الصحيح في كتابه مثلما فعل البخاري، وإنما جمع بعضه فقط ممّا يقرب من أربعة آلاف حديث، وهذا ما جعل أئمة عصره أمثال أبي زرعة، ومحمد بن مسلم الرازِيين ينتقدونه في ذلك؛ لأنهم يَرَوْنَ أن في هذا مدخلًًا لأصحاب البدع، يَنْفُذُون منه لرفض كثير من الأحاديث الصحيحة بحُجّة أنها لا توجد في مثل كتابه الصحيح.

يقول أبو زرعة عندما علم بتأليف مسلم كتابه: “إن هذا يطرّق لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا: إذا احتُجّ عليهم بحديث ليس هذا في الصحيح” يعني: (صحيح مسلم)، أو (صحيح البخاري)، أو أيّ مؤلفًا على مناولهما. وسبحان الله كأنّ أبا زرعة كان ينظر بعين الغيب، فهذا هو ما يحدث عند كثير من الجهلاء إذا لم يكن الحديث في البخاري ومسلم، فإنهم يحتجّون بأنه ليس في البخاري ومسلم؛ ليطعنوا في الحديث. وقد اعتذر مسلم عندما بلغه ذلك بقوله: “إنما أخرجت هذا الحديث من الصحيح؛ ليكون مجموعًا عندي، وعند من يكتبه، ولا يرتاب في صحّته”.

أما منهج مسلم في ترتيب صحيحه:

فقد رتّب أحاديث كتابه على منهج دقيق، تلافى فيه ما فعله الإمام البخاري في صحيحه؛ فلم يجزّئ الأحاديث كما جزّأ البخاري، ولم يشتّت طُرُقها على أبواب عدّة، مما يجعل الموازنة بينها صعبة، والعثور على الحديث بكماله، أو في مظانّه أشدّ صعوبة. رتّب أحاديث كتابه على أبواب بعضها فقهي وبعضها غير فقهي؛ لأن أحاديثه -كما عند البخاري- تشتمل على سنن الدين، وأحكامه، وفي الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب، والآداب والمناقب، والتفسير والسير، وكلُّ أبوابٍ منها ينتظمها كتاب، يعني: تحت كل كتاب ككتاب الصلاة، أو كتاب الطهارة، أو كتاب الإيمان، تندرج أبواب بموضوعات جزئية ينتظمها هذا الكتاب، ولكن مسلمًا لم يذكر تراجم لأبوابه، ويعلّل ذلك الإمام النووي بأنه ربّما أراد ألا يزيد حجم الكتاب، وقد يكون الأمر كذلك، وقد يكون غير ذلك، مثل أن يقال: إنه فعل ذلك لئلا ينشغل الناس عن الأحاديث، أو معانيها بالتماس أوجه الصّلة بين عناوين الأبواب والأحاديث التي ذُكرت تحتها، كما حدث ذلك في كتاب البخاري، وأُلّفت كتبٌ في ذلك، وقد سدّ هذا النقص شُرّاح كتاب مسلم ومحقّقوه، فوضعوا له الأبواب التي تتلاءم مع معاني الأحاديث فيه.

error: النص محمي !!