Top
Image Alt

(صحيفة المدينة) الوثيقة التي حددت الحقوق والواجبات ورسمت العلاقات بين طوائف السكان في المدينة المنورة

  /  (صحيفة المدينة) الوثيقة التي حددت الحقوق والواجبات ورسمت العلاقات بين طوائف السكان في المدينة المنورة

(صحيفة المدينة) الوثيقة التي حددت الحقوق والواجبات ورسمت العلاقات بين طوائف السكان في المدينة المنورة

يقول ابن إسحاق: “كتب رسول الله صلى الله عليه  وسلم كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادَع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم” وشرط لهم”، أي: لما امتنعوا من اتباعه، وذلك قبل الإذن بالقتال، وأخذ الجزية ممن أبى الإسلام.

وذكر ابن إسحاق ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام اللغوي الفقيه الأديب، في كتابه (الأموال) بسند جيد عن الزهري؛ حيث ذكر نص هذه الوثيقة التي عقدها النبي صلى الله عليه  وسلم بينه وبين اليهود وسكان المدينة.

قال أبو عبيد: “حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب الزهري أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم كتب بهذا الكتاب: ((هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم، فلحق بهم، فحل معهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة دون الناس، المهاجرون من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، وهم يفْدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين والمسلمين، وبنو عوف على رباعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين))، ثم ذكر النبي صلى الله عليه  وسلم هذا الشرط: ((على رباعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين)).

وقد ذكر النبيُّ صلى الله عليه  وسلم هذا لكل بطن من بطون الأنصار، وأهل كل دار، وهم بنو الحارث بن الخزرج، وبنو ساعدة، وبنو جشم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، وبنو الأوس، إلى أن قال: ((وإن المؤمنين لا يتركون مفرحًا –يعني: مثقلًا بالدين منهم- أن يعينوه بالمعروف في فداء أو عقل، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى أو ابتغى منهم دسيعة -أي: عطية ظلم، أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين- وأن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمنٌ مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له المعروف والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحد، ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء عدل بينهم، وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم بعضًا، وإن المؤمنين يبيئ –بمعنى: يكف- بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشركًا ولا نفسًا ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة، فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول بالعقل، وإن المؤمنين عليه كافّة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما فيه هذه الصحيفة، أو آمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يئويه، فمن نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، لا يقبل منه صرف ولا عدل، وأنكم ما اختلفتم فيه من شيء فإن حكمه إلى الله والرسول، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف ومواليهم وأنفسهم أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمؤمنين دينهم، إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، كذلك ليهود كل من بني الحارث، وبني جشم، وبني ساعدة، والأوس، وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد صلى الله عليه  وسلم وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظَلم، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تُجارُ حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان من بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله، وإلى محمد رسول الله، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإنهم إذا دعوا اليهود إلى صلح حليف لهم فإنهم يصالحونه، وإن دعينا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، وعلى كل أناس حصته من النفقة، وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة، وإن بني الشطبة بطن من جفنة، وإن البرَّ دون الإثم، فلا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم، وإنه من خرج آمِن، ومن قعد آمِن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن أولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن، وإن الله جارٌ لمن برَّ واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه  وسلم)).

قال أبو عبيد محاولًا شرح بعض الكلمات التي وردت بهذه الصحيفة:

قوله: ((بنو فلان على رباعتهم)) الرباعة: هي المعاقل، وقد يقال: فلان على رباعة قومه، إذا كان المتقلد لأمورهم والوافد على الأمراء فيما ينوبهم.

وقوله: ((إن المؤمنين لا يتركون مفرحًا في فداء أو عقل)) المفرح: هو المثقل بالدين، يقول: فعليهم أن يعينوه وإن كان أسيرًا فكُّوا إساره، وإن كان جنى جناية خطأ عقلوا عنه؛ يعني تحملوا الدية عنه.

وقوله: ((لا يجير مشركًا مالًا لقريش)) يعني: اليهود الذين كان وادعهم، يقولون: فليس من موادعتهم أن يجيروا أموال أعدائه، ولا يعينوهم عليه.

وقوله: ((من اعتبط مؤمنًا قتلًا فهو قود)) الاعتباط: أن يقتله بريئًا محرم الدم، وأصل الاعتباط في الإبل أن ترحم بلا داء يكون فيها.

وقوله: ((إلا أن يرضى أولياء المقتول بالعقل)) جعل النبي صلى الله عليه  وسلم الخيار في القود أو الدية إلى أولياء المقتول، وهذا مثل حديثه الآخر: ((ومن قتل له قتيل فهو بأحد النظرين: إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية)). وهذا يرد قول من يقول: ليس للولي في العمد أن يأخذ الدية إلا بطيب نفس من القاتل، ومصالحة منه له عليها.

وقوله: ((لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا أو يئويه)) المحدث: هو كل من أتى حدًّا من حدود الله، فليس لأحد منعه من إقامة الحد عليه، وهذا شبيه بقوله الآخر: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره)).

وقوله: ((لا يقبل منه صرف ولا عدل)) الصرف التوبة، والعدل الفدية، قال أبو عبيد: وهذا أحب إليَّ من قول من يقول: الصرف الفريضة، والعدل النافلة؛ لقول الله  سبحانه وتعالى: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُون} [البقرة: 48]. فكل شيء فدي به شيء فهو عدله.

وقوله: ((إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين))، فهذه النفقة في الحرب خاصة، فقد شرط عليهم المعاونة على عدوه، ونرى أنه إنما كان يُسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذي شرطه عليهم في النفقة، فكان صلى الله عليه  وسلم يعطي لليهود سهمًا من الغنيمة- إذا غزوا مع المسلمين، لكن بهذا الشرط الذي شرطه عليه من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم، وقال أبو عبيد: وقوله: ((وإن يهود بني عوف أمة من المؤمنين)) إنما أراد نَصْرَهُم المؤمنين، ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة على شرطها الذي شرطناه، أما الدين فليس منه في شيء؛ فقد فقال صلى الله عليه  وسلم: ((لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم)).

وقوله: ((لا يوتغ إلا نفسه)) أي: لا يهلك غيرها – وقد وقع الرجل وتغًا إذا وتغ في أمر يهلكه أو قد أوتغه غيره.

وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة  رضي الله  عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لو آمن بي عشرة من أحبار يهود لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض)).

قال ابن إسحاق: ونصبت بعد ذلك أحبار اليهود لرسول الله صلى الله عليه  وسلم العداوة بغيًا وحسدًا وضغنًا، لما خص الله  سبحانه وتعالى به العرب من اصطفاء رسوله منهم، وكانت أحبار اليهود هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه  وسلم ويتعنتونه، ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل، وكان القرآن ينزل فيهم، وفيما يسألون عنه، إلا قليلًا من المسائل في الحلال والحرام، كان المسلمون يسألون عنها، وذكر ابن إسحاق وغيره أسماء اليهود، بل جاء ذكره في كتاب تكلمت عنه في اليهود، وكانوا ثلاث قبائل: قينقاع -وهم الوسط من يهود المدينة- وقريظة -وهو أخو النضير والوسط من يهود المدينة- والنضير وقد حاربته هؤلاء الثلاثة، ونقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه  وسلم فمنّ على بني قينقاع، وأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة وسبى ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورة الأحزاب في بني قريظة.

هذا ما جاء خاصًّا بهذا الدستور الذي عقده النبي صلى الله عليه  وسلم بينه وبين المهاجرين والأنصار واليهود ممن كانوا يقيمون في المجتمع المدني أول قدوم رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى المدينة المنورة.

ولقد نظم النبي صلى الله عليه  وسلم العلاقات بين سكان المدينة، وكتب هذا الكتاب الذي أوردته المصادر التاريخية، وكان الهدف من وراء ورود هذا الكتاب توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد حقوق وواجبات كل طرف، وقد سمّت المصادر القديمة هذا الكتاب أحيانًا بـ”الكتاب” وأحيانًا بـ”الصحيفة” وأطلقت الأبحاث الحديثة على هذه الصحيفة لفظ “الدستور”، ولفظ “الوثيقة”.

وقد اعتمد الباحثون المعاصرون على الوثيقة في دراسة تنظيمات الرسول صلى الله عليه  وسلم في المدينة المنورة.

error: النص محمي !!