Top
Image Alt

صفة الاتّباع، وما يَحمِلُه الإمام عن المأموم

  /  صفة الاتّباع، وما يَحمِلُه الإمام عن المأموم

صفة الاتّباع، وما يَحمِلُه الإمام عن المأموم

الفصل الخامس من هذه الفصول السبعة، وهو عن: صفة الاتّباع.

يعني كيف يتابع المأموم الإمام؟ وماذا يحمل الإمام عن المأموم؟

1. صفة الاتباع: تحت صفة الاتّباع مسألتان:

الأولى: في وقت تكبيرة الإحرام للمأموم، هل يكبِّر مع الإمام؟ هل يكبِّر بعد أن ينتهي الإمام من تكبيره؟ هل يكبِّر قبل أن يكبِّر الإمام؟

الثانية: إذا رفع المأموم رأسه من الركوع أو من السجود قبل الإمام، فهل تكون صلاته صحيحة أو غير صحيحة؟ وإذا انتهينا من هاتيْن المسألتيْن، ننتقل بعدهما إلى الفصل السادس، وهو لبيان: ما يحمله الإمام عن المأموم من أفعال الصلاة أو أقوالها. هل الإمام يحمل عن المأموم شيئًا من مطالب الصلاة؟ أو لا يحمل عنه شيئًا، وكلٌّ منهما مسئول عن صلاته؟.

المسألة الأولى: وقت تكبيرة الإحرام للمأموم:

أ. ما قاله ابن رشد:

يُبيّن ابن رشد: أن العلماء قد اختلفوا في هذه القضية: “فالإمام مالك استحسن أن يكبِّر المأموم بعد فراغ الإمام من تكبيرة الإحرام. وقال أيضًا: إن كبّر معه أجزأه، يعني: صحَّ تكبيره. وقد قيل عنه أيضًا: إنه لا يُجزئه. وأمّا إن كبّر قبْله، فلا يُجزئه، قولًا واحدًا. هذا كلام الإمام مالك.

ماذا قال أبو حنيفة؟ يقول: يكبِّر مع تكبيرة الإمام، فإن فرغ قبْله، لم يجزئ. إذًا، أجاز أبو حنيفة تكبير المأموم مع الإمام بشرط أن لا ينتهي قبله.

وأما الشافعي، فعنه في ذلك روايتان:

الأولى: مثل قول مالك؛ وهذا هو الأشهر، أي: لا يكبِّر المأموم إلَّا بعد انتهاء الإمام من تكبيرة الإحرام، ولكن إذا كبر معه أجزأه. وإن كبّر قبله، لم يُجزئه. هذا كلام الإمام مالك.

الثانية: لكن الإمام الشافعي خالف الإمام مالك في الجزئية الأخيرة، وقال: إنّ المأموم إذا كبّر قبل الإمام أجزأه، يعني: كأن تكبير المأموم سواء وافق تكبير الإمام أو كان بعده أو سبِقه، فهو جائز في الأحوال الثلاثة عند الإمام الشافعي.

المسألة الثانية: ما الحُكم إذا رفع المأموم رأسه قبل الإمام؟

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: “وأمّا مَن رفع رأسه قبل الإمام، فإن الجمهور من العلماء يروْن أنه قد أساء، ولكن صلاته جائزة، وأنه يجب عليه أن يرجع فيتبع الإمام. وهذا هو الرأي الراجح، وهو الصحيح.

وذهب قوم إلى أنّ صلاته تبطل، للوعيد الذي جاء في ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((أمَا يخاف الذي يرفَع رأسَه قبل الإمام أنْ يُحوِّل الله رأسَه رأس حمار؟))، هذا الحديث رواه الشيخان.

وبهذا، يتبيّن لنا: أنّ في مسألة رفْع المأموم رأسه قبل الإمام رأييْن:

الرأي الأول: رأي الجمهور: أنّ الصلاة جائزة، لكنه قد أساء، وعليه أن يصحِّح ما أساء فيه، فيرجع ويتبع الإمام. يعني: ما دام الإمام ما زال راكعًا، أو الإمام ما زال ساجدًا، والمأموم رفع رأسه، ثم تبيّن أنه سبق الإمام، فعليه أن يعود إلى الحالة السابقة، إلى الركوع أو إلى السجود. أمّا الصلاة فصحيحة.

الرأي الثاني: يقول: صلاته باطلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكَر وعيدًا شديدًا في ذلك، ولا يمكن أن يكون الوعيد شديدًا بهذا الشكل إلَّا إذا كان الجرم كبيرًا، وكون الجرم كبيرًا يجعل الصلاة باطلة.

2. ما يَحمله الإمام عن المأمومين:

الفصل السادس من فصول صلاة الجماعة. وفيه يتكلم ابن رشد عمّا يحمله الإمام عن المأمومين في صلاة الجماعة.

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول: “إن العلماء اتّفقوا على أنّ الإمام لا يحمل عن المأموم شيئًا من فرائض الصلاة -يعني: من أركانها الأساسية، وشرائط صحّته- لا يحمل شيئًا عنه، عدا القراءة، أو إلَّا القراءة”.

إذًا الإمام لا يحمل عن المأموم قيامًا، ولا تكبيرة إحرام، ولا ركوع، ولا رفع من الركوع، ولا سجود، ولا جلوس بين السجدتيْن، ولا السجدة الثانية، ولا جلسة التشهد، ولا التسليم، ولا شيئًا من ذلك؛ كلّ هذه أركان.

لا يحمل الإمام عن المأموم شيئًا، إلَّا القراءة -القراءة الجهرية- وحتى القراءة اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسرَّ فيه. نحن نعلم أنّ صلاة الظهر سرِّية، وصلاة العصر سرِّية، والركعة الثالثة من المغرب سرِّية، والركعتيْن الثالثة والرابعة من العشاء سرِّية. فالمأموم يقرأ مع الإمام في تلك الركعات السرِّية، ولا يقرأ معه فيما جهر به: الركعتيْن الأوليَين من المغرب، والركعتيْن الأوليَين من العشاء، وركعتي الصبح؛ هذه كلها جهرية، والإمام يقرأ ويرفع صوته، فلا يقرأ المأموم معه شيئًا. هذا قول.

القول الثاني: أن المأموم لا يقرأ مع الإمام أصلًا، لا سرًّا ولا جهرًا، يقف مكتوف الأيدي، صامتًا، خاشعًا، وليس عليه قراءة مطلقًا.

القول الثالث: أنه يقرأ فيما أسرَّ الإمام “أم الكتاب” وغيرها… يعني: يقرأ ما يشاء في صلاة الظهر، في صلاة العصر، يقرأ “الفاتحة” وما تيسّر من القرآن. وفيما جهر، يقرأ “أم الكتاب” فقط. معلومٌ أن ذلك لا يكون إلَّا إذا سكت الإمام، حتى لا تتضارب قراءة المأموم مع قراءة الإمام؛ لأننا مطالبون بالإنصات للإمام وهو يقرأ، عملًا بقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204].

وبعضهم فرَّق في الجهر بيْن أن يسمع المأموم قراءة الإمام فلا يقرأ، أو لا يسمع فيقرأ. فأوجب عليه القراءة إذا لم يسمع، ونهاه عنها إذا سمع.

الرأي الأوّل: أنّ المأموم يقرأ في الصلوات السِّرِّية، بالركعات السِّرّية، هو: قول الإمام مالك، إلَّا أنه يستحسن له القراءة فيما أسرّ فيه الإمام، ويكرهها فيما جهر فيه.

الرأي الثاني: أنه ليس على المأموم قراءة أصلًا، لا في السرية ولا في الجهرية، قول الإمام أبي حنيفة.

الرأي الثالث: أنه يقرأ فيما أسرّ، الصلوات السرية، يقرأ “أم الكتاب” وغيرها… هذا قول الشافعي.

أما التفرقة بين من يسمع ومن لا يسمع، فهو قول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-.

الفصل السابع: الأشياء التي إذا أفسدت صلاة الإمام، تعَدّت إلى المأموم:

هذا هو الفصل السابع عن الأشياء التي إذا فسَدت أو أفسدت صلاة الإمام، هل يتعدّى ذلك الفساد والإفساد إلى صلاة المأمومين؟

يعني: إذا بطلت صلاة الإمام لأيِّ سبب، هل تبطل معه صلاة المأمومين، أو لا تبطل؟

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: “اتّفقوا على أنه إذا طرأ على الإمام الحدث في الصلاة، فقَطع صلاتَه، أنّ صلاة المأمومين لا تفسد. ما ذنبهم حتى تفسد صلاتهم؟ صلاة الإمام انقطعت؛ لأنَّ حدثًا طرأ عليه، وعليه أن يخرج من الصلاة، ويستخلف أحد المأمومين. أمّا صلاة المأمومين فصحيحة؛ لأنه لم يقع منهم ما يُبطلها.

ثم يقول بعد هذا الاتفاق: واختلفوا إذا صلَّى بهم الإمام وهو جُنب، وعلموا بذلك بعد الصلاة. كان الإمام ناسيًا وتذكّر، وقال لهم: صلّيت بكم وأنا جنب، فعلِموا.

فقال قوم: صلاتهم صحيحة، ولا شيء عليهم؛ إنّما على الإمام أن يُعيد صلاته.

وقال قوم: صلاتهم فاسدة؛ لأنهم صلّوْا خلْف من لا تصحّ صلاته.

وفرَّق قوم بين أن يكون الإمام عالِمًا بجنابته، أو ناسيًا لها. فإن كان عالِمًا فسدت صلاتُهم، وإن كان ناسيًا لم تفسد صلاتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((رُفِع عن أمّتي: الخطأ، والنسيان، وما استُكرِهوا عليه))؛ وهذا ممّا استُكرهوا عليه.

بالقول الأوّل: أنّ صلاة المأمومين صحيحة، قال الإمام الشافعي.

القول الثاني: فساد الصلاة خلْف الجنب، قال الإمام أبو حنيفة.

القول الثالث: الذي يفرِّق بين إن كان الإمام عالمًا فتفسد صلاتهم، أو ناسيًا فلا تفسد، قال الإمام مالك.

error: النص محمي !!