Top
Image Alt

صفة المعية والقرب لله -تبارك وتعالى- وأدلة ذلك

  /  صفة المعية والقرب لله -تبارك وتعالى- وأدلة ذلك

صفة المعية والقرب لله -تبارك وتعالى- وأدلة ذلك

1. الأدلة على إثبات المعية:

المعية تعني: أن الله عز وجل مع خلقه، وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على علوّ الله سبحانه وتعالى على خلقه، وتدل أيضًا على أن الله سبحانه وتعالى معهم.

ومما يُستدل به في هذا المقام قول الله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [الحديد: 4] ففي هذه الآية أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أنه فوق عرشه يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا.

وقد ذكر بعض العلماء دليلًا على ذلك, وهو حديث الأوعال من حديث النبي صلى الله عليه وسلم, وبعض العلماء يضعّف هذا الحديث، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه)).

أيضًا ما جاء في سورة المجادلة في قول الله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [المجادلة: 7] هذه أيضًا من الآيات الدالة على معية الله سبحانه وتعالى وأنه مع خلقه, وهناك آيات كثيرة غير ذلك.

والآية التي وردت في سورتي الحديد والمجادلة قد بينت معنى معية الله سبحانه وتعالى لخلقه، وأنه مع عباده، ووضحتها وفسرتها، وهذا يدفع قول المخالفين لهذه المعية، أو نفي بعض الناس لمعية الله سبحانه وتعالى لخلقه؛ ظنًّا منهم أن ذلك يلزم منه لوازم باطلة.

وإثبات المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يناقض علو الله سبحانه وتعالى على خلقه، وذلك من وجوه ثلاثة:

الأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين، المنزه عن التناقض، وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما أبدًا، وكل شيء في القرآن الكريم نظن فيه التناقض فيما يبدو لنا عند تدبره جيدًا يتبين لنا أنه ليس متناقضًا؛ لأن الله يقول: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82], وإذا ظهر للعبد تناقض فيما يرى هو, فليعلم أن القصور في علمه أو فهمه، وأن القرآن الكريم لا تناقض فيه ألبتة، وهنا رب العزة والجلال في هذه الآيات ذكر أنه سبحانه وتعالى مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه، وفرَّق بين الأمرين كما ذكر في سورة الحديد، وفيها أخبر عز وجل أنه خلق السموات والأرض، وأنه استوى على عرشه، وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه، فعلوُّه إذًا لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوَّه، بل كلاهما حق.

الثاني: مما يؤكد أنه لا تناقض بين المعية والعلو: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو، فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق، فإنه يقال: “ما زلنا نسير والقمر معنا” ولا يعد ذلك تناقضًا، ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض، فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق، ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه وتعالى من باب أولى؛ وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان، وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما ذكر في (الرسالة الحموية) وهي ضمن مجموع الفتاوى؛ إذ يقول: “وذلك أن كلمة “مع” في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة, من غير وجوب مماسّة أو محاذاة عن يمين أو شمال.

فإذا قُيِّدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا.

وهكذا، ويقال: هذا المتاع معي؛ لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك، فالله سبحانه وتعالى مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة”.

وصدق -رحمه الله- فإن من كان عالمًا بك، مطّلعًا عليك، مهيمنًا عليك، يسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويدبر جميع أمورك-فهو حقيقة معك، وإن كان فوق عرشه حقيقة؛ لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.

الثالث: مما نبين به عدم تناقض المعية مع العلو: أنه لو فُرض اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق – لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعًا في حق الخالق عز وجل الذي جمع لنفسه بينهما؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11]، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه”. وكما أكدنا سابقًا, فإن صفات الله عز وجل كما تليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى, وهو منزه أن يكون مثل المخلوقين، ولا يليق أن يعتقد ذلك في حق ذي الجلال سبحانه وتعالى؛ بل إنه من أبطل الباطل، بل أمحل المحال.

2. أنواع المعية, والرد على الحُلُولِيَّة:

أ. أنواع المعية:

معية الله سبحانه وتعالى وردت في آيات القرآن الكريم, وهي على نوعين:

الأول: معية عامة شاملة لجميع المخلوقات: فهو سبحانه وتعالى مع كل شيء بعلمه، وقدرته، وقهره، وإحاطته، لا يغيب عنه شيء، ولا يعجزه شيء، وهذه المعية هي المذكورة في آيات سورة الحديد، وسورة المجادلة.

وآية سورة الحديد هي قول الحق سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4].

فهو يخبر عن نفسه سبحانه بأنه وحده هو الذي خلق السموات والأرض -أي: أوجدهما على تقدير وترتيب سابق- في مدة ستة أيام، ثم علا بعد ذلك وارتفع على عرشه؛ لتدبير أمور خلقه، وهو مع كونه فوق عرشه لا يغيب عنه شيء من العالمين، ولا يغيب عنه شيء من العالم العلوي أو السفلي، فهو {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} أي: يدخل في الأرض، {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}، {وَمَا يَعْرُجُ} أي: يصعد إلى السماء، ولا شك أن من كان علمه وقدرته محيطين بجميع الأشياء، فهو مع كل شيء؛ ولذلك قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} هذه هي المعية الأولى.

الثاني: معية خاصة لبعض المخلوقات: وهي معية الله عز وجل لرسله سبحانه وتعالى ولأوليائه، وتكون هذه المعية الخاصة بالنصر، والتأييد، والمحبة، والتوفيق، والإلهام، فيما قال عن نبيه صلى الله عليه وسلم فيما ذكره لأبي بكر الصديق: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} حينما كانا في الغار، وقد أحاط بفم الغار المشركون. والمراد بالمعية هنا هي: معية النصر، والعصمة من الأعداء.

وقوله سبحانه وتعالى لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] أيضًا من أنواع المعية الخاصة، وهو خطاب لموسى وهارون -عليهما السلام- كي لا يخافا بطش فرعون؛ لأن الله عز وجل معهما بنصره وتأييده.

وكذلك بقية الآيات التي يخبر الله عز وجل فيها عن معيته للمتقين الذين يراقبون الله عز وجل في أمره ونهيه، ويحفظون حدوده سبحانه وتعالى, وكذلك أيضًا للمحسنين في قوله: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون} الذين يلتزمون الإحسان في كل شيء، والإحسان يكون في كل شيء بحسبه، فهو في العبادة مثلًا: ((أن تعبد الله سبحانه وتعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام.

وكذلك أخبر ربنا سبحانه وتعالى عن معيته للصابرين الذين يحبسون أنفسهم عما تكره، ويتحملون المشقة والأذى في سبيل الله سبحانه وتعالى وابتغاء وجهه صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصيته، وصبرًا على قضائه؛ فهذه المعية تختلف ولا شك عن المعية الأولى.

ب. مباينة الله سبحانه وتعالى لخلقه, والرد على الحلولية:

من الصواب أن نقول: إن الله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه عالٍ عليه حقيقة؛ لأن المعية لا تعني الممازجة، أو المماسة، أو المخالطة، والله سبحانه وتعالى منزَّه عن ذلك، ولكن أصحاب دعوة الحلول والاتحاد -قاتلهم الله سبحانه وتعالى- قد ذكروا ذلك، وقالوا: معنى أن الله سبحانه وتعالى مع خلقه أنه عز وجل قد حلَّ فيهم وأنه معهم وبينهم، وهذا باطل.

ونود أن نوضح بطلان ذلك من وجوه متعددة، ذكرها وأحسن فيها وأفاض القول فيها شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله- حيث يقول في معرض ردّه على من أوَّل المعية وقال: إنها مجاز, ولم يحملها على الحقيقة: إن الله سبحانه وتعالى قد بيّن في القرآن غاية البيان أنه فوق سمواته، وأنه مستوٍ على عرشه، وأنه بائن عن خلقه، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه رفع المسيح إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب، إلى سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته سبحانه وتعالى لخلقه وعلوه على عرشه، وهذه نصوص محكمة فيجب رد المتشابه إليها. وهؤلاء -أي: الحلولية- تمسكوا بالمتشابه، وردُّوا المحكم، وجعلوا الكل مجازًا.

ويقال لهم أيضًا: إن الله سبحانه وتعالى قد بيَّن في غير موضع أنه خلق السموات والأرض وما بينهما، وأن له ملك السموات والأرض وما بينهما، وأن الأرض قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، وأن كرسيه وسع السموات والأرض، وأنه يُمسك السموات والأرض، وهذه نصوص صريحة واضحة في أن الرب سبحانه وتعالى ليس هو عين هذه المخلوقات، ولا صفة منها، ولا جزءًا منها؛ فإن الخالق غير المخلوق، وليس بداخل فيها محصور؛ بل هي صريحة في أنه مباين لها، وأنه ليس حالًّا فيها، ولا محلًّا لها، فهادية هذه الآيات للقلوب، وعاصمة لها أن يُفهم من قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} أنه سبحانه عين المخلوقات، أو حالٌّ في المخلوقات، أو محلٌّ لها؛ لأنه إذا كان هناك خالق وهناك مخلوق، فلا يمكن أن يحل الخالق في المخلوق، بل يتنزه الخالق عن أن يكون داخلًا وحالًّا في المخلوق، فما ذكروه إذًا هو عين الباطل.

ومن ذلك أيضًا أننا نقول لهم: ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته – أي: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}- أنه سبحانه وتعالى مختلط بالمخلوقات ممتزج بها، ولا تدل لفظة “مع” على هذا بوجه من الوجوه، فضلًا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه؛ فإن “مع” في كلامهم لصحبته اللائقة، وهي تختلف باختلاف متعلقاتها ومصحوبها، فكون نفس الإنسان معه لون، وكونه علمه وقدرته وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها، فيصح أن يقال: زوجته معه، ولو كان بينها مسافة بعيدة، وكذلك يقال: مع فلان دار كذا، وضيعته كذا، فلو تأملت نصوص المعية في القرآن، كقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح: 29] عليه الصلاة والسلام، وقوله: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} [الحديد: 14]، وقوله: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83]، وقول الله سبحانه وتعالى: {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين} [التوبة: 119]، {وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِين} [البقرة: 43]، {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيل} [هود: 40]، وأضعاف ذلك -هل يقتضي موضع واحد منها مخالطة في الذوات التصاقًا وامتزاجًا؟ فكيف تكون حقيقة المعية إذًا في حق الرب سبحانه وتعالى ذلك, حتى يدعى أنها مجاز لا حقيقة؟! فليس في ذلك ما يدل على أن ذات الله سبحانه وتعالى فيهم، أو ملاصقة لهم، أو مخالطة، أو مجاورة بوجه من الوجوه, وغاية ما تدل عليه “مع”: المصاحبة، والموافقة، والمقارنة في أمر من الأمور، وهذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقه.

فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق العموم -كان من لوازم ذلك علمه بهم، وتدبيره لهم، وقدرته سبحانه وتعالى عليهم، وإذا كان ذلك خاصًّا، كقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون} كان من لوازم ذلك معيته سبحانه وتعالى لهم بالنصرة، والتأييد، والمعونة.

فمعية الله تعالى مع عبده نوعان: عامة، وخاصة، وقد اشتمل القرآن الكريم على النوعين، وليس ذلك بطريق الاشتراك اللفظي، بل حقيقتها ما تقدم من الصحبة اللائقة، وإذا كان حينما ذكر الله عز وجل بأن في الآيات كقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} أو: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أو: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا} إذا كانت آيات هذه المعية في المخلوق تدل على الصحبة المناسبة لها، أو اللائق بها دون مخالطة، أو ممازجة، أو مماسة، فكيف يليق بذات رب العزة والجلال أن يقول أحد فيه: إن معيته بخلقه تقتضي الحلول أو الممازجة, وقد أخبر الرب سبحانه وتعالى أنه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه، وفرق بين الأمرين كما ذكرنا في آية سورة الحديد, وآية سورة المجادلة؟!

وتأمل أيضًا كيف أن الرب سبحانه وتعالى مثلًا قال في قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} فتأمل كيف جعل نفسه سبحانه وتعالى رابع الثلاثة، وسادس الخمسة؟ إذ هو غيرهم سبحانه بالحقيقة، ولا يجتمعون معه في جنس ولا فصل، قال: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} فهنا فصل بين نفسه سبحانه وتعالى وبين خلقه، وقال عز وجل معلنًا غضبه على من جعله كخلقه، أو حالًّا في خلقه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73]؛ لأن هؤلاء ساووا بينه وبين الاثنين في الإلهية، ساووا بين رب العزة والجلال وبين من اتخذوه إلهًا من دون الله، وهو -فيما زعموا- عيسى ابن مريم عليه السلام وهو بريء من ذلك، وهذا لا يصح، فالله عز وجل قال: {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} هنا؛ لأن هؤلاء القوم ساووا بين الله وبين عيسى ابن مريم؛ فقال: {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} ولكن لما كانت هناك ولم يكن هناك مساواة بين الخالق وبين المخلوق، أو ممازجة، أو مخالطة قال سبحانه: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}.

والعرب تقول: رابع أربعة، وخامس خمسة، وثالث ثلاثة، لما يكون فيه المضاف إليه من جنس المضاف كما قال تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40]؛ لأن محمدًا وأبا بكر كلاهما من جنس واحد، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، فإن كان من غير جنس قالوا: رابع ثلاثة، وخامس أربعة، وسادس خمسة، وهذا ما جاء عنه وما جاء ذكره في القرآن الكريم، فالله عز وجل قال: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} فدلت الآية بمنطوقها ولفظها على أنه سبحانه وتعالى ليس كخلقه، وليس ممازجًا لهم، وأن معيته لا تعني بحال أنه قد حلّ فيهم سبحانه وتعالى.

وتأمل أيضًا ما قاله رب العزة والجلال في المعية الخاصة, التي خاطب بها موسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وتأمل أيضًا ما قال في المعية العامة: {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُون} [الشعراء: 15]، فتأمل كيف أفرد ضمير نفسه حيث أفرد موسى وأخاه عن فرعون؛ فقال {إِنَّنِي مَعَكُمَا}؟ وكيف جمع الضمير لما أدخل فرعون معهما في الذكر، فجعل الخاص مع المعية الخاصة، والعام مع المعية العامة؟ وهذا يوضح أن المعية بحسبها، وعلى ما يليق بها، وأن رب العزة والجلال سبحانه وتعالى ليس ممازجًا لخلقه، وما يذكره بعض الناس الذين يذكرون ذلك قد ضلوا في ذلك ضلالًا مبينًا.

أيضًا نبين من خلال هذا الأمر ما ذكره الإمام الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله- في كتابه (القواعد المثلى) حيث ذكر كلامًا وجيهًا جميلًا، قال فيه -رحمه الله-:

وتفسير معية الله تعالى لخلقه, بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:

الوجه الأول: أنه مخالف لإجماع السلف، فما فسرها أحد منهم بذلك، بل كانوا مجمعين على إنكاره.

الوجه الثاني: أنه منافٍ لعلو الله سبحانه وتعالى الثابت بالكتاب والسنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف، وما كان منافيًا لما ثبت بدليل كان باطلًا بما ثبت به ذلك المنافي؛ وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلًا بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف.

الوجه الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله سبحانه وتعالى, ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم -أن يقول: إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطًا بهم، أو حالًّا في أمكنتهم، فضلًا عن أن تستلزم ذلك، ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة، جاهل بعظمة الرب سبحانه وتعالى.

فإذا تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني، وهو أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا، وقدرة، وسمعًا، وبصرًا، وتدبيرًا، وسلطانًا، وغير ذلك مما يقتضي ربوبيته سبحانه، مع علوه عز وجل على عرشه فوق جميع خلقه، وهذا -بحمد الله- ظاهرٌ من آيتي سورة الحديد والمجادلة؛ لأنهما حق، ولا يكون ظاهر الحق إلا حقًّا، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدًا بحال من الأحوال.

ثم يقول ابن عثيمين: ويدل على أنه ليس مقتضاها -أي: المعية- أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق: أن الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها؛ مثبتًا لنفسه سبحانه وتعالى أنه فوق عرشه، ولا يتعارض هذا مع هذا بحال, فكلاهما حق.

3. إثبات قرب الله تعالى:

أ. أدلة إثبات قرب الله سبحانه وتعالى:

والأدلة على ذلك نسوقها من القرآن الكريم، وورد أيضًا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد ذلك ويدل عليه.

ومن كتاب الله سبحانه وتعالى ما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد} [ق: 16], فهذه الآية أثبتت قرب الرب سبحانه وتعالى لعموم الإنسان، وفي قول الرب سبحانه وتعالى في سياق الآيات التي تتحدث عن المحتضر يقول عز وجل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون} [الواقعة: 85], وكذلك أيضًا في قول الله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186], وما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين} [الأعراف: 56]؛ فهذه آيات صريحة تثبت قرب الرب سبحانه وتعالى.

ب. معنى قرب الله تعالى من داعيه، ومن المحسنين:

نود هنا أن نبين ونوضح الآيات التي ورد فيها قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}, وقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين}.

نقول: إن قرب الله سبحانه وتعالى إنما ورد خاصًّا لا عامًّا، وهو نوعان: قربه من داعيه بالإجابة، ومن مطيعه بالإثابة، ولم يجئ القرب كما جاءت المعية خاصة وعامة، فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد، وأنه قريب من الكافر والفاجر، وإنما جاء خاصًّا.

كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}, فهذا قربه من داعيه وسائله به، وقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين}.

ويقول شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله- في توضيح معنى هذا القرب الوارد في آيتي سورة “البقرة” و”الأعراف”, ألا وهما: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}, و{إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين}:

والذي عندي أن الرحمة لمّا كانت من صفات الله تعالى، وصفاته قائمة بذاته، فإذا كانت قريبة من المحسنين؛ فهو قريب سبحانه منهم قطعًا.

وقد بينَّا أنه سبحانه قريب من أهل الإحسان ومن أهل سؤاله بإجابته، ويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه، فيقربه ربه منه بإحسانه إليه، فإنه من تقرب منه شبرًا يتقرب منه ذراعًا.

ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربًا ليس له نظير.

وهو مع ذلك فوق سمواته على عرشه، كما أنه سبحانه وتعالى يقرب من عباده في آخر الليل وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل “عرفة” عشية “عرفة” وهو على عرشه، فإن علوّه سبحانه على سمواته من لوازم ذاته، فلا يكون قطُّ إلا عاليًا، ولا يكون فوقه شيء ألبتة.

كما قال أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم: ((وأنت الظاهر, فليس فوقك شيء)) وهو سبحانه قريب في علوه, عالٍ في قربه.

كما في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس ارْبعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)).

هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخبر فيه -وهو أعلم الخلق بربه- أن الله سبحانه وتعالى أقرب إلى أحدهم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سمواته على عرشه، مطلع على خلقه, يرى أعمالهم، ويعلم ما في بطونهم، وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر.

فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال بأن الله عز وجل أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته، وهو الذي أخبر أن الله عز وجل فوق سماواته على عرشه، وكلاهما حق لا يتناقضان؛ لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وحْيٌ من عند الله سبحانه وتعالى, فقرب الله من داعيه وسائله حق، وهو مع ذلك عالٍ فوق جميع خلقه.

والذي يسهّل فهمَ هذه المسألة هي أن تعرف عظمة الرب سبحانه وتعالى وإحاطته بخلقه، وأن السموات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه وتعالى يقبض السموات بيده والأرض بيده الأخرى ثم يهزهن سبحانه، فكيف يستحيل في حقِّ مَنْ هذا بعض عظمته أن يكون سبحانه وتعالى فوق عرشه.

ومع ذلك يقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش. هذا أمر واضح، ولكن الذين ظنوا أن ذلك تناقض ما عرفوا قدر الله، وجلال الله، وعظمة الله سبحانه وتعالى.

جـ. المراد بالقرب الوارد في سورة “ق”, وسورة “الواقعة”:

بيّنّا معنى القرب الوارد في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} وكذلك في قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين}, ونودّ هنا أن نعرف أيضًا معنى القرب الوارد في قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد}, وفي قول الرب سبحانه وتعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون}.

ولا يجوز بحال من الأحوال أن يراد بالقرب هنا مجرد العلم، فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال: إنه أقرب إليه من غيره لمجرد علمه به ولا لمجرد قدرته عليه. ثم إنه سبحانه وتعالى عالم بما يُسرّ من القول وما يُجهر به وعالم بأعماله.

فلا معنى لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه أقرب إلى العبد منه، فإن حبل الوريد قريب إلى القلب ليس قريبًا إلى قوله الظاهر، وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه، قال الرب سبحانه وتعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [الملك: 13] وقال سبحانه وتعالى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} [الملك: 14].

ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد} [ق: 16، 17] فأخبر سبحانه وتعالى أنه يعلم ما توسوس به نفسه، ثم قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد} فأثبت العلم وأثبت القرب، وجعلهما شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر. هناك إذًا فرق بين العلم والقرب، والآية وضحت ذلك.

ومما يوضح ذلك أكثر أن الله سبحانه وتعالى قيد القرب بقوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد} [ق: 17-18] وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، أو أن ذاته أقرب إلى الميت من أهله، فهذا في غاية الضعف.

وذلك أن الذين يقولون: إنه في كل مكان، أو إنه قريب من كل شيء بذاته لا يخصّون بذلك شيئًا دون شيء، ولا يمكن لمسلم أن يقول: إن الله قريب من الميت دون أهله، ولا إنه قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء، وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم وهو عندهم في جميع بدن الإنسان, أو قريب من جميع بدن الإنسان؟! كل هذا باطل.

سياق الآيتين إذًا ومعناهما يدل على أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة, وليس العلم.

وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ذلك فقال: وسياق الآيتين يدل على أن المراد: الملائكة، فإنه قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد *  إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد}, فقيد القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقي المتلقيين, قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد}. ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال، ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنًى مناسب.

وكذلك قوله في الآية الأخرى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم} [الواقعة: 83] إلى قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون} [الواقعة: 85] فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال, ولا قال: {وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون}.

وأيضًا فإنه قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال.

وذات الرب سبحانه وتعالى إذا قيل: هي في مكان، أو قيل: قريبة من كل موجود؛ لا يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال.

ولا يكون أقرب إلى شيء دون شيء، ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص الوارد في قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}, فإن ذاك إنما هو قربه من داعيه أو من عبده إذا دعاه.

ومما يدل على أن المراد قرب الملائكة في آية: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون} أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد أنه -سبحانه- يفعل ذلك بجنوده من الملائكة، فإن صيغة “نحن” يقولها المتبوع للمطاع العظيم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة لربهم وهو خالقهم وربهم سبحانه وتعالى؛ إذًا: المراد بالقرب في هاتين الآيتين هو قرب الملائكة.

error: النص محمي !!