Top
Image Alt

صفة النزول لله -تبارك وتعالى- وأدلتها الشرعية

  /  صفة النزول لله -تبارك وتعالى- وأدلتها الشرعية

صفة النزول لله -تبارك وتعالى- وأدلتها الشرعية

1. أدلة إثبات نزول الله سبحانه وتعالى:

كتب الحديث -سواء كانت من الصحيحين أو من السنن والمسانيد وغير ذلك- قد روت أحاديث كثيرة في إثبات نزول الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا، كما أن علماء الاعتقاد أوردوا ذلك في كتبهم, ونصوا على أنه من معتقد أهل السنة والجماعة, ومن هؤلاء: إمام الأئمة الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة -رحمه الله تعالى- الذي عقد في كتابه (التوحيد) بابًا حول هذا الأمر، وسنذكر بعض الأحاديث التي أوردها في كتابه بإسنادها، وهي مروية في الصحيحين وغيرهما.

وآثرنا كتاب ابن خزيمة؛ لأنه من أئمة علماء الاعتقاد, ولأن الكتاب يتعلق بالتوحيد وإثبات صفات الرب سبحانه وتعالى, وهو أيضًا من المحدِّثين.

قال -رحمه الله- في كتاب (التوحيد) باب: ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام، رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب عز وجل إلى السماء الدنيا كل ليلة: “نشهد شهادة مقرٍّ بلسانه, مصدّق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية”.

وهذا يبين براءة أهل السنة -رحمهم الله تعالى- مما يتهمهم به أهل الضلال، في أنهم حينما يثبتون صفات الرب سبحانه وتعالى يقعون في التمثيل أو التشبيه، وهنا ينفي الكيفية عندما آمن بأحاديث النزول عن الرب سبحانه وتعالى, فأهل السنة يثبتون الصفات ولكنهم مبرءون عن الكيفية، وهذا واضح من كتبهم، ومنها هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

ثم استمر يقول: “لأن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله عز وجل لم يترك ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول, وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصحّ أن الله عز وجل فوق سماء الدنيا”؛ لأن النزول يكون من أعلى إلى أسفل -كما سيأتي توضيح ذلك أكثر- ومن هنا قال: “في هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله عز وجل فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ينزل إليه؛ إذ محال في لغة العرب أن يقال: نزل من أسفل إلى أعلى, ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل”.

ثم ساق بعد ذلك بعض الأحاديث بإسناده -رحمه الله- فقال: حدثنا بندار محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الأغر -وهو أبو مسلم المدني الكوفي- قال: وحدثنا محمد بن أبي صفوان قال: حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا شعبة قال: أبو إسحاق قال: سمعت الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يمهل حتى يذهب ثلث الليل فينزل، فيقول: هل من سائل؟ هل من تائب؟ هل من مستغفر؟ هل من مذنب؟)) فقال له رجل: حتى يطلع الفجر؟ قال: ((نعم)) هذا حديث بندار، وفي حديث بهز بن أسد: ((هل من تائب؟ هل من مستغفر؟)) فقال رجل لأبي إسحاق: حتى يطلع الفجر؟ قال: نعم.

ثم ساق حديثًا آخر، فقال: حدثنا بندار قال: حدثنا ابن مهدي عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن الأغر قال: “أشهد على أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأنا أشهد عليهما بذلك- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل نزل إلى سماء الدنيا, فيقول: هل من مستغفر؟ هل من داعٍ؟ هل من سائل؟ حتى يطلع الفجر)).

قال أبو بكر: الحجازيون والعراقيون يختلفون في كنية الأغر، يقول الحجازيون: الأغر: أبو عبد الله. ويقول العراقيون: أبو مسلم؛ لأن ابن خزيمة -رحمه الله- في هذا الحديث قال بأن الأغر هو أبو مسلم؛ ولذلك علق بهذا التعليق وقال: وغير مستنكر أن يكون للرجل كنيتان، وقد يكون للرجل ابنان: اسم أحدهما عبد الله، واسم الآخر مسلم، فيكون له كنيتان على اسم ابنيه، وكذا ذو النورين له كنيتان: أبو عمرو، وأبو عبد الله، هذا كثير في الكنى.

هكذا ذهب ابن خزيمة -رحمه الله- إلى أن الأغر هذا رجل واحد وله كنيتان، فيكنى عند الحجازيين بأبي عبد الله، وعند العراقيين بأبي مسلم. والصحيح أنهما اثنان: أبو عبد الله الأغر هو سليمان، وأبو مسلم الأغر أيضًا شخص آخر، وليس واحد منهما له كنيتان؛ وعليه فإن كلام ابن خزيمة -رحمه الله- في مثل ذلك مخالف للصواب في هذا الأمر؛ فأبو مسلم يختلف عن أبي عبد الله -رحم الله تعالى الجميع.

والأغر الوارد في أول حديث ذكرناه هو أبو مسلم المدني الكوفي -رحمه الله- وهو غير سليمان الأغر الذي يكنى: أبا عبد الله، والمؤلف هنا -أي: ابن خزيمة -رحمه الله- ذكر بأنهما واحد.

ثم ذكر بعد ذلك حديث الأعمش عن أبي صالح قال: “ذكر عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة رضي الله عنهما وأبي إسحاق وحبيب, عن الأغر, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يمهل حتى يذهب شطر الليل الأول، ثم ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينشق الفجر))”.

ثم ساق أيضًا حديثًا آخر بإسناد، قال فيه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن ابن شهاب عن أبي عبد الله الأغر، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ينزل الله سبحانه وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر, فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) هكذا روى هذا الحديث، وقيده بالثلث الآخر.

وقال -رحمه الله-: وقال لنا أحمد مرة في خبر مالك قال: حدثني عمي قال: حدثني مالك بن أنس، وحدثنا يحيى بن حكيم، قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن أبي سلمة والأغر كليهما عن أبي هريرة رضي الله عنه, أخبرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:… وذكر الحديث، وفيه: ((ينزل رب العزة والجلال، حين يبقى ثلث الليل الآخر)).

وهكذا أيضًا ذكر روايات متعددة عن أبي هريرة رضي الله عنه, وفيها: ((إذا مضى شطر الليل الأول, أو ثلثاه ينزل الله سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من سائل يُعطى؟ هل من داعٍ يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ حتى ينفجر الصبح)) هكذا ذكر هذه الروايات ابن خزيمة -رحمه الله- إلى جانب روايات أُخر.

وهذه الأحاديث التي ساقها ابن خزيمة -رحمه الله- تشتمل على قضيتين:

الأولى: إثبات النزول, وجميعها قد أثبته.

الثانية: وقت النزول وقد اختلفت فيه الروايات، وأصحها: رواية الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه, وأما الروايات التي عن أبي هريرة من غير طريق الزهري، فلم تذكر أن النزول يكون في الثلث الأول، وإنما قالت: ((إذا مضى ثلث الليل الأول)) وفي بعضها: ((شطر الليل الأول أو ثلثاه)) أي: بعد ثلث الأول، من غير تحديد الوقت.

ثم كانت رواية الزهري -رحمه الله- موضحة لوقت النزول -وهو الثلث الأخير- وبقية الروايات الأخرى من غير أبي هريرة لم تحدد وقت النزول، وإنما هي عامة.

أما رواية الزهري عن أبي هريرة فهي مبينة للوقت، وهي الصحيحة المحفوظة، وقد قال ذلك ابن القيم -رحمه الله- تعالى.

وقال القاضي عياض: الصحيح رواية: ((حين يبقى ثلث الليل الآخر)) كما قاله شيوخ الأحاديث، وهو الذي تظاهرت عليه الأخبار بلفظه ومعناه، قال: ويحتمل أن يكون النزول بعد الثلث الأول, وقوله: ((من يدعوني؟)) بعد الثلث الأخير.

وقال النووي -رحمه الله- في توجيه الأحاديث الواردة في ذلك: ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أُعلِم بأحد الأمرين في وقت فأخبر به، ثم أعلم بالآخر في وقت آخر فأعلم به، وسمع أبو هريرة رضي الله عنه الخبرين فنقلهما جميعًا، وسمع أبو سعيد الخدري خبر الثلث الأول فقط، فأخبر به مع أبي هريرة رضي الله عنهم كما روى المؤلف، وكما هو في بعض طرق مسلم، وهذا تعليل له وجه.

الشاهد من كل ذلك: أن أصح الروايات هي رواية أبي هريرة رضي الله عنه, وأن هذه الروايات ليس بينها تعارض بحيث إننا نرفض الأحاديث الواردة في ذلك؛ لأنها أحاديث صحيحة وكلها أثبتت نزول الرب سبحانه وتعالى, وتوجيه وقت النزول فقط هو الذي فيه خلاف، وهذا أمر قد ورد في بعض الأحاديث وجمع أهل العلم بينها, وهذا هو ما نريد إثباته، وهو أدلة إثبات نزول الرب سبحانه وتعالى.

2. أقوال السلف في النزول:

– قال الإمام اللالكائي -رحمه الله- في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة)): “سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب سبحانه وتعالى, رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرون نفسًا، وروى ذلك من الصحابة: ابن مسعود وابن عباس وأم سلمة، ومن التابعين: عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وكعب الأحبار”, ثم ساق -رحمه الله- روايات كثيرة في ذلك.

الشاهد من هذا: أن الإمام اللالكائي قد ذكر بعض الصحابة الذين رووا أحاديث النزول، وأشار إلى بعض التابعين؛ وهذا يدل على تواتر وكثرة الروايات في هذا الأمر.

– وقال الإمام الحافظ أبو عثمان الصابوني رحمه الله -وهو من أئمة علماء الحديث والاعتقاد، ومن أئمة الأشاعرة المثبتين لصفات الرب سبحانه وتعالى كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما ورد في كتابه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث): “ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا, من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف”.

ويلاحظ أن نصه -رحمه الله- على ذلك؛ ليبين أن أهل السنة والجماعة حينما يثبتون ما جاء في النص, لا يخرجون عن الإثبات الصحيح، فهم يثبتون بلا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، وينصون على ذلك في كتبهم؛ ولذلك قال -رحمه الله-: “بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويَكِلون علمه إلى الله سبحانه وتعالى”, أي: علم الكيفية التي نفاها. وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان, المذكورين في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] وقوله عز وجل: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]”.

وقال أيضًا -رحمه الله-: “قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان: أن الله ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم, وقد قال الله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] وقال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]. نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين كيف ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه؛ إذ كنا قد أُمرنا به في قوله: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب} [آل عمران: 7]”.

هذا ما ذكره الإمام الحافظ أبو عثمان الصابوني -رحمه الله- عن معتقد أهل السنة والجماعة في ذلك، وما ساقه عن أبي بكر الإسماعيلي -رحمه الله تعالى.

– ما رواه عبد الرحمن بن منده -رحمه الله- وهو من أئمة أهل السنة والجماعة:

قال -رحمه الله- وقد روى بإسناده عن حرب بن إسماعيل قال: “سألت إسحاق بن إبراهيم قلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل الله إلى السماء الدنيا))؟ قال: نعم، ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا كما شاء, وكيف شاء”.

وقال عن حرب: “لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى, كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين؛ لقول الله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون} [الأنبياء: 23]”.

وروى أيضًا عن حرب قال: “هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم، كان قولهم: إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا, كيف شاء وكما شاء، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11]”.

وروى كذلك عن حرب قال: “قال إسحاق بن إبراهيم: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توهمَ ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين؛ وذلك أنه يمكن أن يكون موصوفًا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؛ لأنه الخالق يصنع كيف شاء”.

فكل أقوال الأئمة كاللالكائي، والحافظ الصابوني، وابن منده -رحمهم الله تعالى- وغيرهم قد أشارت إلى اتفاق أهل السنة والجماعة, وسلف الأئمة الصالحين في هذه المسألة العظيمة الجليلة، وهي: نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا.

3. الرد على من تأول نزول الله سبحانه وتعالى على غير معناه:

أ. الرد على من تأول النزول, بأنه مجرد إيصال الكتاب:

ذكرنا أن أهل السنة والجماعة آمنوا بالأحاديث الواردة في نزول الرب سبحانه وتعالى, وأخذوها على ظاهرها دون أن يكيفوا أو يمثلوا أو يشبهوا؛ لكن بعض الفِرق خالفت هذه المسألة, وخالفوا منهج أهل السنة والجماعة, وأوَّلوا النزول بتأويل مخالف لما عليه عقيدة السلف -رحمهم الله تعالى- فمن المناسب أن نذكر تأويلاتهم ونتناولها بالردِّ ؛ حتى لا تبقى أدنى شبهة في ذلك.

مما قالوا –أي: أهل السنة والجماعة في مسألة النزول-: إن لفظ النزول والتنزيل والإنزال حقيقته مجيء الشيء أو الإتيان به من أعلى إلى أسفل. هذا هو المفهوم منه في اللغة والشرع كقول الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا} [ق: 9] وقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر: 4] وقوله {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين} [الشعراء: 193], وقد أخبر الله تعالى أن جبريل نزل بالقرآن من عنده، وأنه {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد}، وتواترت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا.

هذا ما رواه أهل السنة والجماعة وآمنوا به وقالوه، أما من خالفهم فادعوا أن كل ذلك مجاز، وأن المراد بالتنزيل هو مجرد إيصال الكتاب، هكذا قالوا، واستندوا في دعواهم إلى قول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ } [الحديد: 25] وإلى قوله: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] قالوا: معلوم أن الحديد والأنعام لم تنزل من السماء إلى الأرض، وعليه أوَّلوا لفظ النزول والتنزيل، وأخرجوهما عن حقيقتهما، وعليه صرفوا وأولوا نزول الحق سبحانه وتعالى الوارد في الأحاديث الصحيحة, التي رواها أصحاب السنن، والصحاح والمسانيد وغير ذلك.

وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله- ومما قاله: إن ما ذكروه من مجاز النزول، وأنه مطلق الوصول -لا يُعرف في كتاب ولا سنة، ولا لغة, ولا شرع، ولا عرف، ولا استعمال؛ فلا يُقال لمن صعد إليك في سلم: إنه نزل إليك، ولا لمن جاء من مكان مستوٍ: نزول، ولا يقال: نزل الليل والنهار إذا جاءا, وقولهم هذا وضع جديد ولغة غير معروفة.

ثم نقول لهم أيضًا: إن هذا يرفع الأمان والثقة باللغات، ويبطل فائدة التخاطب؛ إذ لا يشاء السامع أن يخرج اللفظ عن حقيقته إلا وجد إلى ذلك سبيلًا.

ومن ذلك أيضًا أن الله سبحانه وتعالى لم يقل: أنزلنا الحديد من السماء, ولا قال: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج من السماء, فقوله معلوم أن الحديد والأنعام لم تنزل من السماء إلى الأرض، وهذا لا يخرج لفظ النزول عن حقيقته؛ إذ عدم النزول من مكان معين لا يستلزم عدمه مطلقًا، وهذا واضح غاية الوضوح.

ومن ذلك أيضًا أن الله سبحانه وتعالى ذكر الإنزال على ثلاث درجات:

إحداها: إنزال مطلق كقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} فأطلق الإنزال, ولم يذكر مبدأه كقوله: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}.

الثانية: الإنزال من السماء كقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا} [الفرقان: 48] الثالثة: إنزال منه كقوله: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم} [الزمر: 1] وكقوله: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت: 42] وكقوله: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم} وقال: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 114] فأخبر أن القرآن منزَّل منه، والمطر منزَّل من السماء، والحديد والأنعام منزَّلان نزولًا مطلقًا، وبهذا يظهر تلبيس المعطلة والجهمية والمعتزلة، حيث قالوا: إن كون القرآن منزَّلًا لا يمنع أن يكون مخلوقًا كالماء والحديد والأنعام, حتى غلا بعضهم فاحتج على كونه مخلوقًا بكونه منزَّلًا، وأن الإنزال بمعنى الخلق.

وجوابه: أن الله سبحانه وتعالى فرّق بين النزول منه والنزول من السماء، فجعل القرآن منزَّلًا منه والمطر منزَّلًا من السماء, وحكم المجرور بمن في هذا الباب حكم المضاف والمضاف إليه.

والمضاف إليه سبحانه وتعالى نوعان:

أحدهما: أعيان قائمة بنفسها؛ كبيت الله، وناقة الله، وروح الله، وعبده، فهذا إضافة مخلوق إلى خالقه، وهي إضافة اختصاص وتشريف.

الثاني: إضافة صفة إلى موصوفها؛ كسمعه وبصره وعلمه وحياته وقدرته وكلامه ووجهه ويديه ومشيئته ورضاه وغضبه، فهذا يمتنع أن يكون المضاف فيه مخلوقًا منفصلًا، بل هو صفة قائمة به سبحانه، إذا عُرف هذا فهكذا حكم المجرور بمن، فقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] لا يقتضي أن تكون أوصافًا له قائمة منه, وقوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: 13] وقوله: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} يقتضي أن يكون هو المتكلم به وأنه منه بدأ وإليه يعود، ولكن الجهمية والمعتزلة والمعطلة لبّسوا هذا الأمر ولم يهتدوا إلى هذا الفُرْقان، وجعلوا الجميع بابًا واحدًا، والبدع يجرُّ بعضها إلى بعض؛ لذلك قابل الاتحادية هؤلاء، وجعلوا الجميع منه بمعنى التبعيض والجزئية، وأن الكون كله وحدة واحدة، ولم يهتدِ هؤلاء إلى الحق الذي جاء من عند الله سبحانه وتعالى.

ونرد عليهم -أي: على المعطلة المؤولة- بأن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن الكريم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25], فالكتاب كلامه والميزان عدله فأخبر أنه أنزلهما مع رسله, ثم قال: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] ولم يقل: وأنزلنا معهم الحديد, فلما ذكر كلامه وعدله أخبر أنه أنزلهما مع رسله، ولما ذكر مخلوقه الناصر لكتابه وعدله أطلق إنزاله، ولم يقيده بما قيد به إنزال كلامه، فالمسوي بين الإنزالين مخطئ.

إن نزول الرب سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرواه عنه نحو ثمانٍ وعشرين نفسًا من الصحابة، والحافظ اللالكائي -رحمه الله- ذكر أنه ورد من رواية عشرين نفسًا من الصحابة، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون حقيقته محالا وباطلا, وهو صلى الله عليه وسلم يتكلم بها دائمًا ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة، ولا يقرن باللفظ ما يدل على مجازه بوجه ما؛ بل يأتي بما يدل على إرادة الحقيقة كقوله: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: وعزتي وجلالي، لا أسأل عن عبادي غيري)) وقوله: ((من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ من الذي يدعوني فأستجيب له؟)) وقوله: ((فيكون كذلك حتى يطلع الفجر، ثم يعلو على كرسيه)) فهذا كله بيان لإرادة الحقيقة, ومانع من حمله على المجاز؟

وأيضا نقول لهم: إذا ثبت في الروايات -وأنتم تعلمون ذلك- وثبتت صحتها؛ لأنها وردت في أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى, إذ جاء فيها في قول الله عز وجل: ((من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) إذا ضممت هذا إلى قوله: ((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)) وإلى قوله: ((لا أسأل عن عبادي غيري)) -علمتَ أن هذا مقتضى الحقيقة لا المجاز، وأن هذا السياق نص في معناه لا يَحتمل غيره بوجه ما، وأن أعلم الخلق به، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنصحهم للأمة، وأقدرهم على العبارة التي لا توقع لبسًا -قد صرح بالنزول مضافًا إلى الرب في جميع الأحاديث، ولم يذكر في موضع واحد ما ينفي الحقيقة، بل ما يؤكدها، فلو كانت إرادة الحقيقة باطلة وهي منفية؛ للزم القدح في علمه أو نصحه أو بيانه صلى الله عليه وسلم وهذا محال.

وهو صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على لفظ النزول العاري عن قرينة المجاز المذكور معه فقط، بل جاء عنه ما يؤكد إرادة الحقيقة حتى نوّع هذا المعنى، وعبر عنه بعبارات متنوعة، وأن لفظ الإتيان والمجيء يدل على ذلك؛ لأن الله أثبت لنفسه المجيء والإتيان في قوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] وقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] ففرق بين إتيان الملائكة، وإتيان أمرِه، وإتيان نفسه؛ ولذلك قال رزين بن معاوية صاحب (تجريد الصحاح) -وهو من أعلم أهل زمانه بالسنن والآثار، وهو من علماء المالكية، اختصر تفسير ابن جرير الطبري، وعلى كتابه (التجريد) اعتمد صاحب كتاب (جامع الأصول) وهذّبه- في قول الله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]: قال مجاهد: {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ} عند الموت حين توفاهم {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} يوم القيامة لفصل القضاء {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} قال: طلوع الشمس من مغربها، أو ما شاء الله.

وأشرنا إلى هذا هنا؛ لنبين أن هذه الآيات فيها تصديق لأحاديث النزول الثابتة عن رب العزة والجلال سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال الإمام محمد بن جرير الطبري -رحمه الله-: “حيث ذُكر في القرآن الكريم إتيان الملائكة، فهو محتمل لإتيانهم لقبض الأرواح، ويُحتمل أن يكون نزولهم بعذاب الكفار وإهلاكهم. وأما إتيان الرب عز وجل فهو يوم القيامة لفصل القضاء؛ لقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ} [البقرة: 210] وقوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22]”.

قال رزين: “قال بعض المتبعين لأهوائهم، المقدمين بين يدي كتاب الله لآرائهم، من المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم من أشياعهم، فيمتنعون من وصف الله تعالى بما وصف به نفسه من قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ} [البقرة: 210] وقوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [الملك: 16] وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]”.

إلى أن قال: “وأهل العلم بالكتاب والآثار من السلف والخلف يُثبتون جميع ذلك، ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم، ويُمرون الأحاديث الصحيحة كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

هكذا ذكر الإمام ابن جرير, وذكر غيره كما ذكرنا في إتيان الرب ومجيئه ونزوله سبحانه وتعالى؛ مما يوجب القول بذلك على الحقيقة ودفع المجاز.

ومما نردّ به أيضًا على من ذهبوا إلى تأويل النزول وصرفه عن ظاهره: أن الإتيان والمجيء من الله تعالى نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه كان مقيدًا كما في الحديث: ((حتى جاء الله بالرحمة والخير)) ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: 52] وقوله: {بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ} [المؤمنون: 71] وفي الأثر: “لا يأتي بالحسنات إلا الله” فهذا مجيء مقيد.

وهناك أيضًا مجيء مطلق، وهو النوع الثاني، فالمجيء والإتيان المطلق كقوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22] {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ} [البقرة: 210]، وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه هذا إذا كان مطلقا، فكيف إذا قُيد بما يجعله صريحًا في مجيئه نفسه، كقوله: {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] فعطف سبحانه وتعالى مجيئه على مجيء الملائكة، ثم عطف مجيء آياته على مجيئه.

ومن المجيء المقيد قوله تعالى: {فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] فلما قيده بالمفعول -وهو البنيان- وبالمجرور -وهو القواعد- دل ذلك على مجيء ما بيّنه؛ إذ من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى إذا جاء بنفسه لا يجيء من أساس الحيطان وأسفلها، وهذا يشبه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2], فهذا مجيء مقيد لقوم مخصوصين قد أوقع بهم بأسه، وعلم السامعون أن جنوده من الملائكة والمسلمين أتوهم, فكان في هذا السياق ما يدل على المراد، على أنه لا يمتنع في الآيتين أن يكون الإتيان على حقيقته، ويكون ذلك دنوًّا ممن يريد إهلاكهم بغضبه وانتقامه، كما يدنو عشية عرفة من الحجاج برحمته ومغفرته، ولا يلزم من هذا الدنو والإتيان الملاصقة والمخالطة، بل يأتي سبحانه وتعالى هؤلاء برحمته وفضله، وهؤلاء بانتقامه وعقوبته، وهو فوق عرشه؛ إذ لا يكون الرب إلا فوق كل شيء, ففوقيته وعلوه من لوازم ذاته، ولا تناقض بين نزوله ودنوه، وهبوطه ومجيئه، وإتيانه وعلوه؛ لإحاطته سبحانه وتعالى وسعته وعظمته.

ومما يجب أن يفهمه كل مستمع ومسلم, أن هذه أمور كلها على الحقيقة ولا تتناقض؛ لأنها قامت بالعلي العظيم -سبحانه- الذي أحاط بكل شيء، ووسع كل شيء، وعظمته ليس لها حد، وأن السموات والأرض في قبضته، وأنه سبحانه وتعالى مع كونه الظاهر الذي ليس فوقه شيء, فهو الباطن الذي ليس دونه شيء، فظهوره بالمعنى الذي فسره به أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم لا يناقض بطونه بالمعنى الذي فسره به أيضًا، فهو سبحانه يدنو ويقرب ممن يريد الدنو والقرب منه، مع كونه فوق عرشه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) فهذا قرب الساجد من ربه، وهو فوق عرشه. وكذلك قوله في الحديث الصحيح: ((إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) فهذا قربه من داعيه، والأول قربه من عابديه، ولم يناقض ذلك كونه فوق سمواته على عرشه.

وإن عسر على الفهم اجتماع الأمرين؛ فإنه يُوضح ذلك معرفة إحاطة الرب وسعته، وأنه أكبر من كل شيء، وأن السموات السبع والأرضين في يده كخردلة في كف العبد، وأنه سبحانه يقبض السموات السبع بيده، والأرضين باليد الأخرى ثم يهزّهن، فمن هذا شأنه كيف يعسر عليه الدنو ممن يريد الدنو منه وهو على عرشه؟ وهو يوجب لك فهم اسميه الظاهر والباطن, وتعلم أن التفسير الذي فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم به هذين الاسمين هو تفسير الحق, المطابق لكونه بكل شيء محيطًا، وكونه فوق كل شيء.

ومما يوضح ذلك أن النزول والمجيء، والإتيان والاستواء، والصعود والارتفاع، كلها أنواع أفعاله سبحانه وتعالى وهو الفَعّال لما يريد، وأفعاله كصفاته قائمة به، ولولا ذلك لم يكن فعَّالا ولا موصوفًا بصفات كماله؛ فنزوله ومجيئه, واستواؤه وارتفاعه، وصعوده، ونحو ذلك كلها أفعال من أفعاله, التي إن كانت مجازًا فأفعاله كلها مجاز، ولا فعل له في الحقيقة، بل هو بمنزلة الجمادات، وهذه حقيقة من عطّل أفعاله، وإن كان فاعلا حقيقة؛ فأفعاله سبحانه وتعالى نوعان: لازمة ومتعدية، كما دلت النصوص التي هي أكثر من أن تحصر على النوعين.

وبإثبات أفعاله وقيامها به تزول عنك جميع الإشكالات، وتصدق النصوص، وتعلم أن النصوص يصدِّق بعضها بعضًا، وتعلم مطابقة النصوص للعقل الصريح، وإن أنكر منكر حقيقة الأفعال وقيامها به سبحانه وتعالى اضطرب عليه هذا الباب أعظم اضطراب، وبقي حائرًا في التوفيق بين النصوص؛ ولذلك لا بد من إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يفعل ما يشاء.

ولذلك نقول لهؤلاء المؤولة المعطلة في الرد عليهم: إن الأوهام الباطلة والعقول الفاسدة، لما فهمت من نزول الرب سبحانه وتعالى ومجيئه، وإتيانه، وهبوطه، ودنوه ما يفهم من مجيء المخلوق وإتيانه، وهو أنه يفرغ مكانًا ويشغل مكانًَا آخر؛ وقعت بذلك في محذورين: محذور التشبيه، ومحذور التعطيل، ومن هنا لما وقع في التشبيه وقع في التعطيل, وعليه نقول: لا بد من الجمع بين النصوص والتوفيق بينها، وأن يعلم الطالب أن هذه كلها مصدرها رب العزة والجلال سبحانه وتعالى, وأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أعلم الناس بربه هو الذي ذكر هذه الأحاديث عن رب العزة والجلال سبحانه وتعالى, وأن لله أفعالًا على الحقيقة؛ فهو قد استوى على عرشه، ويأتي يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، ويزور أهل الإيمان في جنته، كذلك ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وهذه أفعال على الحقيقة تقوم برب العزة والجلال على ما يليق بجلاله وكماله.

وحديث النزول رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وغيرهم رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم يُثبتون ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم على ظاهر ما جاء؛ وعلى ما قالوا يجب أن ننتهي إلى ما انتهى إليه هؤلاء الصحب الكرام رضي الله عنهم, وأن نعتقد أن النزول نزول حقيقي يَليق بجلال الله وكماله.

ب. الرد على من تأول النزول بنزول الرحمة، والإتيان بإتيان الأمر:

ذهب فريق من الجهمية والمعتزلة, ومن شايعهم إلى أن المراد بالنزول في حديث: ((ينزل رب العزة والجلال كل ليلة إلى سماء الدنيا)) هو نزول الرحمة, ونزول الأمر عند ذكر كلمة الإتيان.

ونرد عليهم فنقول: إن أراد رب العزة والجلال أنه إذا نزل وأتى حلت رحمته وأمره؛ فهذا حق أيضًا فهو ينزل برحمته عز وجل وبأمره، ولا يتعارض ذلك مع إثبات النزول والإتيان على الحقيقة.

أما إن أراد المؤوِّل أن المراد بالنزول والمجيء والإتيان، هو نزول الرحمة وإتيان الأمر ليس إلا، دون أن يكون للرب نزول وإتيان على الحقيقة-فهذا باطل، ونقول له: أتريد رحمته وأمره صفته القائمة بذاته، أم مخلوقًا منفصلًا سميته رحمة وأمرًا؟

فإن أردتم -أيها الجهمية- الأول، أي: إن رحمته وأمره صفته بالقائمة به، وأنه هو الذي ينزل؛ فنزول الرحمة والأمر الذي هو صفة من صفات الله عز وجل قائمة به، يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعًا، وإن أردتم الثاني كان الذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا لا رب العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعًا، وهو تكذيب صريح للخبر؛ فإنه يصح معه أن يقال: لا ينزل إلى سماء الدنيا، ولا يأتي لفصل القضاء، وإنما الذي ينزل ويأتي غيره.

ثم نقول لهم أيضا: كيف يصح أن يكون ذلك، أو أن يقول قائل بأن الذي ينزل الرحمة، أو بأن الذي يأتي هو الأمر؟

كيف يصح ذلك؟ وهل الرحمة أو الأمر يصلح أن يقول: لا أسأل عن عبادي غيري؟

وهل يصلح أن يقول الأمر أو أن تقول الرحمة: من يستغفرني فأغفر له؟ ونزول رحمته -تعالى- وأمره مستلزم لنزوله سبحانه ومجيئه، وإثبات ذلك للمخلوق مستلزم للباطل الذي لا يجوز نسبته إليه سبحانه, مع أن فيه ردًّا وتكذيبًا صريحًا لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبهذا يظهر بطلان من ذهب إلى تأويل النزول بنزول الرحمة، أو المجيء والإتيان بمجيء الأمر؛ لأن الرحمة تنزل في كل وقت وفي كل حين، ثم إن هذه الرحمة إن كانوا يؤمنون بأنها صفة من صفات الله؛ فنزولها أو مجيئها هو في الحقيقة إثبات لنزول الرب سبحانه وتعالى؛ لأنها صفة من صفاته القائمة به، فهو ينزل ربنا سبحانه وتعالى ومعه صفاته، فينزل برحمته، وإن قالوا بأن الرحمة مخلوق، فكيف يقول المخلوق: من يدعوني فأستجيب له؟ أو من يسألني فأعطيه؟

جـ. الرد على من قال: إن الذي ينزل مَلَكٌ:

نود أن نتعرض هنا لمن قال بأن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)) أن الذي ينزل ليس هو رب العزة والجلال على الحقيقة، وإنما هو ملك أو ملائكة.

ونرد على هؤلاء بما ذكره ابن تيمية -رحمه الله- في المجلد الخامس من مجموع فتاويه، في شرح حديث النزول، حيث قال في الرد عليهم: “… أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض، كما قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2] وقال تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64], وفي الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)).

وكذلك ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله ملائكة سياحين فضلًا، يتتبعون مجالس الذكر؛ فإذا مروا على قوم يذكرون الله تعالى ينادون: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: فيقولون: يسبحونك ويكبرونك, ويحمدونك ويمجدونك)) وفي رواية لمسلم: ((إن لله ملائكة سيارة فضلًا، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحفَّ بعضهم بعضًا حتى يملئوا ما بينهم وبين سماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا أو صعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض, يسبحونك ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك ويسألونك))”.

نقول لهم أيضا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)) وورد فيه: ((من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له)) وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك عن الله سبحانه وتعالى, بل الذي يقوله الملك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)) ثم ذكر بعد ذلك البغض كما ذكر الحب.

فالملك هنا إذا نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطب، بل يقول: إن الله أمر بكذا، أو قال: كذا, وهنا قال الله عز وجل كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يسألني فأعطيه؟)) أما الملك إذا نادى عن الله فلا يتكلم بصيغة المخاطب، لا يقول: من يسألني؟ وإنما يقول: إن الله أمر بكذا، أو قال: كذا. وهكذا إذا أمر السلطان مناديًا ينادي، فإنه يقول: يا معشر الناس، أمر السلطان بكذا ونهى عن كذا، ورسم بكذا. لا يقول: أمرت بكذا ونهيت عن كذا، بل لو قال ذلك بُودر إلى عقوبته.

وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية، فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى عليه السلام بأنه أمر ملكًا فكلّمه، فقال لهم أهل السنة والجماعة: ولو كلمه ملك لم يقل: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طـه: 14], بل كان يقول كما قال المسيح عليه السلام: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117] فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء، تقول كما كان جبريل عليه السلام يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] ويقول: إن الله يأمرك بكذا، ويقول كذا، لا يمكن أن يقول ملك من الملائكة: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي} ولا يقول: ((من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)), ولا يقول: ((لا يسأل عن عبادي غيري)) وقد روى ذلك النسائي، وابن ماجه وغيرهما، وسندهما صحيح وفيهما يقول: ((لا أسأل عن عبادي غيري)) ولا يقول ذلك -لا شك- إلا رب العزة والجلال؛ وعليه يبطل قول من ذهب إلى أن المراد بـ ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)): ينزل ملك من السماء؛ لأنه لا يليق بملك أن يقول: ((من يدعوني فأستجيب له؟)) أو ((من يستغفرني فأغفر له؟)) ولا يمكن أن يتكلم الملك بما لا يليق به، ولا بما يتصف به رب العزة والجلال سبحانه وتعالى؛ وعليه يبطل جميع ما ورد عن ذلك من روايات باطلة في تأويل النزول، ويصبح الأمر على حقيقته كما ذهب إلى ذلك أهل السنة والجماعة، وهو أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا.

4. مسائل تتعلق بالنزول:

أ . هل يقال: ينزل بذاته؟

في كل الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي سقناها أولًا: ((ينزل الرب سبحانه وتعالى)) ولم يرد فيها لفظة “بذاته”؛ ولذلك اختلف أهل السنة والجماعة في نزول الرب سبحانه وتعالى على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه ينزل بذاته، وهو قول الإمام أبي القاسم التيمي -رحمه الله- وهو من أجلّ علماء الشافعية، وهو متفق على إمامته وجلالته -رحمه الله- وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- عن ابن تيمية شيخِه، بأن هذا قول لطوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين.

ولكن ينبغي أن يُعلم -مع أن هذا قولٌ لطوائف من أهل الحديث- أنه لم يروَ في ذلك حديث صحيح؛ ولذلك قال ابن تيمية -رحمه الله-: وروي في ذلك حديثٌ مرفوع لا يَثبت رفعه. قال أبو موسى المديني: إسناده مدخول فيه, وفيه مقال, وعلى بعضهم -أي: رواته-مطعن لا تقوم بمثله الحجة.

الثاني: لا ينزل بذاته.

الثالث: نقول: ينزل، ولا نقول: بذاته ولا بغير ذاته؛ بل نطلق اللفظ كما أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسكت عما سكت عنه.

ولفظة “بذاته” غير مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أشرنا إلى ذلك قبل قليل، وقد ذكر ذلك أيضًا الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في (مجموع الفتاوى) له: ولم تكن أيضًا هذه اللفظة معروفة في عهد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم, وقد يقول قائل: لماذا أطلقها بعض أئمة أهل السنة ما دامت غير مأثورة، ولم تكن معروفة عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟

نقول: إنما أطلقها الأئمة -رحمهم الله تعالى- لمواجهة المبتدعة من الجهمية ونحوهم؛ ممن يقولوا بأن الله في كل مكان، أو بأن الذي ينزل إنما هو الأمر أو الرحمة.

كما نلاحظ أن تقييد من قيّد النزول بأنه بالذات، إنما يأتي غالبًا في مقام الرد على الخصوم، لا في معرض تقرير العقيدة ابتداء، والفرق بين المقامين واضح؛ فأهل السنة والجماعة ذكروا كلمة “بذاته” في الرد على الخصوم، ولم تطلق هذه الكلمة بحال في تقرير العقيدة ابتداء، ولا يلزم على قول من قال: ينزل بذاته أن يكون مكيِّفًا؛ لأن من يقول بذلك يقول: ينزل بذاته كيف شاء سبحانه وتعالى نزولًا حقيقيًّا، يليق بجلاله وكماله وعظمته، ولا يشبه نزوله نزول المخلوق؛ وإنما حينما أطلق بعض أهل العلم هذه الكلمة أرادوا بها أن يثبتوا حقيقة هذه الصفة، كما ثبتت وأطلقها النبي صلى الله عليه وسلم على ربه، وهذا واضح من معتقد أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يلتزمون بالنصوص الواردة في ذلك.

ب. تحقيق القول فيما أورده ابن عبد البر عن الإمام مالك, في تأويل النزول:

نذكر هذه المسائل في ختام هذا الموضوع؛ حتى نزيده وضوحًا، وحتى لا يأتي مؤول فيحتج مثلًا بقول الإمام مالك أو بقول غيره من الأئمة؛ ولذلك نقول بأن ابن عبد البر -رحمه الله- أورد رواية عن الإمام مالك، من طريق محمد بن علي الجبلي، قال: حدثنا جامع بن سوادة بمصر قال: حدثنا مطرف عن مالك، عن أنس أنه سئل عن الحديث: ((إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا)) فقال مالك: يتنزل أمره.

وابن عبد البر -رحمه الله- بعد أن ذكر هذه الرواية في التمهيد, رد هذه الرواية وبيّنها ووجّهها، فقال -رحمه الله-: إن المعنى: تتنزل رحمته وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره، أي: أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت، والله أعلم.

أي: قال بأن الرواية الواردة عن الإمام مالك -رحمه الله- لا تتعارض ومذهب السلف في إثبات النزول، ويكون معنى ينزل أمره: أن الرحمة والقضاء تتنزلانِ في هذا الأمر أو في ذاك الوقت، أكثر مما تتنزلان في غيره؛ ولذلك جاء فيه الترغيب في الدعاء، أي: في هذا الوقت، ألا وهو ثلث الليل الآخر، وقد روي من حديث أبي ذر قال: ((يا رسول الله، أيّ الليل أسمع؟ فقال: جوف الليل الغابر)) أي: الآخر، وهذا على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء كما ندب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها في الدعاء. ولكن في الحقيقة، لو تأملنا لوجدنا أن الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- له توجيه آخر لهذه الرواية، وهو أنها رواية غير صحيحة عنده، وأنها رواية ضعيفة.

وقد قال ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه (الاستذكار), وقد ألفه بعد (التمهيد): ولو صح ما رُوي في ذلك عن مالك؛ كان معناه: أن الأغلب من استجابته دعاء من دعاه برحمته من عباده وعفوه، يكون في ذلك الوقت. قال: “لو صح”, فظاهر قوله: “لو صح” أنها لم تصح عنده، وهذا هو الصواب.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرواية عن الإمام مالك -رحمه الله-: “رُويت من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب، لكن هذا كذّاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم قوله ولا نقله عن مالك -رحمه الله-“, قال: “ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه”.

وذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- نحو كلام شيخ الإسلام، وقال: إن المشهور عنه -أي: عن الإمام مالك- وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها، فالحق إذًا أن هذا الرواية لا تصح عن الإمام مالك -رحمه الله- لأن الإمام مالكًا يقول بإثبات الصفات، كغيره من الأئمة.

ج.هل يقال: يخلو منه العرش أم لا؟

يقول في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وأهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال:

الأول: منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره.

الثاني: ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف في ذلك أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده مصنفًا في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش.

وسماه: (الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول).

الثالث في هذه المسألة -وهو الصواب-: القائلون بأنه لا يخلو منه العرش؛ لأن القائلين بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث، أما جمهورهم فعلى القول بأنه لا يخلو منه العرش.

وهذا هو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل أحد من الناس عن أحد منهم -بإسناد صحيح ولا ضعيف- أن العرش يخلو من الرب سبحانه وتعالى.

وأما ما جاء في رسالة أحمد بن حنبل -رحمه الله- إلى مسدد، فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم.

وقد تلقوها بالقبول، وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة -رحمه الله- في كتابه (الإبانة), واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى، وكتبها بخطه, وفيها أن أحمد قال: “وينزل الله إلى السماء الدنيا, ولا يخلو منه العرش”, وهذا هو الصواب والصحيح -إن شاء الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة.

د. الرد على من نفى النزول؛ لاختلاف البلدان في الليل والنهار:

بعض الناس -وهذا الكلام وقع في السابق وفي اللاحق، بين الحين والآخر يذكره بعض المعطِّلة المؤولة المنكرين للصفات، ومنها صفة النزول- يقولون بأن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم والتأخر، ويلزم على هذا أن الله عز وجل سيكون على الدوام نازلًا.

والجواب عن ذلك أن نقول:

هذا كلام مبتدع، وإدخال وإعمال للعقل فيما لا ينبغي للعقل أن يعمل فيه، وهو في الحقيقة أيضًا من قياس الخالق عز وجل بالمخلوق، وهذا لا يليق برب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

وخلاصة الجواب عن قول القائل: إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول, أن نقول:

الجواب عن هذا كالجواب عن الذي قبله؛ وهو: هل يخلو منه العرش أم لا يخلو منه؟ وذلك أنه إذا جاز أن ينزل سبحانه وتعالى ولا يخلو منه العرش، فتقدم النزول إذًا وتأخره، وطوله وقصره كذلك، بناءً على أن هذا نزول لا يقاس بنزول الخلق، وهذا واضح، ومثل هذا الكلام لا يرد على صفات علام الغيوب سبحانه وتعالى, والأولى بالأمة أن تسلم بخبر الله عز وجل وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن تمتلئ قلوبها عظمةً وإجلالًا وتقديرًا لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى، ولنعلم أنه عز وجل إذا أطلق على نفسه أي وصف من الصفات, فما أطلقه على نفسه يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى وهو منزه عز وجل عن صفات المخلوقين، وما هم عليه، وهذا -بحمد الله- واضح عند أهل السنة والجماعة، وهو من أبرز العلامات التي تميز أهل السنة عن غيرهم.

error: النص محمي !!