• العربية
Top
Image Alt

صفة رواية الحديث وشروط أدائه

  /  صفة رواية الحديث وشروط أدائه

صفة رواية الحديث وشروط أدائه

أولًا: الرواية من الكتاب: هل يجوز للراوي الاعتماد في الرواية على ما في كتابه إذا لم يكن حافظًا لكتابه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، وهذه مذاهبهم: المذهب الأول: ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يجوز للراوي الاعتماد في الرواية على ما في كتابه إذا لم يكن حافظًا لكتابه، رُوي ذلك عن الإمام مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصيدلاني الشافعي. وجهة نظرهم: منع هؤلاء الأئمة الاعتماد على الكتاب غير المحفوظ؛ خوفًا من أن يكون المكتوب قد أفسدته اليد العابثة بتغيير، أو زيادة، أو نقصان، أو تصحيف، أو تحريف إلى غير ذلك؛ فإن إفساد المكتوب يكون بمحاكاة خط الكاتب، أو عن طريق العبث بالنقط، أو تغيير شكل الحرف إلى غير ذلك، فيترتب على ذلك إفساد الكتاب، وما دام أن الراوي لا يحفظ كتابه؛ فإنه لن يستطيع أن يُميِّز بين ما كتب، وما أُدخل في كتابه. أخرج الحاكم بإسناده عن أشهب قال: “سُئل مالك أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه، وهو ثقة؟ فقال: لا. قيل: فإن أتى بكتب فقال: سمعتها وهو ثقة صحيح، فقال: لا يؤخذ عنه أخاف أن يُزاد في حديثه بالليل، يعني: وهو لا يدري”. قال الحافظ السيوطي: “وهذا مذهب شديد، وقد استقر العمل على خلافه، فلعل الرواة الذين خُرِّج لهم في الصحيحين ممن يوصف بالحفظ لا يبلغون النصف”. قال الحافظ ابن حجر: “لم يعد أحد من أئمة الحديث حفظ الراوي لحديثه شرطًا للصحيح، وإن كان حُكي عن بعض المتقدمين من الفقهاء”، ثم ردَّ الحافظ على من جعل حفظ الراوي شرطًا للصحيح، فقال: “فللحافظ في عُرف المحدِّثين شروط، إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظًا: شروط التسمية بالحافظ: الشرط الأول: الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. الشرط الثاني: المعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم. الشرط الثالث: المعرفة بالتجريح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون، فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظًا”. ثم قال الحافظ: “ولم يجعله أحد من أئمة الحديث شرطًا للحديث الصحيح، والمعروف عن أئمة الحديث كالإمام أحمد وغيره خلاف ذلك، ومن اعتمد في روايته على ما في كتابه لا يُعاب؛ بل هو وصف أكثر رواة الصحيح من بعد الصحابة، وكبار التابعين؛ لأن الرواة الذين للصحيح على قسمين: القسم الأول: كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم، فكان الواحد منهم يتعاهد حديثه، ويكرر عليه، فلا يزال حافظًا له، وسهَّل ذلك عليهم قرب الإسناد، وقلة ما عند الواحد منهم من المتون، حتى كان من يحفظ منهم ألف حديث يُشار إليه بالأصابع. ومن هنا دخل الوهم والغلط على بعضهم؛ لما جُبل عليه الإنسان من السهو والنسيان. القسم الثاني: كانوا يكتبون ما يسمعونه، ويُحافظون عليه، ولا يخرجونه من أيديهم، ويحدِّثون منهم، وكان الوهم والغلط في حديثهم أقل من أهل القسم الأول، إلا من تساهل منهم، كمن حدَّث من غير كتابه، أو أخرج كتابه من يده إلى غيره فزاد فيه ونقص، وخفي عليه فتكلم الأئمة في من وقع له ذلك منهم، وإذا تكرر هذا فمن كان عدلًا لكنه لا يحفظ حديثه عن ظهر قلب، واعتمد على ما في كتابه فحدَّث منه، فقد فعل اللازم له، وحديثه على هذه الصورة صحيح بلا خلاف. المذهب الثاني: ذهب جماعة من العلماء إلى أنه يجوز للراوي أن يروي من كتابه، وإن لم يكن حافظًا لما فيه من الحديث، بشرط أن يحفظ كتابه في مكانٍ أمين حتى لا تمتدُّ إليه يد بتحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان، وألا يُعير الكتاب لأحد، وأن يكون الكتاب مقابلًا على نسخة شيخه، أو على نسخة مقابلة على نسخة الشيخ، فإن لم يحفظ كتابه في مكان أمين، وتركه لليد العابثة تفعل به ما تشاء، أو أعاره لأحد؛ فلا يجوز له أن يروي منه؛ لاحتمال أن يكون الكتاب قد غُيِّر وأفسد ما فيه من الأحاديث، وهذا هو الرأي الوسط، والصواب الذي عليه العمل في كتب السنة المطهرة، فالرواة الذين قَبِلَ العلماء حديثهم لم يكونوا جميعًا يحفظون حديثهم، بل الكثير منهم كان يعتمد في الرواية على كتابه، وما دام أن الراوي سجَّل ما سمع من شيخه، أو شيوخه في كتابه وحفظه كما سبق، ولم يُعر الكتاب لأحد؛ فقد تحقق شرط الضبط.

error: النص محمي !!