Top
Image Alt

صفة عقد الشركة ويد الشريك

  /  صفة عقد الشركة ويد الشريك

صفة عقد الشركة ويد الشريك

ما صفة عقد الشركة؟ هل هو عقد لازم؛ فلا يجوز لأيّ من الشريكين أو الشركاء أن يفسخه، إلا برضا الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى، أو هذا العقد جائز، ومن الممكن أن يفسخه أحد الطرفين أو أحد الشركاء، حتى لو لم يقبل الآخر؟ وما صفة يد الشريك؟ هل هي يد ضمان أو يد أمانة؟ بمعنى: أنه إذا تلف شيء من المال في يد الشريك هل يضمنه أو لا؟

نرى أن جمهور الفقهاء، ذهبوا إلى أن عقد الشركة عقد جائز؛ فمن حق كل شريك أن يخرج من الشركة في أيّ وقت، وأن يفسخ عقد الشركة في أيّ وقت حتى ولو لم يرضَ الشريك الآخر، لكن بشرط واحد فقط، وهو أن يعلم الشريك الآخر أو الشركاء الآخرين؛ لأنه إذا خرج من الشركة بدون علم شركائه؛ فقد يلحقهم نتيجة لذلك ضرر بل أضرار؛ ولذلك؛ الذين ذهبوا: إلى أن عقد الشركة عقد جائز، اشترطوا أن يعلم الفاسخ أو الخارج من الشركة، الأطراف الأخرى حتى لا يلحقهم ضرر نتيجة لذلك، وهذا مثل الوكيل تمامًا؛ لأن الشركة في الواقع هي نوع من أنواع الوكالة، فالوكيل يظل وكيلًا إلى أن يعزله الموكل، وضروري أن يعلم الوكيل أن الموكل قد عزله، لكن إذا لم يعلمه؛ فالوكالة مستمرة، والوكيل يتصرف بناءً على التوكيل الأول، فإذا أراد الوكيل أن ينهي هذه الوكالة فمن حقه؛ لكن عليه أن يعلم الوكيل، يعني: علي الموكل أن يعلِم هذا الوكيل؛ ولذلك لا يجوز الفسخ دون علم الشريك الآخر.

لكن المالكية منهم من ذهب إلى أن الأصل في الشركة الجواز، وهذا مثل قول الجمهور، ومنهم من ذكر أن المشهور في المذهب لزوم عقد الشركة، ومعنى أنه عقد لازم، أي: لا يجوز لأي واحد من الشركاء أن يفسخ العقد أو أن يخرج من الشركة إلا برضا الأطراف الأخرى؛ سواء حصل الخلط بين أموال الشركاء أو لا، بعض المالكية، يرون أن عقد الشركة عقد لازم، سواء حصل الخلط بين أموال الشركاء أو لا، وسواء شرع أحد الشريكين في العمل أو لا.

هناك رأى ثالث أيضًا للمالكية، حيث ذهب بعضهم إلى لزوم العقد، وهل يتوقف على الشروع في العمل أو لا، وهذا عندهم هو مبنى اللزوم أو عدم اللزوم، وهذا رأى كثير من المالكية، ورجح بعض الفقهاء أنها تلزم بالشروع في التصرف.

وعلى أيّ حال، فقول المالكية، في جواز أو لزوم عقد الشركة مضطرب جدًّا، والمشهور الذي عليه ابن رشد الجد، في كتابه: (المقدمات)، وابن رشد الحفيد، في كتابه: (بداية المجتهد)، هو اللزوم.

إذًا معنى هذا أن المالكية، خالفوا الجمهور في توصيف عقد الشركة.

وإذا أخذنا برأي الجمهور، وهو أن الشركة عقد جائز، أو أخذنا برأي المالكية على أنها عقد لازم؛ فما حكم يد الشريك؟

الواقع هو أن يد الشريك يد أمانة كالوديعة؛ لأن الشركة كالوديعة بالنسبة للشركاء؛ لأن قبض المال قد تم بإذن صاحبه، فكأن كل شريك من الشركاء استأمن واستودع ماله في ذمة الشريك الآخر، لا لأجل أن يدفع ثمنه كما في المقبوض على سوم الشراء، يعني بخلاف سوم الشراء، مثلًا عندما أريد شراء سيارة، وأثناء المساومة قد أقبض هذه السيارة وأستعملها ساعات للتجربة، لكن هذا القبض على سوم الشراء؛ إنما في الشركة قبض المال لا على سوم الشراء، وإنما على أساس التجارة فيه والتصرف فيه، إذًا فهو مقبوض من أجل الربح، لا من أجل أن يدفع الثمن ولا لأجل التوثيق به، كما هو الحال في الرهن؛ فإنه في حالة الرهن، قال ربنا سبحانه وتعالى: {فَرِهَانٌ مّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، كما لو أردت أن أقترض منك مبلغًا من المال، وطلبت مني وثيقة حتى تضمن بها حقك؛ أعطيك رهنًا، هذا الرهن عندما تقبضه أنت، الغرض منه التوثيق؛ لكن في الشركة ليس الغرض دفع الثمن، وليس الغرض التوثيق كما في الرهن؛ وإنما الغرض العمل به للحصول على الربح.

وبناء عليه؛ فإنه إذا هلك المال في يد الشريك، فيده على هذا المال يد أمانه؛ فإن تلف أو ضاع أو هلك بأي نوع من أنواع الهلاك، دون تفريط أو دون إهمال؛ لم يضمن الشريك الذي تسبب في ضياعه؛ لأنه نائب عن شريكه في الحفظ والتصرف، فكان الهالك في يده كالهالك في يد شريكه تمامًا، ويقبل قوله، يعني: قوله بأنه لم يهمل، أو أنه حافظ عليه ولكن شاء الله هذا، يقبل قوله بيمينه -يحلف؛ يقول: أقسم بالله إنني ما أهملت في حفظه، ولا فرطت في ذلك، لكنه هلك رغمًا عني- فيقبل قوله بيمينه، ولا يضمن شيئًا؛ لأن يده على مال الشركة، يد أمانة وليست يد ضمان.

وهذا قياسًا على أن الشريك يقبل قوله مع يمينه في الربح والخسران؛ كما لو قال: ربحنا مائة؛ فهو صادق، وإذا شككْنا يقسم فقط؛ وكذلك لو قال: خسرت الشركة، أو خسر المال الذي في يدي وأعمل به للشركة، ما دمنا ائتمناه نقبل قوله، وإذا شككْنا يقسم، وكذلك يقبل قوله في ضياع بعض المال أو ضياع كل المال، ولو من غير تجارة، فيقبل قوله قياسًا على ذلك؛ ويقبل قوله في الهالك كلًّا أو بعضًا، على أساس أنه أمين ويقسم، لكن إذا تعدى بأن أهمل أو استعمل المال استعمالًا سيئًا، أو قصر في حفظه؛ فإنه يضمن كما هو الحال في سائر الأمانات، فأنت لو أودعت وديعة عند شخص على سبيل الأمانة وفرط في حفظها وضاعت؛ عليه أن يضمنها، فههنا أيضًا، ما دام قد فرَّط فإنه يضمن، لكن إذا لم يفرط فلا ضمان عليه.

error: النص محمي !!