Top
Image Alt

صلاة التطوع: الصلوات المسنونة، وأوقات النهي

  /  صلاة التطوع: الصلوات المسنونة، وأوقات النهي

صلاة التطوع: الصلوات المسنونة، وأوقات النهي

. أبواب صلاة التطوع:

الحديث الأول: ((حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم …)):

عن عبد الله بن عمر قال: ((حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة كانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فحدثتني حفصة أنه كان إذا طلع الفجر وأذّن المؤذن صلى ركعتين)) متفق عليه: أخرجه البخاري ومسلم.

فأخرجه البخاري في باب الركعتين قبل الظهر من كتاب الصلاة بنحو الحديث الذي معنا، وأخرجه الإمام مسلم من حديث ابن عمر قال: ((صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين، وبعدها سجدتين، وبعد المغرب سجدتين، وبعد العشاء سجدتين، وبعد الجمعة سجدتين، فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته)).

قوله: ((حفظت)) في لفظ للبخاري ومسلم: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم)) قوله: ((ركعتين)) في رواية للبخاري ومسلم -كما سبق-: ((سجدتين)) مكان ((ركعتين)) في جميع أطراف الحديث، والمراد بهما الركعتان، قوله: ((ركعتين قبل الظهر)) في الحديث الآخر: ((أربعًا قبل الظهر)) ويعني بالحديث الآخر الحديث الذي أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد، واللفظ لمسلم من حديث عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: عن صلاة التطوع- فقالت: ((كان يصلي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين)).

ونلاحظ أنه وقع في حديث ابن عمر أن قبل صلاة الظهر ركعتين، وفي حديث عائشة الذي سقناه: أربعًا؛ لذلك قال الداودي: محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى. قال: ويحتمل أن ينسى ابن عمر ركعتين من الأربع. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالين، فكان تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعة. وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعًا. ويحتمل: أنه كان يصلي إذا كان في بيته الركعتين، ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين. ويقوي الأول ما رواه أحمد وأبو داود من حديث عائشة: ((أنه كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا ثم يخرج)) قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله صلى الله عليه وسلم والركعتان في قليلها.

قوله: ((وركعتين بعد المغرب)) زاد البخاري: ((في بيته)) وفي لفظ له: ((فأما المغرب والعشاء ففي بيته)) وقد استدل بذلك على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار.

قوله: ((وركعتين بعد العشاء)) زاد البخاري: ((في بيته)) وقد تقدم الكلام
في ذلك.

قوله: ((وركعتين قبل الغداة…)) إلى آخره فيه: أنه إنما أخذ عن حفصة وقت إيقاع الركعتين لا أصل المشروعية.

الحديث الثاني: ((من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة سجدة…)):

عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة سجدة سوى المكتوبة بُني له بيتٌ في الجنة)) رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ الترمذي: ((من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بُني له بيت في الجنة، أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر)) وللنسائي حديث أم حبيبة كالترمذي، لكن قال: ((وركعتين قبل العصر)) ولم يذكر ركعتين بعد العشاء. وقال الإمام مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا أبو خالد -يعني: سليمان بن حيان- عن داود بن أبي هند، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسارّ إليّ قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة)) قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم 

وهل تصلى هذه الرواتب في السفر؟:

نعم يستحب عند جمهور الفقهاء فعل السنن الراتبة في السفر، ولكنها آكد في الحضر، ومذهب ابن عمر: أنها لا تصلى في السفر، وقد روي في الصحيحين عن حفص ابن عاصم قال: “صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلنا: يسبحون -ومعنى يسبحون: يتنفلون- فقال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصبحت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: {لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21]”.

أما دليل الجمهور: الأحاديث الصحيحة الشائعة، منها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي النوافل على راحلته في السفر حيث توجهت به)).

2. باب: تأكيد ركعتي الفجر، والوتر:

الحديث الأول: ((لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم …)):

عن عائشة قالت: ((لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر)) متفق عليه -أخرجه البخاري ومسلم.

كما روى مسلم، وأحمد، والترمذي وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) أي: خير من الدنيا وما فيها من متاع؛ لأن متاع الدنيا زائل، ولا يبقى إلا ما يقدمه الإنسان من طاعة لله عز وجل.

قال الإمام الشوكاني: وفي الباب عن عليّ رضي الله عنه عند ابن ماجه، وعن ابن عمر عند أحمد وأبي داود والطبراني غير حديثه الآتي، وعن ابن عباس عند ابن عدي في (الكامل) وعن بلال عند أبي داود. قوله: ((أشد تعاهدًا)) في رواية ابن خزيمة: ((أشد معاهدة)) ولمسلم: ((ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر)) زاد ابن خزيمة من هذا الوجه: ((ولا إلى غنيمة)) والحديثان يدلان على أفضلية ركعتي الفجر، وعلى استحباب التعاهد لهما، وكراهة التفريط فيهما.

وقوله: “الحديثان” يشير إلى حديث عائشة أيضًا: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) وقد استدلوا بهما على أن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، وهو أحد قولي الشافعي، ووجه الدلالة -يعني: وجه الدليل-: أنه جعل ركعتي الفجر خيرًا من الدنيا وما فيها، وجعل الوتر خير من حمْر النَّعم، وحمر النعم جزء ما في الدنيا، وأصح القولين عن الشافعي: أن الوتر أفضل، وقد استدل لذلك بما في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة الصلاة في جوف الليل)) وبالاختلاف في وجوبه.

ويؤخذ من الحديث -فوق ما تقدم-: فضل ركعتي الصبح على غيرها من النوافل، وهو قول الشافعي في القديم، وفي الجديد: أفضلها الوتر، وقال بعض الشافعية: أفضلها صلاة الليل، قال النووي في (المجموع): وهذا الوجه قوي؛ ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) وفي رواية لمسلم أيضًا: ((الصلاة في جوف الليل)).

ويستحب تخفيف القراءة في ركعتي الفجر، وكان صلى الله عليه وسلم يبالغ في تخفيفهما مع إتمام الركوع والسجود، حتى يظن المشاهد أنه يكتفي فيهما بقراءة الفاتحة، لكنه كان يقرأ بعد الفاتحة سورة قصيرة مثل: {قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1]، و{قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، أو آيتين قصيرتين أو آية واحدة.

الحديث الثاني: ((من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلّهما…)):

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلّهما بعدما تطلع الشمس)) رواه الترمذي، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضاهما مع الفريضة لما نام عن الفجر في السفر.

قال الإمام الشوكاني: الحديث قال الترمذي بعد إخراجه له: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في (المستدرك) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه، وأخرجه أيضًا الدارقطني والبيهقي. والحديث استدلوا به على أن من لم يركع ركعتي الفجر قبل الفريضة فلا يفعل بعد الصلاة حتى تطلع الشمس ويخرج الوقت المنهي عن الصلاة فيه، وإلى ذلك ذهب الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، حكى ذلك الترمذي عنهم، وحكاه الخطابي عن الأوزاعي، قال العراقي: والصحيح من مذهب الشافعي: أنهما يُفعلان بعد الصبح
ويكونان أداء، وأخرجه ابن حزم في (المحلى) من رواية الحسن، عن عطاء بن أبي رباح، عن رجل من الأنصار قال: ((رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلي بعد الغداة، فقال: يا رسول الله، لم أكن صليت ركعتي الفجر فصليتهما الآن، فلم يقل له شيئًا)) قال العراقي: وإسناده حسن.

3. باب أن الوتر سنة مؤكدة، وأنه جائز على الراحلة:

أ. الأحاديث الواردة في الباب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يوتر فليس منا)) رواه أحمد.

وعن عليّ رضي الله عنه قال: ((الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم)) رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه ولفظه: “إن الوتر ليس بحتم، ولا كصلاتكم المكتوبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر فقال: ((يا أهل القرآن؛ أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر))”. وعن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر على بعيره)) رواه الجماعة.

وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الوتر حق؛ فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) رواه الخمسة إلا الترمذي، وفي لفظ لأبي داود: ((الوتر حق على كل مسلم)) رواه ابن المنذر وقال فيه: ((الوتر حق وليس بواجب)).

وفي الباب عن أبي هريرة غير حديثه المذكور في الباب عند البيهقي في الخلافيات بلفظ: ((إن الله وتر يحب الوتر؛ فأوتروا يا أهل القرآن)) وعن ابن عمر عند ابن أبي شيبة وأحمد بلفظ: “وزادكم صلاة حافظوا عليها، وهي الوتر” وفي إسناده ضعيفان، وعن بريدة عند أبي داود بلفظ: ((الوتر حق؛ فمن لم يوتر فليس منا)) ورواه الحاكم في (المستدرك) ولم يكرر لفظه وقال: هذا حديث صحيح، وعن أبي بسرة عند أحمد بلفظ: ((إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها فيما بين العشاء إلى الفجر)) ورواه الطبراني بلفظ: ((فحافظوا عليها)) وعند الطبراني في (الأوسط) بلفظ: ((وأوتروا؛ فإن الله وتر يحب الوتر)) وعن ابن عباس عند البزار بلفظ: ((إن الله قد أمركم بصلاة وهي الوتر)) وعن ابن عمر عند البيهقي بلفظ: ((إن الله زادكم صلاة وهي الوتر)) وفي إسناده مقال، وعن ابن مسعود عند البزار بلفظ: “الوتر واجب على كل مسلم” وفي إسناده مقال.

قال الشوكاني بعد سرده للأحاديث: واعلم أن هذه الأحاديث فيها ما يدل على الوجوب، كقوله: ((فليس منا)) وكقوله: ((الوتر حق)) وقوله: ((أوتروا وحافظوا)) وكقوله: “الوتر واجب” وفيها ما يدل على عدم الوجوب، وهو بقية أحاديث الباب؛ فتكون صارفة لما يشعر بالوجوب، أي: أنها تصرف الوجوب إلى الندب.

ب. من أدلة عدم وجوب الوتر:

ما اتفق عليه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول…)) الحديث، وفيه: ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة)) حينما سأله الرجل “ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟” فأجابه صلى الله عليه وسلم قال: ((خمس صلوات في اليوم والليلة، قال الرجل: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطّوع)) وروى الشيخان أيضًا من حديث ابن عباس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا…)) الحديث، وفيه: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)) وهذا من أحسن ما يُستدل به؛ لأن بعث معاذ كان قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بيسير.

والوتر بالكسر: الفرد، وبالفتح: الثأر، وفي لغة: مترادفان، ذكر ابن حجر نقلًا عن ابن التين قال: اختُلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة. قال ابن حجر: واختلف أيضًا في قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل تسن ركعتان بعده؟ وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير ينبني على كونه مندوبًا أو لا، وقد اختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر.

أما بالنسبة لحكم صلاة الوتر: فقد قال أبو حنيفة بوجوبها -كما تقدم- واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)) قال ابن حجر: وتُعقب بأن صلاة الليل ليست واجبة، فكذا آخر الليل، وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليل.

ومما يُستدل به على أن الوتر ليس بواجب الحديث الثالث الذي معنا، ورواه ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر على بعيره؛ لأن الوتر لو كان واجبًا لما صلاه النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)) ومعنى قوله: ((إلا الفرائض)) أي: أن الفرائض بخلاف ذلك، فكان لا يصليها على الراحلة.

واستدلوا بالحديث أيضًا على أن الوتر ليس بفرض، وعلى أنه ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوتر عليه؛ لكونه أوقعه على الراحلة، وأما قول بعضهم: أنه كان من خصائصه أيضًا أن يوقعه على الراحلة مع كونه واجبًا عليه فهي دعوى لا دليل عليها؛ لأنه لم يثبت دليل وجوبه عليه حتى يحتاج إلى تكلف هذا الجمع.

ج. عدد ركعات الوتر:

عدد ركعات الوتر قيل: ركعة واحدة؛ فقد روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين)) وعنها أيضًا قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة)).

وهناك روايات تحكي غير واحدة، فروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها)) وجاء في رواية: ((ثم يصلي ثلاثًا)) وفي رواية: ((يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد، ثم يسلم)) قال النووي: هذا كله دليل على أن الوتر ليس مختصًا بركعة، ولا بإحدى عشرة، ولا بثلاث عشرة، بل يجوز ذلك وما بينه، وأنه يجوز جمع ركعات بتسليمة واحدة، واحتج الشافعي بهذه الأحاديث على أن الإيتار بركعة واحدة جائز، وبه قال الجمهور.

د. وقت صلاة الوتر:

قال الإمام النووي -رحمه الله-: يُستحب جعل الوتر آخر الليل -سواء كان للإنسان تهجد أم لا- إذا وثق بالاستيقاظ آخر الليل، إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره، واستدل النووي بقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما صلى)) على أن وقته يخرج بطلوع الفجر، قال: وهو المشهور من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، ويؤيد هذا ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر قال: ((من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهبت كل صلاة الليل والوتر)) وفي (صحيح ابن خزيمة): ((من أدركه الصبح ولم يوتر؛ فلا وتر له)) قال الحافظ ابن حجر: حكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبي عن مالك، والشافعي، وأحمد.

أما أول وقت الوتر فقيل: يدخل بالفراغ من فريضة العشاء، سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا، وسواء أوتر بركعة أم بأكثر، فإذا أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره.

4. باب صلاة التراويح:

أ. حديث أبي هريرة:

عن أبي هريرة قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه)) رواه الجماعة.

قوله: ((من قام رمضان)) المراد: قيام لياليه مصليًّا، ويحصل بمطلق ما يصدق عليه القيام، وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل، قيل: ويكون أكثر الليل، وقال النووي: إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح: أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان: صلاة التراويح.

قوله: ((إيمانًا واحتسابًا)) قال النووي: معنى ((إيمانًا)): تصديقًا بأنه حق، معتقدًا فضيلته، ومعنى ((احتسابًا)): أن يريد الله تعالى وحده، ولا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.

قوله: ((غُفر له ما تقدم من ذنبه)) زاد أحمد والنسائي: ((وما تأخر)) قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد في غفران “ما تقدم، وما تأخر” عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد. انتهى.

ب. صلاة التراويح:

والحديث يدل على فضيلة قيام رمضان، وتأكد استحبابه، واستدلوا به أيضًا على استحباب صلاة التراويح؛ لأن القيام المذكور في الحديث المراد به: صلاة التراويح -كما تقدم عن النووي والكرماني- قال النووي: اتفق العلماء على استحبابها، قال: واختلفوا في أن الأفضل صلاتها في بيت الإنسان منفردًا، أم في جماعة في المسجد.

فقال الشافعي، وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض المالكية، وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنها من الشعائر الظاهرة؛ فأشبهت صلاة العيد، وبالغ الطحاوي فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية، ومعنى وجوب الكفاية أو فرض الكفاية أي: أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين، أما إذا لم يقم به أحد فقد أثم الجميع، كرد السلام مثلًا، فإننا نقول: إنه من فروض الكفايات؛ فإذا مر إنسان على جماعة وقال: السلام عليكم، ورد عليه البعض فلا يأثم أحد؛ لأن الرد من فروض الكفايات؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين، أما إذا لم يرد أحد فقد أثم الجميع.

وقال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعية، وغيرهم: الأفضل في صلاة التراويح فرادى في البيت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) متفق عليه.

وأما العدد الثابت عنه صلى الله عليه وسلم في صلاته في رمضان: فأخرج البخاري وغيره عن عائشة أنها قالت: ((ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث جابر: ((أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعات ثم أوتر)).

وأخرج البيهقي عن ابن عباس: “كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر” زاد في كتاب الترغيب: “ويوتر بثلاث” قال البيهقي: تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو ضعيف.

وأما مقدار القراءة في كل ركعة فلم يرد به دليل.

والحاصل: أن الذي دلت عليه أحاديث الباب، وما يشابهها هو مشروعية القيام في رمضان، والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة.

5. ما جاء في قيام الليل، وباب تحية المسجد:

أولًا- ما جاء في قيام الليل:

الحديث الأول: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة…)):

عن أبي هريرة قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل. قال: فأي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: شهر الله المحرم)) رواه الجماعة إلا البخاري. ولابن ماجه منه: فضل الصوم فقط، أي: أن الحديث في سنن ابن ماجه لكنه لم يذكر فيه فضل الصلاة، وذكر فضل الصوم فقط. عن أبي هريرة رضي الله عنه والصحابي الجليل أبو هريرة، وقد تقدم التعريف به في المحاضرات السابقة.

قوله: “سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم” أي: أحد الصحابة سأله.

قوله: “أي الصلاة؟” الصلاة لغة: الدعاء، واصطلاحًا: أقوال وأفعال، تبدأ بالتكبير، وتنتهي بالتسليم. والمراد بالصلاة هنا: صلاة التطوع. قوله: “بعد المكتوبة” أي: بعد المفروضة، وتطلق الكتابة على ما كان فرضًا، قال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} [البقرة: 183] أي: فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم، وقال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ} [البقرة 178].

قوله: ((الصلاة في جوف الليل)) أي: صلاة الليل، فهي أفضل الصلوات بعد الفرائض الخمس؛ لأن صلاة الليل كانت فرضًا، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل سنة كاملة. قال تعالى: {يَأَيّهَا الْمُزّمّلُ (1) قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (2) نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 1- 4] ثم كان التخفيف في آخر السورة: {إِنّ رَبّكَ يَعْلَمُ أَنّكَ تَقُومُ أَدْنَىَ مِن ثُلُثَيِ الْلّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مّنَ الّذِينَ مَعَكَ وَاللّهُ يُقَدّرُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ عَلِمَ أَلّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] يقول الإمام النووي: هذا ظاهره أنه صار تطوعًا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمة، فأما الأمة: فهو تطوع في حقهم بالإجماع، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا في نسخه في حقه، والأصح عندنا النسخ. وأما حكاه القاضي عياض عن بعض السلف: أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الإثم، أي: إثم قيام الليل، ولو قدر حلب الشاة، فهذا غلط، ومردود بإجماع من قبله من النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس.

قوله: “فأي الصيام أفضل؟” الصيام لغة: الإمساك، واصطلاحًا: الإمساك عن شهوتي البطن، والفرج يومًا كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قوله: “بعد رمضان” أي: شهر رمضان، ورمضان: مأخوذ من رمض الصائم يرمض، إذا حر جوفه من شدة العطش. والرمضاء: شدة الحر، سمي بذلك لموافقة فريضته في الزمان الأول عند بعضهم زمن الرمضاء، وهي شدة الحر. يعني: عندما فرض صيام رمضان على أول أمة، صادف ذلك شدة حر؛ فسمي رمضان لذلك. وقيل: سمي رمضان بهذا الاسم؛ لشدة احتراق جوف الصائم بالعطش. وقيل: لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها ويذهبها.

وفي الحديث الذي رواه مسلم: ((صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال)) أي: ارتفع الضحى. والفصال: صغار الإبل، وذلك أن الفصال تبرك عند احتراق الرمضاء، وهي الرمض بحرارة الشمس؛ لأنه يحرق أخفافها.

قوله: ((شهر الله المحرم)) وذلك لأن هذا الشهر فيه يوم عاشوراء، روى البخاري بسنده عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: إن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل)).

يقول الإمام الشوكاني في هذا الحديث: وفي الباب عن بلال عند الترمذي في كتاب الدعوات من سننه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم)) وعن أبي أمامة عند ابن عدي في (الكامل) والطبراني في (الكبير) و (الأوسط) والبيهقي مثل حديث بلال، وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو مختلف فيه -أي: مختلف في تعديله وتجريحه.

وعن ابن مسعود عند ابن حبان في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عجب ربنا من رجلين: رجلٌ: ثار من وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، فيقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي ثار من وطائه وفراشه من بين حبه وأهله إلى صلاته؛ رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي)) الحديث ورواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في (الكبير). قال: العراقي وإسناده جيد. وعن سهل بن سعد عند الطبراني في (الأوسط) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: ((واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل)) وعن أبي سعيد عند ابن ماجه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليضحك إلى ثلاثة: للصف في الصلاة، وللرجل يصلي في جوف الليل، وللرجل يقاتل الكتيبة)) وعن إياس بن معاوية المزني عند الطبراني في الكبير مثل حديث جابر الثاني.

وهذه الأحاديث تدل على تأكد استحباب قيام الليل، ومشروعية الاستكثار من الصلوات فيه، وبها استدل من قال: إن الوتر أفضل من صلاة الصبح، وقد تقدم الخلاف في ذلك.

وحديث الباب أيضًا يدل على تفضيل الصيام في المحرم، وأن صيام المحرم أفضل من صيام بقية الأشهر، وهو مخصص لعموم ما عند البخاري والترمذي، وصححه النسائي وأبو داود من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، فقال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء)) وهذا إذا كان كون الشيء أحب إلى الله، يستلزم أنه أفضل من غيره، وإن كان لا يستلزم ذلك، فلا حاجة إلى التخصيص؛ لعدم التنافي.

الحديث الثاني: ((إن أحب الصيام إلى الله صيام داود…)):

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا)) رواه الجماعة إلا الترمذي؛ فإنه إنما روى فضل الصوم فقط.

رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ((قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وافطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا -أي: الزائرين- وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذا ذلك صيام الدهر كله. فشَددت، فشُدد علي. قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، قال: فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه. قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: نصف الدهر. فكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم)).

وفي سبب ورود هذا الحديث ما رواه البخاري في فضائل القرآن، من حديث عبد الله بن عمرو قال: ((أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته -يعني: زوجة ابنه- فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل؛ لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه -وهذا كناية على أن الزوجة تشتكي زوجها أنه لم يقربها، ولم يأتها منذ أن تزوجته- فلما طال ذلك عليه، ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم -أي: ذكر عمرو بن العاص ابنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: القني به، فلقيته بعد فقال: كيف تصوم؟ قلت: كل يوم. قال: وكيف تختم -يعني القرآن-؟ قلت: كل ليلة. قال: صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر. قلت: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم صلاة ثلاثة أيام في الجمعة. قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين، وصم يومًا. قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصوم، صوم داود: صيام يوم، وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة. يقول عبد الله بن عمرو: فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أني كبرت وضعف قواي)) إلى آخر ما ذكر عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

الحديث أيضًا يدل على أن صوم يوم، وإفطار يوم أحب إلى الله من غيره، وإن كان أكثر منه، وما كان أحب إلى الله جل جلاله فهو أفضل والاشتغال به أولى. وفي رواية لمسلم: ((أن عبد الله بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك)).

ثانيًا- باب تحية المسجد:

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) رواه الجماعة، والأثرم في سننه، ولفظه: ((أعطوا المساجد حقها، قالوا: وما حقها؟ قال: أن تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا)) حديث أبي قتادة أورده البخاري بلفظ النهي، كما ذكره المصنف، وبلفظ الأمر.

وروى من طريق عمرو بن سليم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)).

وأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سليكًا الغطفاني لما أتى يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقعد قبل أن يصلي الركعتين، أن يصليهما)).

وأخرج مسلم عن جابر أيضًا: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره لما أتى المسجد لثمن جمله الذي اشتراه منه صلى الله عليه وسلم أن يصلي الركعتين)).

والأمر يفيد تحقيقه وجوب فعل التحية، والنهي يفيد بحقيقته أيضًا تحريم تركها.

قال الحافظ في (الفتح): والذي صرح به ابن حزم عدمه: عدم الوجوب. وذهب الجمهور: إلى أنها سنة. قال النووي: إنه إجماع المسلمين. وقال: وحكى القاضي عياض عن داود وأصحابه وجوبها.

6. باب النهي عن التطوع بعد الإقامة:

الحديث الأول: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)):

عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) وهذا الحديث ذكرناه منذ قليل، رواه الجماعة إلا البخاري. وفي رواية لأحمد: ((إلا التي أقيمت)) وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني في الأفراد مثل حديث أبي هريرة. قال العراقي: وإسناده حسن. وعن جابر عند ابن عدي في (الكامل) مثله. وفيه عبد الله بن ميمون القداح، قال البخاري: ذاهب الحديث.

والحديث يدل على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما.

قوله: ((فلا صلاة)) يحتمل أن يتوجه النفي إلى الصحة أو إلى الكمال، والظاهر توجهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة، وقد قدمنا الكلام في ذلك، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة الصلاة المكتوبة -كما تقدم عن أبي هريرة وأهل الظاهر. قال العراقي: إن قوله: ((فلا صلاة)) يحتمل أن يراد: فلا يشرع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم. أو أنها تبطل بنفسها وإن لم يقطعها المصلي، يحتمل كل من الأمرين.

قوله: ((إلا المكتوبة)) الألف واللام ليست لعموم المكتوبات، وإنما هي راجعة إلى الصلاة التي أقيمت، قد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد بلفظ: ((فلا صلاة إلا المكتوبة التي أقيمت)) وكذلك في رواية لأبي هريرة ذكرها ابن عبد البر في (التمهيد).

7. باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها:

الحديث الأول: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، …))

عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)) متفق عليه. وفي لفظ: ((لا صلاة بعد صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب)) رواه أحمد والبخاري.

وعن عمر بن الخطاب: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس)) روى أبو هريرة مثل ذلك، متفق عليهما.

وفي لفظ عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس)) رواه البخاري، ورواه أحمد، وأبو داود وقال فيه: ((بعد صلاة العصر)).

وفي الباب عن جماعة من الصحابة، منهم عمرو بن عبسة، وابن عمر، وعن ابن مسعود عند الطحاوي بلفظ: ((كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ونصف النهار)) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني في (الأوسط) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصلوا بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس)).

قوله: ((بعد صلاة العصر، وبعد صلاة الفجر)) هذا تصريح بأن الكراهة متعلقة بفعل الصلاة لا بدخول وقت الفجر والعصر. وكذا قوله في الرواية الأخرى: ((لا صلاة بعد الصلاتين)).

وكذا قوله في رواية ابن عمر: ((لا صلاة بعد صلاة الصبح)).

وكذا قوله في حديث عمرو بن عبسة الآتي: ((صلي صلاة الصبح
ثم أقصر)).

والأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة العصر والفجر عامة، فما كان أخص منها مطلقًا، كحديث زيد بن الأسود وابن عباس الآتيين في الباب الذي بعد هذا، وحديث علي المتقدم، وقضاء سنة الظهر بعد العصر، وسنة الفجر بعده للأحاديث المتقدمة في ذلك، فلا شك أنها مخصصة لهذا العموم، وما كان بينه وبين أحاديث الباب عموم وخصوص من وجه، كأحاديث تحية المسجد، وأحاديث قضاء الفوائت وقد تقدما، والصلاة على الجنازة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يا علي، ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت)) الحديث أخرجه الترمذي، وصلاة الكسوف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة)) والركعتين عقب التطهر؛ لحديث أبي هريرة المتقدم، وصلاة الاستخارة؛ للأحاديث المتقدمة وغير ذلك، فلا شك أنها أعم من أحاديث الباب من وجه، وأخص منها من وجه، وليس أحد العمومين أولى من الآخر بجعله خاصًّا لما في ذلك من التحكم، والوقف هو المتعين حتى يقع الترجيح بأمر خارج.

الحديث الثاني: ((ثلاث ساعات نهانا رسول الله…)):

عن عقبة بن عامر قال: ((ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف للغروب حتى تغرب)) رواه الجماعة إلا البخاري.

قوله: ((أن نُقَبِّر)) هو بضم الباء الموحدة وكسرها لغتان. قال النووي: قال بعضهم: المراد بالتقبير صلاة الجنازة وهذا ضعيف؛ لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع، فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع.

بل الصواب: أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، وهي صلاة المنافقين. قال: فأما إذا وقع الدفن بلا تعمد في هذه الأوقات فلا يكره. وظاهر الحديث أن الدفن في هذه الأوقات محرّم من غير فرق بين العامد وغيره، إلا أن يخص غير العامد بالأدلة القاضية برفع الجناح عنه.

قوله: ((بازغة)) أي ظاهرة. قوله: ((تضيف)) ضبطه النووي في شرح مسلم بفتح التاء والضاد المعجمة وتشديد الياء. والمراد به: الميل. والحديث يدل على تحريم الصلاة في هذه الأوقات، وكذلك الدفن. وقد حكى النووي الإجماع على الكراهة قال: واتفقوا على جوائز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة التحية، وسجود التلاوة والشكر، وصلاة العيد والكسوف، وصلاة الجنازة، وقضاء الفوائت. ومذهب الشافعي وطائفة: جواز ذلك كله بلا كراهة. ومذهب أبي حنيفة وآخرين: أنه داخل في النهي؛ لعموم الأحاديث. وجعلوا لصلاة الجنازة ها هنا من جملة ما وقع فيه الخلاف ينافي دعواه الإجماع على عدم كراهتها كما تقدم عنه. ومن القائلين بكراهة قضاء الفرائض في هذه الأوقات: زيد بن علي، والمؤيد بالله، والداعي، والإمام يحيى، قالوا: لشمول النهي للقضاء؛ لأن دليل المنع لم يفصل.

8. باب الرخصة في إعادة الجماعة، وركعتي الطواف في كل وقت:

عن يزيد بن الأسود قال: ((شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا. فقال: عليّ بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة)) رواه الخمسة إلا ابن ماجه.

في لفظ لأبي داود: ((وإذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه؛ فإنها له نافلة)) الحديث أخرجه أيضًا الدارقطني وابن حبان، وصححه ابن السكن. وقال الترمذي: حسن صحيح.

وفي الباب عن أبي ذر عند مسلم في حديث أوله: ((كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟)) وفيه: ((فإن أدركتها معهم فصلها؛ فإنها لك نافلة)).

قوله: ((تُرعَد)) بضم أوله وفتح ثالثه تتحرك.

كذا قال ابن رسلان. قوله: ((فرائصهما)) جمع فريصة بالصاد المهملة، وهي اللحمة من الجنب والكتف التي لا تزال ترعد، أي: تتحرك من الدابة، واستعير للإنسان؛ لأن له فريصة وهي ترجف عند الخوف، وقال الأصمعي: الفريصة لحمة بين الكتف والجنب. وسبب ارتعاد فرائصهما ما اجتمع في رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة لكل من رآه مع كثرة تواضعه صلى الله عليه وسلم.

قوله: ((ثم أتيتما مسجد جماعة)) لفظ أبي داود: ((إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه)) ولفظ ابن حبان: ((إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الصلاة فصليا)).

قوله: ((فإنها لكما نافلة)) فيه تصريح بأن الثانية في الصلاة المعادة نافلة، وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى جماعة أو فرادى؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

وحديث الباب يدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة، وإن كان الوقت وقت كراهة؛ للتصريح بأن ذلك كان في صلاة الصبح، وإلى ذلك ذهب الشافعي؛ فيكون هذا مخصصًا لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة الصبح.

error: النص محمي !!