Top
Image Alt

صلاة الجمعة: حكمها، من تجب عليه، شروطها

  /  صلاة الجمعة: حكمها، من تجب عليه، شروطها

صلاة الجمعة: حكمها، من تجب عليه، شروطها

حكم صلاة الجمعة:

الحديث الأول

عن ابن مسعود رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلَّفون عن الجمعة بيوتَهم)) رواه أحمد، ومسلم.

الحديث الثاني                

عن أبي هريرة وابن عمر: ((أنهما سَمِعَا النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين)) رواه مسلم، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس.

الحديث الثالث

عن أبي الجعد الضمري، وله صحبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ترك ثلاث جُمَع تهاونًا طبع الله على قلبه)) رواه الخمسة وابن ماجه من حديث جابر بنحوه.

 شرح الأحاديث، واستنباط الأحكام الفقهية منها:

قوله: ((لقد هممت…)) إلى آخره، قد استدلوا بذلك على أن الجمعة من فروض الأعيان، وقد سبق هذا الحديث عن أبي هريرة في أبواب صلاة الجماعة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار)).

وقوله: ((ولقد هممت)) اللام جواب القسم. وفي البخاري وغيره ((والذي نفسي بيده، لقد هممت)) والهم: العزم، وقيل: دون العزم. وقوله: ((فأحرّق)) بالتشديد، يقال: حرقه إذا بالغ في تحريقه، وفيه جواز العقوبة بإتلاف المال.

والحديث استدل به القائلون بوجوب صلاة الجماعة، وكذلك الجمعة؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه. ويمكن أن يقال: إن التهديد بالتحريق المذكور يقع في حق تاركي فرض الكفاية؛ لمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية.

قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي يفضي إلى القتال أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما يشرع فيها إذا تمالأ الجميع على الترك.

وقد اختلفت أقوال العلماء في صلاة الجماعة والجمعة: فذهب عطاء، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وأهل الظاهر، وجماعة، إلى أنها فرض عين. واختلفوا: فبعضهم قال: هي شرط، وبعضهم قال: إنها فرض عين غير شرط، وإليه ذهب الشافعي في أحد قولين. قال الحافظ: وهو ظاهر نصه، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وبه قال كثير من المالكية والحنفية إلى أنها فرض كفاية، وذهب الباقون إلى أنها سنة، وهو قول زيد بن علي، والهادي، والقاسم، والناصر، والمؤيد بالله، وأبو طالب، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة.

وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة:

الأول: أنها لو كانت شرطًا أو فرضًا لبين ذلك عند التوعد، كذا قال ابن بطال. ورد بأنه صلى الله عليه وسلم قد دلّ على وجوب الحضور وهو كافٍ في البيان.

الثاني: أن الحديث يدل على خلاف المدعى، وهو عدم الوجوب؛ لكونه صلى الله عليه وسلم همّ بالتوجه إلى المتخلفين، ولو كانت الجماعة فرضًا لما تركها.

وفيه أن تركه لها حال التحريق لا يستلزم الترك مطلقًا؛ لإمكان أن يفعلها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده.

الثالث: قال الباجي وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بعقوبة لا يعاقبها إلا الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب: بأن ذلك وقع قبل تحريم التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا، على أنه لو فرض أن هذا التوعد وقع بعد التحريم لكان مخصصًا له؛ فيجوز التحريق في عقوبة تارك الصلاة.

الرابع: تركه صلى الله عليه وسلم لتحريقهم بعد التهديد، ولو كان واجبًا لما عفا عنهم. قال عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم همّ ولم يفعل. زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم. وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، والترك لا يدل على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، على أن رواية “أحمد” فيها بيان سبب الترك.

الخامس: أن التهديد لقوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة، وهو ضعيف؛ لأن قوله: ((لا يشهدون الصلاة)) بمعنى لا يحضرون. وفي رواية لأحمد عن أبي هريرة: ((العشاء في الجمع)) أي: في الجماعة. وعند ابن ماجه من حديث أسامة: ((لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم)).

السادس: أن الحديث ورد في الحثِّ على مخالفة أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، ذكر ذلك ابن المنير.

السابع: أن الحديث ورد في حق المنافقين؛ فلا يتم به الدليل. وتعقب: باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه صلى الله عليه وسلم كان معرضًا عنهم وعن عقوبتهم، مع علمه بطويتهم، وقال: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)) وتعقب هذا التعقب ابن دقيق العيد بأنه لا يتم إلا إن ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، وليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم.

قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في صدر الحديث، يعني: في الرواية التي ذكرها أبو هريرة: ((أثقل الصلاة على المنافقين)) ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((لو يعلمون)) لأن هذا الوصف يليق بهم لا بالمؤمنين. ونحن مع ابن حجر؛ حيث إن هذا الوعيد إنما هو للمنافقين.

وقوله: ((ودعهم)) أي: تركهم. وقوله: ((أو ليختمن الله تعالى)) الختم: الطبع والتغطية. قال القاضي عياض: اختلف المتكلمون في هذا اختلافًا كثيرًا فقيل: هو إعدام اللطف وأسباب الخير، وقيل: هو خلق الكفر في صدورهم، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة، يعني: الأشعرية. وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم. وقيل: هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم؛ ليعرف بها الملائكة من يمدح ومن يذم. قال العراقي: والمراد بالطبع على قلبه أنه يصير قلبه قلب منافق، وقال تعالى في حق المنافقين: {فَطُبِعَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3].

قوله: ((ثلاث جمع)) يحتمل أن يراد حصول الترك مطلقًا، سواء توالت الجمعات أو تفرقت، حتى لو ترك في كل سنة جمعة؛ لطبع الله تعالى على قلبه بعد الثالثة، وهو ظاهر الحديث، ويحتمل أن يراد ثلاث جمع متوالية؛ لأن موالاة الذنب ومتابعته مشعرة بقلة المبالاة.

قوله: ((تهاونًا)) يستفاد منه أن الطبع المذكور إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاونًا؛ فينبغي حمل الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون، وكذلك تحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة بعدم العذر.

ومن جملة الأدلة الدالة على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ} [الجمعة: 9]. ومنها: حديث طارق بن شهاب، وسيأتي، ومنها حديث حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رواح الجمعة واجب على كل محتلم)) رواه النسائي. ومنها: ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله تعالى عليهم، واختلفوا فيه، فهدانا الله تعالى له؛ فالناس لنا تبعًا فيه)).

وقد استنبط منه البخاري فرضية صلاة الجمعة، وبوَّب عليه باب: فرض الجمعة. وصرح النووي والحافظ ابن حجر: بأنه يدل على الفرضية، قال: لقوله ((فرض الله تعالى عليهم فهدانا له)) فإن التقدير: فرض عليهم وعلينا فضلوا وهدينا، وقد وقع عند مسلم في رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ: ((كتب علينا)).

من تجب عليه الجمعة، ومن لا تجب:

الحديث الأول:

رواه أبو داود، والدارقطني، وقال فيه: ((الجمعة على من سمع النداء)) هذا الحديث قال أبو داود في (السنن): رواه جماعة، عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة. انتهى.

قال النووي في (الخلاصة): إن البيهقي قال له شاهد، فذكره بإسناد جيد، قال العراقي: وفيه نظر، قال: ويغني عنه حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: ((أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب)) وروى نحوه أبو داود بإسناد حسن، عن ابن أم مكتوم.

قال: فإذا كان هذا في مطلق الجماعة؛ فالقول به في خصوصية الجمعة أولى، والمراد بالنداء المذكور في الحديث هو النداء الواقع بين يدي الإمام في المسجد؛ لأن الذي كان في زمن النبوة، لا الواقع على المنارات؛ لأنه محدث، وظاهره عدم وجوب الجمعة على من لم يسمع النداء، سواء كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة، أم في خارجه، وقد ادعى في (البحر) الإجماع على عدم اعتبار سماع النداء في موضعها، واستدل لذلك بقوله: إذا لم تعتبره الآية، وأنت تعلم أن الآية قد قيد الأمر بالسعي فيها بالنداء لما تقرر عند أئمة البيان من أن الشرط قيد لحكم الجزاء، والنداء المذكور فيها يستوي فيه من في المصر الذي تقام فيه الجمعة، ومن في خارجه.

نعم، إن صح الإجماع كان هو الدليل على عدم اعتبار سماع النداء لمن في موضع إقامة الجمعة عند من قال بحجية الإجماع.

وقد حكى العراقي في شرح الترمذي عن الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر -وإن لم يسمعوا النداء- وهذا هو الذي نميل إليه، لأن الإنسان يعرف المسجد القريب منه، ويعرف -الآن- وقت الجمعة، فمن لم يسمع النداء فقد وجبت عليه الجمعة أيضًا.

وقال عطاء: تلزم من على عشرة أميال، وقيل: تلزم من كان على ستة أميال، وقال ربيعة: تلزم من على أربعة أميال، وروي عن مالك: ثلاثة، وروي عن الشافعي: فرسخ، وكذلك روي عن أحمد.

قال ابن قدامة: وهذا قول أصحاب الرأي، وروى في (البحر) عن زيد بن علي، والباقر، والمؤيد بالله، وأبي حنيفة، وأصحابه أنها لا تجب على من كان خارج البلد، وقد استدلوا بحديث الباب أن الجمعة من فروض الكفايات، حتى قال في ضوء النهار: إنه يدل على ذلك بلا شك ولا شبهة، ورد بأنه ليس في الحديث، إلا أنها من فرائض الأعيان على سامع النداء فقط، وليس فيه أنها فرض كفاية على من لم يسمع، بل مفهومه يدل على أنها لا تجب عليه؛ لا عينًا، ولا كفاية.

الحديث الثاني:

عن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجمعة حقٌ واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)) رواه أبو داود، وقال: طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئًا.

شرح مفردات الحديث:

قوله: ((عبد مملوك)) فيه أن الجمعة غير واجبة على العبد، قال داود: إنها واجبة عليه لدخوله تحت عموم الخطاب.

قوله: ((أو امرأة)) فيه عدم وجوب الجمعة على النساء، أما غير العجائز، فلا خلاف في ذلك، وأما العجائز، فقال الشافعي يستحب لهن حضور الجمعة.

قوله: ((أو صبي)) فيه أن الجمعة غير واجبة على الصبيان، وهو مجمع عليه.

قوله: ((أو مريض)) فيه أن المريض لا تجب عليه الجمعة إذا كان الحضور يجلب عليه مشقة، وقد ألحق به الإمام يحيى، وأبو حنيفة الأعمى، وإن وجد قائدًا لما في ذلك من المشقة، وقال الشافعي: إنه غير معذور عن الحضور إن وجد قائدًا، وظاهر حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم المتقدمين في شرح الحديث الذي في أول هذا الباب: أنه غير معذور مع سماعه للنداء، وإن لم يجد قائدًا لعدم الفرق بين الجمعة وغيرها من الصلوات.

واختلف في المسافر: هل تجب عليه الجمعة إذا كان نازلًا، أم لا؟

فقال الفقهاء، وزيد بن علي، والناصر، والباقر، والإمام يحيى: أنها لا تجب عليه ولو كان نازلًا وقت إقامتها، واستدلوا بما تقدم في حديث جابر من استثناء المسافر، وكذا استثناء المسافر في حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه، وقال الهادي، والقاسم، وأبو العباس، والزهري، والنخعي: أنها تجب على المسافر إذا كان نازلًا وقت إقامتها، لا إذا كان سائرًا.

باب: انعقاد الجمعة بأربعين، وإقامتها في القرى:

الحديث الأول

عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره، عن أبيه كعب رضي الله عنه: (( أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة؛ ترحم لأسعد بن زُرارة، قال: فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت، من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات، قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا)) رواه أبو داود، وابن ماجه، وقال فيه: ((كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة)).

شرح الحديث، واستنباط الأحكام الفقهية منه:

وهذا الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أخرجه ابن حبان، والبيهقي وصححه، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده حسن، وفي إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال مشهور.

قوله: ((هزم النبيت)) هو بفتح الهاء، وسكون الزاي المطمئن من الأرض يعني الأرض المستوية، و”النبيت” بفتح النون، وكسر الباء الموحدة، وسكون الياء التحتية، وبعدها تاء فوقية، قال في (القاموس): هو أبو حي باليمن اسمه عمرو بن مالك، انتهى. والمراد به هنا موضعُ حرة بني بياضة، وهي قرية على بعد ميل من المدينة، وبنو بياضة بطن من الأنصار، والحرة أرضٌ بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة.

قوله: ((في نقيع)) هو بالنون، ثم القاف، ثم الياء التحتية، بعدها عين مهملة.

قوله: ((الخضمات)) بالخاء المعجمة، وكسر الضاد المعجمة موضع معروف.

وقوله: ((أربعون رجلًا)) استدل به من قال أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا، وإلى ذلك ذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه -كما سبق- وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعمر بن عبد العزيز.

ووجه الاستدلال بحديث الباب: أن الأمة أجمعت على اشتراط العدد، والأصل الظهر؛ فلا تصح الجمعة إلا بعدد أثبت بدليل، وقد ثبت جوازها بأربعين، فلا يجوز بأقل من أربعين إلا بدليل صحيح، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).

قالوا: ولم تثبت صلاته لها بأقل من أربعين، وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة في الحديث على اشتراط الأربعين؛ لأن هذه واقعة عين، وذلك أن الجمعة فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة -كما أخرجه الطبراني عن ابن عباس- فلم يتمكن من إقامتها هنالك من أجل الكفار.

فلما هاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة كتب إليهم يأمرهم أن يجمعوا؛ فجمعوا، واتفق أن عدتهم إذن كانت أربعين، وليس فيه ما يدل على أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة، وقد تقرر في الأصول: أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم؛ لأنها واقعة.

وروى عبد بن حميد، وعبد الرزاق، عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة.

قالت الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل أسبوع، وللنصارى مثل ذلك؛ فهلم فلنجعل يومًا نجمع فيه؛ فنذكر الله تعالى، ونشكره؛ فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه؛ فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها؛ فأنزل الله تعالى في ذلك بعد: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ} [الجمعة: 9].

قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقولهم: لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بأقل من أربعين يرده حديث جابر الآتي في باب: انفضاض العدد؛ لتصريحه بأنه لم يبقَ معه صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلًا.

وما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود الأنصاري قال: أول من قدم المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلًا، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) خمسة عشر مذهبًا؛ فقال: وجملة ما للعلماء في ذلك خمسة عشر قولًا:

الأول: تصح من الواحد نقله ابن حزم، قال الشوكاني: وحكاه الدارمي، عن القاشاني، وحكاه صاحب (البحر) عن الحسن بن صالح.

الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي، وأهل الظاهر، والحسن بن يحيى.

الثالث: اثنان مع الإمام عند أبي يوسف، ومحمد من أصحاب أبي حنيفة.

قال الشوكاني: وحكاه في (شرح المهذب) يعني: النووي، عن الأوزاعي، وأبي ثور، وحكاه في (البحر) عن أبي العباس، وهو قول الأوزاعي والثوري.

الرابع: ثلاثة مع الإمام عند أبي حنيفة، قال الشوكاني: وإليه ذهب المؤيد وأبو طالب، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي ثور، واختاره المزني والسيوطي، وحكاه عن الثوري، والليث.

الخامس: سبعة، حكي عن عكرمة.

السادس: تسعة، حكي عن ربيعة.

السابع: اثنا عشر، عنه في رواية، قال الشوكاني: وحكاه عنه المتولي والماوردي، في الحاوي، وحكاه الماوردي أيضًا عن الأزهري، والأوزاعي ومحمد بن الحسن.

الثامن: مثله غير الإمام عند إسحاق.

التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب، عن مالك.

العاشر: ثلاثون في روايته أيضًا، عن مالك.

الحادي عشر: أربعون بالإمام عند الشافعي، قال الشوكاني: ومعه من قدمنا ذكرهم، كما حكى ذلك السيوطي.

الثاني عشر: أربعون غير الإمام، روي عن الشافعي، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفة.

الثالث عشر: خمسون عند أحمد، وفي رواية كليب، عن عمر بن عبد العزيز.

الرابع عشر: ثمانون، حكاه المازري.

الخامس عشر: جمع كثير بغير قيد، قال الشوكاني: حكاه السيوطي عن مالك، قال الحافظ ابن حجر: ولعل هذا الأخير هو أرجح الأقوال من حيث الدليل.

error: النص محمي !!