Top
Image Alt

صلاة الجنازة: صفتها، إمامتها

  /  صلاة الجنازة: صفتها، إمامتها

صلاة الجنازة: صفتها، إمامتها

الباب الخامس: بيان أحكام الميّت

أحكام الصلاة على الجنازة -بعد معرفة وجوبها على الكفاية- يمكن تناولها في خمسة فصول:

الفصل الأول: في صفة صلاة الجنازة.

الفصل الثاني: على مَن يصلّى، ومَن الأوْلى بالصلاة على الميت؟

الفصل الثالث: في وقت هذه الصلاة، هل تجوز في جميع الأوقات؟ أو لا تجوز في الأوقات المنهيّ عنها؟

الفصل الرابع: في موضع هذه الصلاة، هل تكون في المسجد؟ أو تكون في المقابر؟ أو في البيت؟

الفصل الخامس: في شروط هذه الصلاة من حيث الطهارة والقِبلة، ونحو ذلك ممّا مضى في شروط الصلاة.

الفصل الأوّل: صفة صلاة الجنازة:

كيف تُصلّى صلاة الجنازة على الميّت؟ هل لها هيئة خاصة؟ أو تكون كصلاة الفرائض أو النوافل؟ أو كالعيدين، أو كصلاة الكسوف، أو الاستسقاء؟ أو غير ذلك؟ 

إن صلاة الجنازة لها صفة خاصة وهيئة خاصة.

ولذلك قسّمها ابن رشد -أو قسّم أحكامها إلى عدة مسائل:

المسألة الأولى: عدد التكبيرات التي تكون في صلاة الجنازة:

تكلّم ابن رشد هنا عن عدد التكبيرات التي تكون في صلاة الجنازة، وذكَر: أنّ السلف الأوّل -أو الصدر الأوّل- من علماء الإسلام من الصحابة والتابعين اختلفوا في عدد التكبيرات اختلافًا كثيرًا، بين ثلاث تكبيرات، أربع تكبيرات، خمس تكبيرات، ستّ تكبيرات، سبع تكبيرات. ثم استقرّ الأمر عند فقهاء الأمصار في سائر البلاد الإسلامية وعند الأئمة الأربعة على: أنّ التكبيرات في صلاة الجنازة أربع تكبيرات.

بعد التكبيرة الأولى: تقرأ “الفاتحة” عند جمهور العلماء. وبعد التكبيرة الثانية: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد التكبيرة الثالثة: الدّعاء للميت بالرحمة والمغفرة. وبعد التكبيرة الرابعة: الدعاء للمسلمين. ثم التسليم.

إلَّا أن ابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، خالفَا الأئمةَ الأربعة في ذلك، وقالَا: إن تكبيرات صلاة الجنازة خمس تكبيرات.

أشار ابن قدامة -رحمه الله- إلى أن سُنّة التكبير على الجنازة أربع، ولا تُسنّ الزيادة عليها، ولا يجوز النقص منها. فيكبِّر التكبيرة الأولى -وهي معروفة بتكبيرة الإحرام- ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ سورة “الحمد” –أي: سورة “الفاتحة”- ويبدؤها بـ”بسم الله الرحمن الرحيم”. ولا يُستنّ دعاء الاستفتاح الذي سبق معرفته: ((وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض…)) إلى آخر هذا الدعاء.

قال أبو داود: سمعت أحمد يُسأل عن: الرجل يستفتح الصلاة على الجنازة بـ((سبحانك اللهم وبحمدك))، قال: ما سمعتُ. قال ابن المنذر: كان الثوري يستحبّ أن يستفتح في صلاة الجنازة، ولم نجده في كتب سائر أهل العلْم. وقد روي عن أحمد مثل قول الثوري؛ لأن الاستعاذة فيها مشروعة، فيُسنّ أيضًا الاستفتاح كسائر الصلوات.

لكن الراجح: أنه لا استفتاحَ فيها.

ولذلك قال ابن قدامة: إن صلاة الجنازة شُرع فيها التخفيف، ولهذا لا يُقرأ فيها بعد “الفاتحة” شيء، وليس فيها ركوع ولا سجود. والتعوّذ سُنّة للقراءة مطلقًا؛ لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ} [النحل: 98]؛ فالاستعاذة لقراءة القرآن، وليست لصلاة الجنازة.

ومن هذا نعلم: أنّ الأمر قد استقرّ على أنّ تكبيرات الجنازة أربع، ولا تُسنّ الزيادة عليها.

رفْع اليديْن عند التكبير في صلاة الجنازة، والقراءة فيها:

قضية أخرى تتعلّق برفْع اليديْن في أوّل التكبير، أو في كلّ التكبيرات. ما دام هناك تكبيرات في صلاة الجنازة، هل نرفع اليديْن عند التكبير، أو لا نرفعهما؟ وهذا من صِفة الصلاة.

أجمع العلماء على رفع اليديْن عند التكبيرة الأولى، أي: تكبيرة الإحرام، سواء في الجنازة أو غيرها من الصلوات.

أمّا باقي التكبيرات الثلاث، فهي محلّ خلاف:

فقال قوم، كالشافعي: يرفع اليديْن عند كل تكبير.

وقال آخرون، منهم أبو حنيفة ومالك: لا يرفع. وروى الترمذي عن أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبّر في جنازة، فرفَع يديْه في أوّل التكبير، ووضع يده اليمنى على اليسرى)).

ومن هذا نعْلَم: أنّ القول برفْع اليديْن له سنده. والقول بعدم الرفع أيضًا له سنَده.

فمَن ذهب إلى ظاهر الحديث الذي رواه الترمذي، وكان مذهبه في الصلاة: أنه كان لا يرفع إلَّا في أوّل التكبير، قال: الرفع في أوّل التكبير؛ وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك.

ومَن قال: يرفع في كلّ تكبير، فإنه شبّه التكبير الثاني بالأوّل. لماذا يرفع في الأوّل ولا يرفع في الثاني؟

ولأنها تكبيرات انتقال، أشبه بتكبيرات الركوع والسجود؛ لأنه كلّه يُفعل في حال القيام والاستواء.

وقد حكَى ابن قدامة مثل ذلك، فقال: أجمع أهل العلْم على: أنّ المصلِّي على الجنائز يرفع يديْه في أوّل تكبيرة يكبِّرها.

وكان ابن عمر يرفع يديْه في كلِّ تكبيرة؛ وبه قال سالم، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وقيس بن أبي حازم، والزهري، وإسحاق، وابن المنذر، والأوزاعي، والشافعي. هذا القول بالرفع في الأوّل وسائر التكبيرات.

وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة: لا يرفع يديْه إلا في الأولى؛ لأن كلّ تكبيرة مقام ركعة، ولا تُرفع الأيدي في جميع الركعات.

رجّح ابن قدامة الرفع في سائر التكبيرات، وقال: لنا ما روي عن ابن عمر قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديْه في كل تكبيرة))، رواه ابن أبي موسى. وعن ابن عمر وأنس: أنهما كانا يفعلان ذلك؛ لأنها أيضًا تكبيرة حال الاستقرار، أشبهت التكبيرة الأولى. وما ذكروه من قولهم: “لأنّ كلّ تكبيرة مقام ركعة، ولا ترفع الأيدي في جميع الركعات”، غيرُ مسلّم؛ فإذا رفَع يديْه فإنه يحطهما عند انقضاء التكبير، ويضع اليمنى على اليسرى كما في بقية الصلوات. وفيما روى ابن أبي موسى: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى على جنازة، فوضع يمينه على شماله)).

وعلى كلّ، فكِلا الأمريْن صحيح. فمَن رفَع فلا حرج عليه، وأخذ بقول الشافعي وأحمد. ومَن لم يرفَع فلا حرج عليه، وأخذ بقول مالك وأبي حنيفة.

المسألة الثانية: القراءة في صلاة الجنازة:

هل يَقرأ المصلي على الجنازة سورة “الفاتحة”؟ أو يكتفي بالأدعية، ولا يقرأ شيئًا من القرآن الكريم؟ هذه القضية محلّ اختلاف بين الفقهاء.

مالك وأبو حنيفة يقولان: ليس في صلاة الجنازة قراءة، إنما هو دعاء. وقال مالك: قراءة “فاتحة الكتاب” في صلاة الجنازة ليس بمعمول به في بلدنا بحال، أي: في المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة وأطيب السلام.

ومالك -كما نعلم- يحتجّ بعمل أهل المدينة. فقراءة “فاتحة الكتاب” في المدينة ليس بمعمول به بحال. قال: وإنما يحمد الله ويُثني عليه بعد التكبيرة الأولى، ثم يكبِّر الثانية فيصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم . ثم يكبِّر الثالثة فيشفع للميت: يدعو له بالرحمة والمغفرة، ويسأل الله الشفاعة له من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يكبِّر الرابعة ويسلِّم. هذا قول مالك وأبي حنيفة.

قال الشافعي، ومعه الإمام أحمد: يقرأ بعد التكبيرة الأولى بـ”فاتحة الكتاب”، ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل ذلك، أي: مثل ما يفعل عند مالك، يعني: الدعاء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم. فالقراءة بعد التكبيرة الأولى فقط.

وبهذا القول مع الشافعي وأحمد، قال أيضًا داود بن علي الظاهري.

وقد أكّد ابن قدامة -رحمه الله- هذا الكلام أيضًا بقوله: إذا ثبت هذا -أي: عدد التكبيرات- فإن قراءة “الفاتحة” واجبة في صلاة الجنازة؛ وبهذا قال الشافعي، وإسحاق. وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لا يقرأ فيها بشيء من القرآن؛ لأن ابن مسعود قال: ((إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها قولًا ولا قراءةً)) -معنى: ((لم يوقِّتْ)) أي: لم يحدّد- ولأنّ ما لا ركوعَ فيه لا قراءة فيه، كسجدة التلاوة. ولكن ابن قدامة يردّ على ذلك بأن “ابن عباس صلّى على جنازة، وقرأ بـ”فاتحة الكتاب”، وقال: إنه من السُّنّة، أو من تمام السُّنّة”.

وقال الترمذي في تعليقه على ذلك: هذا حديث حسن صحيح. وروى ابن ماجه بإسناده عن أمّ شريك قالت: ((أمَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بـ”فاتحة الكتاب”)). وروى الشافعي في “مسنده” بإسناده عن جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر على الجنازة أربعًا، وقرأ بـ”فاتحة الكتاب” بعد التكبيرة الأولى)).

ثم صلاة الجنازة داخلة في عموم الصلوات، ويشملها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمَن لم يقرأ بـ”أمّ القرآن”)). ولأنها صلاة يجب فيها القيام كسائر الصلوات: {وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فوجبت فيها القراءة كسائر الصلوات. وإن صح ما روَوه عن ابن مسعود، فإنما قال: ((لم يوقِّت)) أي: لم يقدِّر ولم يُحدّد، ولا يدل هذا على نفْي أصل القراءة.

وقد روى ابن المنذر عن ابن مسعود: ((أنه قرأ على جنازة بـ”فاتحة الكتاب”)) وهذا الذي روَوْه لا يعارض ما روَيْناه؛ لأنه نفي، والإثبات يقدَّم على النفي. ويفارق سجود التلاوة الذي شبّه به صلاة الجنازة؛ لأن سجدة التلاوة لا قيام فيها، والقراءة إنما محلّها القيام.

ثم قالوا أيضًا -من تمام الفائدة في هذا المقام: أنّ القراءة والدعاء في صلاة الجنازة تكون سرِّيّة. ويقول ابن قدامة: إن هذا مثْل الإجماع؛ حيث قال: لا نعلم بين أهل العلْم في ذلك خلافًا.

ولا يقرأ أيضًا بعد (أمّ القرآن) شيئًا من قِصار سوَر أو نحوها…

وقد روي عن ابن عباس: أنه جهَر بـ”فاتحة الكتاب”. قال أحمد: إنما جهر ليعلِّمَهم.

وبهذا يكون الفقهاء مختلفِين في أمريْن:

الأمر الأوّل: في قراءة “الفاتحة” بعد التكبيرة الأولى.

الأمر الثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية.

فمن الفقهاء مَن قال: إن صلاة الجنازة كلها أدعية للميت. ومنهم من قال: يقرأ “الفاتحة” بعد التكبيرة الأولى، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية، ويدعو للميّت بعد الثالثة، ويدعو للمسلمين. ويسلّم بعد الرابعة.

وهذا هو الذي نرجِّحه ونميل إلى الأخذ به؛ وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي. والآثار التي رُويت عن ابن عباس وغيره تعضِّد ذلك وتقوِّيه. وعموم حديث: ((لا صلاة إلَّا بـ”فاتحة الكتاب”)) أيضًا يقوِّي ذلك ويؤيّده.       

المسألة الثالثة: التسليم من صلاة الجنازة:

هل هناك تسليم من صلاة الجنازة؟ أو لا تسليم فيها؟

اختلف الفقهاء في ذلك، وهل هو تسليم واحد أو تسليمتان؟

  • الجمهور من الفقهاء على: أنّ التسليم واحد؛ وهو قول الإمام أحمد بن حنبل.
  • وقالت طائفة، ومنهم أبو حنيفة: يسلّم تسليمتيْن. واختار التسليمتيْن المزني من أصحاب الشافعي، وهو أحد قولَي الشافعي رحمه الله وهو المعتمد.

وفي ذلك أيضًا يقول الخرقي وابن قدامة: “ويسلِّم تسليمةً واحدةً عن يمينه”.

والسُّنّة: أن يسلِّم على الجنازة تسليمة واحدة. قال أحمد -رحمه الله: التسليم على الجنازة تسليمة واحدة، عن ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه اختلاف إلَّا عن إبراهيم. وروي تسلمية واحدة عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن أبي أوفى، وواثلة بن الأسقع؛ وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأبو أمامة بن سهل، والقاسم بن محمد، والحارث، والنخعي، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق.

إذًا، هو قول جمهور العلماء. كما ذكرنا: أن لصلاة الجنازة تسليمًا، وأن التسليم يكون تسليمًا واحدًا.

واختار القاضي: أن المستحبّ تسليمتان، وتسليمة واحدة تجزئ؛ وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي، قياسًا على سائر الصلوات. إلَّا أنّ ابن قدامة رجّح قول الجمهور وقول الإمام أحمد بأنها تسليمة واحدة، بما روى عطاء بن السائب: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سلّم على الجنازة تسليمةً))، رواه الجوزجاني بإسناده؛ وهو قول مَن سمّيْنا من الصحابة فيما سبق، ولم يُعرف لهم مخالف في عصرهم؛ فكان إجماعًا.

إذا ثبت هذا، فإنّ المستحبّ: أن يسلِّم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلّم تلقاء نفسه أو تلقاء وجهه فلا بأس. قال أحمد: يسلّم تسليمة واحدة. وسُئل: يسلِّم تلقاء وجهه؟ قال: كلّ هذا. وأكثر ما روي فيه عن يمينه. قيل: خُفية؟ قال: نعم. يعني: أنّ الكل جائز، والتسليم عن يمينه أوْلى؛ لأنه أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشبه بالتسليم في سائر الصلوات.

ولكن، ماذا يقول في التسليم؟

قال أحمد: يقول: “السلام عليكم ورحمة الله”.

وروي عنه أنه قال: إذا قال: “السلام عليكم” فقط، أجزأه. روى الخلال بإسناه عن علي بن أبي طالب: أنه صلّى على يزيد، فسلم واحدة عن يمينه: “السلام عليكم”.

ما السبب الذي أدّى إلى هذا الاختلاف على هذا النحو؟

هذا الاختلاف راجع إلى قياس صلاة الجنازة على الصلاة المفروضة.

فمَن كانت عنده تسليمة واحدة في الصلاة المكتوبة، وقاس صلاة الجنازة عليها، قال بتسليمة واحدة. ومَن كانت عند تسليمتان في الصلاة المفروضة، قال هنا بتسليمتيْن. إن كانت عنده تلك سُنّة، فهذه سُنّة. وإن كانت فرضًا، فهذه فرض.

وكذلك اختلفوا في الجهر، هل يجهر بالتسليم أو لا يجهر؟

والصحيح أو الرّاجح: أنه يجهر حتى يعلن للناس أن الصلاة قد انتهت؛ لأنه لو لم يجهر ربّما لم يعلم الناس بذلك. وقد تكون الصفوف كثيرة والأعداد غفيرة، فالجهر بالتسليم أوْلى وأفضل.                                                  

المسألة الرابعة: موقف الإمام من الجنازة:

أين يقف الإمام وهو يصلي على الميت؟ وهل يختلف الوقوف من الرّجُل عن المرأة، أو لا يختلف؟

اختلف الفقهاء أيضًا في ذلك. أين يقوم الإمام من الجنازة؟

  • فقال جملة من العلماء: يقوم في وسطها، ذكرًا كان أو أنثى.
  • وقال آخَرون: يقوم من الأنثى وسطَها، ومن الذّكَر عند رأسه.
  • ومنهم من قال: يقوم من الذّكَر والأنثى عند صدرهما؛ وهو قول ابن القاسم، وقول أبي حنيفة.
  • وليس عند مالك والشافعي في ذلك حدّ، فيقف حيثما كان.
  • وقال قوم بمثل ذلك: يقوم منهما أين شاء.

ما السبب الذي أدّى إلى هذا الاختلاف على هذا النحو؟

السبب هو: اختلاف الآثار في هذا الباب؛ حيث خرّج البخاري، ومسلم، وأصحاب “السنن”، من حديث سمرة بن جندب قال: ((صلّيتُ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمّ كعب، ماتت وهي نفساء. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة على وسَطها، أو بحذاء وسَطها)). وخرّج أبو داود من حديث همّام بن غالب: “صلّيتُ مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه”.

إذًا، في المرأة يقوم عند وسَطها، وفي الرجل حيال رأسه.

((ثم جاءوا بجنازة امرأة، فقالوا: يا أبا حمزة، صلِّ عليها. فقام حيال وسط السرير -أي: الخشبة التي تُحمل عليها فقال العلاء بن زياد: هكذا رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يصلِّى على الجنائز: كبّر أربعًا، وقام على جنازة المرأة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم)). ولذلك اختلف الناس في المفهوم من هذه الأفعال:

فمنهم مَن رأى أنّ قيامه صلى الله عليه وسلم في هذه المواضع المختلفة يدلّ على الإباحة وعلى عدم التّحديد.

ومنهم من رأى أنّ قيامه على أحد هذه الأوضاع شرْع يجب اتّباعه، وأن ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم يدلّ على التحديد. وهؤلاء انقسموا قسميْن:

القسم الأول: منهم من أخذ بحديث سمرة بن جندب بالاتّفاق على صحّته: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في الصلاة على أمّ كعب عند وسطها))، وقالوا: المرأة في ذلك والرجل سواء؛ لأن الأصل أنّ حكمهما واحد، إلَّا أن يثبت في ذلك فارق شرعيّ.

وهذا القسم جعل الرجل والمرأة سواء في وقوف الإمام عند الوسط، عملًا بحديث سمرة بن جندب؛ حيث لا فارق شرعيّ بين الرجل والمرأة في ذلك.

القسم الثاني: ومنهم من صحّح حديث ابن غالب، وقال: فيه زيادة على حديث سمرة بن جندب، فيجب المصير إليها: أن يكون الوقوف عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة؛ لأنه لمّا سئل أبو حمزة عن ذلك: هل هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. وليس بينهما تعارض أصلًا.

وأمّا مذهب ابن القاسم وأبي حنيفة، فليس له من جهة السمع دليل ولا سند، إلَّا ما روي عن ابن مسعود من ذلك، وهو الوقوف عند صدر الرجل وصدر المرأة.

على كل حال، ابن قدامة يفصّل هذا الكلام في شرح المسألة التي قال فيها الخرقي: “والإمام يقوم عند صدر الرجل ووسط المرأة، لا يختلف المذهب -أي: المذهب الحنبلي- في أنّ السُّنّة: أن يقوم الإمام في صلاة الجنازة حذاء وسَط المرأة، وعند صدر الرجل، أو عند مَنكبيْه. وإن وقف في غير هذا الموضع، خالف سُنّة الموقف، ولكن أجزأه ذلك، والصلاة صحيحة؛ وهذا قول إسحاق، ونحوه قول الشافعي. إلَّا أن بعض أصحاب الشافعي قال: يقوم عند رأس الرجل؛ وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد، لِما روي عن أنس: ((أنه صلّى على رجل فقام عند رأسه، ثم صلّى على امرأة فقام حيال وسَط السرير. فلما قال له العلاء بن زياد: هكذا رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامَك منه، المرأة عند وسطها والرجل عند رأسه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: احفظوا)). قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وقال أبو حنيفة وابن القاسم: يقوم عند صدر الرجل والمرأة؛ لأنهما سواء. فإذا وقف عند صدر الرجل، فكذا المرأة حيث لا فارق.

وقال مالك: يقف من الرجل عند وسطه؛ لأنه يَروي هذا عن ابن مسعود، ويقف من المرأة عند منكبها؛ لأن الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم.

ثم يعلّق ابن قدامة على ذلك كلِّه بترجيح الوقوف عند صدر الرجل ووسط المرأة، بما روى سمرة قال: ((صلّيتُ وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها)). وقد عرفنا أن المرأة هي: أم كعب التي ماتت وهي نفساء. والحديث متفق عليه، وكذلك حديث أنس الذي سبق، والمرأة تخالف الرجل في الموقف، فجاز أن تخالفه أيضًا ههنا. ولأن قيامه عند وسط المرأة سَتر لها من الناس، فكان أوْلى.

أما قول من قال: يقف عند رأس الرجل، فغير مخالف لِقول من قال بالوقوف عند الصدر؛ لأنهما كما نرى متقاربان؛ فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخَر. ومِن هذا نعْلم: أن جميع المواقف -مواقف الإمام- من الرجل أو من المرأة كلّها مواقف صحيحة، والصلاة في كلّ الأحوال صحيحة، سواء كان الوقوف عند الصدر، أو عند الوسط، أو عند الرأس، أو عند المنكبيْن، وسواء في ذلك عند التسوية بين الذكر والأنثى أو المفارقة بينهما.

المسألة الخامسة: ترتيب جنائز الرجال والنساء:

بمعنى: أنه إذا كان هناك أكثر من جنازة من الرجال، وأكثر من جنازة من النساء -كما نرى في بعض الكوارث يكون عدد القتلى كثيرًا. فيجتمع في المكان الواحد عدد من الرجال وعدد من النساء، والجميع بحاجة إلى الصلاة على هؤلاء الموتى. كيف يكون وضْع أو ترتيب جنائز الرجال وجنائز النساء أمام الإمام، ليصلّي على الجميع؟

القول الأول: قال أكثر العلماء: يجعل الرجال أمامه، أي: أقرب إليه ممّا يلي الإمام، والنساء خلْفهم من جهة القبلة، أي: ممّا يلي القِبلة.

القول الثاني: وقال قوم بعكس ذلك: يقرّب النساء فيجعلهنّ ممّا يليه -أي: الإمام- ويؤخر الرِّجال فيجعلهم ممّن يلي القِبلة.

القول الثالث: أنه يعزلهما، ويصلّي على الرجال معًا صلاة، ثم يصلِّي على النساء صلاة أخرى. أي: يُفرد هؤلاء بصلاة، وهؤلاء بصلاة.

وقد علّق ابن قدامة على هذه القضية بقوله: إذا اجتمع جنائز رجال ونساء، فعن أحمد روايتان:

الرواية الأولى: يسوّى بين رءوسهم؛ وهو اختيار القاضي، وقول إبراهيم، وأهل مكة، ومذهب أبي حنيفة؛ لأنه روي عن ابن عمر أنه كان يسوِّي بين رءوسهم. 

وروى سعيد بإسناده عن الشعبي: أنّ أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر، توفيا جميعًا -أي: معًا. فأُخرجت جنازتاهما، فصلّى عليهما أمير المدينة فسوّى بين رءوسهما وأرجلهما حين صلّى عليهما. وبإسناده عن حبيب بن أبي مالك قال: قدم سعيد بن جبير على أهل مكة وهم يسوُّون بين الرجل والمرأة إذا صُلِّي عليهما، فأرادهم عليّ أن يجعلوا رأس المرأة عند وسط الرجال، فأبوْا عليه. هذه رواية.

الرواية الثانية: أن يقف الرجال صفًّا والنساء صفًّا، ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال؛ وهذا اختيار أبي الخطاب؛ ليكون موقف الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة -كما قلنا في المسألة السابقة.

وقال سعيد: حدثني خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي قال: حدثني أبي قال: رأيت واثلة بن الأسقع يصلِّي على جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت، فيصفّ الرجال صفًّا، ثم يصفّ النساء خلف الرجال، رأس أوّل امرأة يضعها عند ركبة آخِر الرجال. ثم يصفّهنّ، ثم يقوم وسط الرجال. وإذا كانوا رجالًا كلّهم، صفّهم ثم قام وسطهم. وهذا يُشبه مذهب مالك، وقول سعيد بن جبير.

وما ذكرناه أوْلى؛ لأنه مدلول فعْل النبي صلى الله عليه وسلم ولا حجةَ في قول أحد خالَف فعْلَه أو قولَه صلى الله عليه وسلم .

وقد أشار إلى ذلك أيضًا الخرقي وابن قدامة؛ حيث قال الخرقي: “إذا حضرت جنازة رجل وامرأة وصبيّ، جُعل الرجل ممّا يلي الإمام، والمرأة خلْفه، والصبي خلفهما”. ثم قال ابن قدامة: لا خلاف في المذهب: أنه إذا اجتمع مع الرجال غيرُهم، أنه يجعل الرجال ممّا يلي الإمام، وهو مذهب أكثر أهل العلْم، فإن كان معهم نساء وصبيان، فنقل الخرقي ههنا: أن المرأة تُقدّم ممّا يلي الرجل، ثم يُجعل الصبي خلفهما ممّا يلي القبلة؛ لأن المرأة شخص مكلّف، فهي أحوج إلى الشفاعة، ولأنه قد روى مولى الحارث بن نوفل، أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام ممّا يلي القبلة. فأنكرتُ ذلك وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السُّنّة.

والمنصوص عن أحمد في رواية جماعة من أصحابه: أنّ الرجال ممّا يلي الإمام، والصبيان أمامهم، والنساء يَلِين القبلة، أي: كترتيب صفوف الصلاة للأحياء. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأنهم يُقدَّمون عليهنّ في الصف في الصلاة المكتوبة، فكذلك يُقدّمون عليهن ممّا يلي الإمام عند اجتماع الجنائز كالرجال.

وأمّا حديث عمارة، فالصحيح فيه: أنه جعلها ممّا يلي القبلة، وجعَل ابنها مما يليه كذلك.

ولا خلاف في تقديم الخُنثى على المرأة؛ لأنه يحتمل أن يكون رجلًا، وأدنى أحواله أن يكون مساويًا للمرأة.

ولا خلاف أيضًا في تقديم الحُرّ على العبد، لِشرفه، وتقديمه عليه في الإمامة.

ولا خلاف أيضًا في تقديم الكبير على الصغير من النوع الواحد.

فإن كانوا نوعًا واحدًا، قدّم الإمامُ أفضلَهم؛ لأن: ((النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم أحُد يدفن الاثنيْن والثلاثة في القبر الواحد…)). يعني: إن كانوا جميعًا رجالًا أو كانوا جميعًا نساء، يُقرّب إلى الإمام أفضل هؤلاء الرجال، وأفضل هؤلاء الإناث: ((… فيقدّم أكثرهم أخذًا للقرآن الكريم)). ولأن الأفضل يُقدّم في صفّ المكتوبة في الصفوف الأولى، فيقدّم ههنا كالرجل مع المرأة.

وقد دل على الأصل، أي: تقديم الأفضل، قوله صلى الله عليه وسلم: ((لِيَلِيَني منكم أولُو الأحلام والنُّهى))، أي: أصحاب العقول والأخلاق الكريمة. وإن تساوَوْا في الفضل، قدّم الأكبر سِنًا فالأكبر. فإن تساووا في الفضل والسِّنِّ، قُدِّم السابق، أي: السابق إلى الإسلام.

وقال القاضي: يُقدّم السابق وإن كان صبيًّا. فلا تُقدّم المرأة وإن كانت سابقة، لموضع الذكورية. فإن تساوَوْا، قدّم الإمام من شاء منهم. فإن تشاحّ الأولياء في ذلك، أقرع بينهم حتى لا يكون هناك مشاحنة ولا عداوة.

ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الصلاة على الجنائز كلِّها دفعة واحدة، خصوصًا عند الكوارث والزحام. وإن أفرد كلّ جنازة بصلاة عند السعة وقلّة الموتى، جاز.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه صلّى على حمزةَ مع غيره))، وقال حنبل: صليتُ مع أبي عبد الله على جنازة امرأة منفوسة، فصلى أبو إسحاق على الأم، واستأمر أبا عبد الله، وقال: صلِّ على ابنتها المولودة أيضًا. قال أبو عبد الله: لو أنهما وضعا جميعًا كانت صلاتهما واحدة. تصير إذا كانت أنثى عن يمين المرأة، وإذا كان ذكرًا عن يسارها.

وقال بعض الفقهاء: إفراد كلِّ جنازة بصلاة أفضل، ما لم يُريدوا المبادرة.

وظاهر كلام أحمد في هذه الرواية التي ذكرناها: أنه الأفضل في الإفراد، وهو ظاهر حال السلف؛ فإنه لم ينقل عنهم ذلك.

سبب الاختلاف في ترتيب جنائز الرجال والنساء:

هو ما يغلب على الظن باعتبار أحوال الشرع من أنه يجب أن يكون في ذلك شرع محدود. يعني: أنه لم يَرِد في ذلك شرع محدود، فقال هؤلاء بوجهة نظر، وقال هؤلاء بوجهة نظر. وقاس هؤلاء الأموات على الأحياء، ونحو ذلك من الأمور، ما دام لم يَرِد في ذلك شرع. ولو ورد في ذلك شرع، لوجب الوقوف عنده.

ولذلك رأى كثير من الناس: أنه ليس في أمثال هذه المواضع شرع أصلًا، وأنه لو كان فيها شرْع لبُيِّن للناس؛ وإنما ذهب الأكثرون إلى جعْل الرجال ممّا يلي الإمام، لما رواه مالك في (الموطأ) من أنّ عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وأبا هريرة، كانوا يصلّون على الجنائز بالمدينة، الرجال والنساء معًا؛ فيجعلون الرجال ممّا يلي الإمام، ويجعلون النساء ممّا يلي القِبلة.

إذًا هذا هو عمل أهل المدينة الذي اعتمد عليه الإمام مالك وأصحابه، وأكثر أهل العلْم.

وذكر عبد الرزاق، والنسائي بسند صحيح، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، أنه صلى كذلك على جنازة فيها ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، فسألهم عن ذلك، أو أمَر مَن سألهم، فقالوا: هي السُّنّة، رواه النسائي، وأبو داود، والبيهقي، ورجال إسناده ثقات.

وهذا الذي ذكَره عبد الرزاق يَدخل في المسند، ويُشبه أن يكون من قال بتقديم الرجال، شبّههم أمام الإمام بحالهم خلْف الإمام في الصلاة -أي: شبه الأموات بالأحياء- ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((أخِّروهنّ -أي: النساء- من حيث أخّرهُنّ الله))، رواه عبد الرزاق في “مصنّفه”، وهو موقوف. فكما يرتّبْنَ في صلاة الجماعة إذا حضرنَ المساجد، تكون خير صفوف النساء آخِرها، وخير صفوف الرجال أوّلها. يصفّ الرجال أوّلًا، ثم الصبيان، ثم النساء. كذلك يكون الأمر في صلاة الجنازة: يُقدّم الرجال ممّا يلي الإمام، ويكون النساء بعدهم ممّا يلي القِبلة.

وأمّا مَن قال بتقديم النساء على الرجال، فيُشبه أن يكون اعتقد: أنّ الأوّل هو المقدّم، ولم يجعل التقديم بالقرب من الإمام، أي: إن العبرة ههنا بالقبلة، فيكون الرجال أقرب إلى القبلة، ويكون النساء أقرب إلى الإمام. وهي كما نرى غريبة، أو لا معنى لها.

وأمّا مَن فرّقَ بين صلاة الجنازة على الرجال وعلى النساء، وقال: يصلِّي على هؤلاء بانفراد، ثم يصلِّي على أولئك بانفراد، دون الحاجة إلى جمعهم أو إلى ترتيبهم، فهذا من باب الاحتياط حتى لا يجوِّز شيئًا ممنوعًا؛ لأنه لم تَرِد السُنة بجواز الجمع بين الرجال والنساء؛ فيحتمل أن يكون على أصل الإباحة، ويحتمل أن يكون ممنوعًا بالشرع، فغلّب احتمال المنع على احتمال الإباحة؛ فإذا وإذا وُجد الاحتمال وجب التوقف، إذا وجد إليه سبيلًا.                                                        

المسألة السادسة: المسبوق في صلاة الجنازة:

مَن سُبق في صلاة الجنازة، ماذا يكون عليه؟ هل يكتفي بما صلّى، سواء كان التكبير اثنتيْن أو أكثر؟ أم يقضي ما فاته مع الإمام؟ وهل يدخل مع الإمام مباشرة؟ أو ينتظر حتى يكبّر الإمام فيدخل معه؟

تلك تساؤلات طرَحها ابن رشد، وبيّن أن الفقهاء قد اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة، في عدة مواضع:

الموضع الأول: هل يدخل بتكبير أم لا؟

الموضع الثاني: هل يقضي ما فاته أم لا؟

الموضع الثالث: هل يدعو بين التكبير في قضائه أم لا؟

روى أشهب عن مالك: أنّ المسبوق يكبِّر أوّل دخوله؛ وهو أحَد قولي الشافعي، وهو المعتمَد، وعليه الإمام أحمد. إذًا، هذا هو رأي الجمهور.

وقال أبو حنيفة: ينتظر حتى يكبِّر الإمام، حينئذ يكبِّر، وهي رواية عن الإمام مالك، رواها ابن القاسم.

إذًا، عن الإمام مالك روايتان: رواية رواها الأشهب بن عبد العزيز، تُوافق ما قال به الشافعي وأحمد، وهو: أن المسبوق يكبِّر أوّل دخوله في صلاة الجنازة. والرواية الثانية توافق قول أبي حنيفة، رواها ابن القاسم، وهي: أنه ينتظر حتى يكبِّر الإمام، وحينئذ يكبِّر المأموم أو المسبوق.

والقياس: التكبير، قياسًا على مَن دخل في المفروضة، يعني: أنّ المسبوق إذا أراد الدخول في صلاة الجنازة، عليه أن يكبّر ليدخل؛ فصلاة الجنازة مثل الصلاة المكتوبة أو المفروضة. فكما يكبِّر هناك، يكبِّر ههنا؛ هذا هو القياس.

واتفق مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد -أي: الأئمة الأربعة- على: أنّ المسبوق يقضي ما فاته من التكبيرات.

إلَّا أنّ أبا حنيفة يرى: أنّ المسبوق يدعو بين التكبير المقضيّ.

ومالك والشافعي يريان: أنه يقضيه نَسقًا، أي: كما فاته. إن كانت فاتته “الفاتحة”، كبّر وقرأ “الفاتحة”. وإن كان الذي فاته التكبيرة الثانية، كبّر وقرأ “الفاتحة”، ثمّ كبّر وصلّى على النبي صلى الله عليه وسلم .

وإنما اتّفقوا على القضاء؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكم فأتِمّوا)). فمن رأى من العلماء: أنّ هذا العموم: ((ما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكم فأتِمّوا)) يتناول التكبير والدعاء، قال: على المسبوق أن يقضي التكبير وما فاته من الدعاء.

ومَن أخرج الدعاء من ذلك؛ لأنه غير محدّد -غير مؤقت- قال: يقضي التكبير فقط؛ لأن هذا هو الوارد في الآثار؛ لأنه هو المؤقّت؛ فكان تخصيص الدعاء من ذلك العموم هو من باب تخصيص العام بالقياس. فأبو حنيفة أخذ بالعموم، والآخَرون أخذوا بالخصوص.

وقد علّق الخرقي وابن قدامة على هذه المسألة بأنّ مَن فاته شيء من التكبير، قضاه متتابعًا. فإن سلّم مع الإمام ولم يقضِ واكتفى بما لحقه من صلاة الجنازة فلا بأس. وهذه إضافة لم نجدها عند ابن رشد. فالمسبوق بتكبير الصلاة في الجنازة يُسنّ له قضاء ما فاته منها.

وممّن قال بالقضاء: سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وقَتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ وهو قول الجمهور. فإن سلّم قبل القضاء، فلا بأس وصلاة الجنازة صحيحة. وربما يسلّم كثير من المسبوقين؛ لأنّ أهل الميت يرفعون الجنازة بعد تسليم الإمام مباشرة؛ وهذا قول ابن عمر، والحسن، وأيوب السختياني، والأوزاعي، قالوا: لا يقضي ما فات من تكبيرة الجنازة. قال أحمد: إذا لم يقض لم يبال، لِما روي عن ابن عمر: أنه لا يقضي.

وإن كبّر متتابعًا فلا بأس. متتابعًا أي: يقلّل من الدعاء، أو إذا فاتته القراءة لم يقرأ، حتى لا يؤخر الجنازة؛ كذلك قال إبراهيم. وقال أيضًا: يبادر بالتكبير قبل أن يُرفع -قبل أن تُرفع الجنازة. وقال أبو الخطاب: إن سلّم قبل أن يقضيَه -أي: يقضي ما فاته- فلا تصحّ صلاته؛ لكن قول ابن عمر لم يُعرف له في الصحابة مخالف، وهو: أنّ المسبوق لا يقضي ما فاته.

وقد روي عن عائشة، أنها قالت: يا رسول الله، إنّي أصلِّي على الجنازة، ويخفى عليّ بعض التكبير. قال: ((ما سمعتِ فكبِّري، وما فاتكِ فلا قضاءَ عليك))؛ وهذا صريح. ولأنها تكبيرات متواليات حال القيام، فلم يجب قضاء ما فاته منها كتكبيرات العيد. وحديثهم ورَد في الصلوات الخمس، حديث: ((ما أدركْتم فصلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا))، هذا ورَد في الصلوات الخمس، بدليل قوله في صدر الحديث: ((ولا تأتوها وأنتم تسعَوْن))، وروي: ((أنه سعى في جنازة سعد، حتى سقط رداءه عن منكبيْه))؛ فعُلم أنه لم يُرِدْ بالحديث هذه الصلاة.

ثم الحديث الذي رويناه أخصّ منه، فيجب تقديمه. والقياس على سائر الصلوات لا يصحّ؛ لأنه لا يُقضى في شيء من الصلوات التكبيرُ المنفرد، كما يبطل بتكبيرات العيد، فهي لا تُقضى. إذا ثبت هذا، فإنه متى قضّى أتى بالتكبير متواليًا لا ذِكرَ معه؛ كذلك قال أحمد، وحكاه عن إبراهيم، قال: يبادر بالتكبير متتابعًا. وإن لم يُرفع، قضَى ما فاته.

وإذا أدرك الإمام في الدّعاء على الميت، تابعه فيه. فإذا سلّم الإمام كبّر وقرأ “الفاتحة”، ثم كبّر وصلّى على النبي صلى الله عليه وسلم وكبّر وسلّم. وبهذا يكون قد قضى ما فاته.

وقال الشافعي: متى دخل المسبوق في الصلاة ابتدأ “الفاتحة”. -قد يكون الإمام في الدعاء، والمسبوق يحافظ على ترتيب التكبيرات الأربع، فيبدأ بـ”الفاتحة”. ثم أتى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية.

ووجْه القول الأوّل: أنّ المسبوق في سائر الصلوات يقرأ فيما يقضيه “الفاتحة” وسورة، على صفة ما فاته، فينبغي أن يأتي ههنا بالقراءة على صفة ما فاته.

وإذا أدرك المسبوق الإمام فيما بيْن تكبيرتيْن، فروايةٌ عن أحمد: أنه ينتظر الإمام حتى يكبِّر معه؛ وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق؛ لأن التكبيرات كالركعات. ثم لو فاتته ركعة لم يتشاغل بقضائها.

ورواية أخرى أنه يُكبِّر ويدخل في الصلاة، ولا ينتظر تكبير الإمام؛ وهو قول الشافعي؛ لأنه في سائر الصلوات يفعل ذلك. متى أدرك الإمام كبّر معه ولم ينتظر، وليس هذا اشتغالًا بقضاء ما فاته، وإنما يصلي معه ما أدركه، فيُجزيه ذلك، كالذي يُكبِّر عقب تكبير الإمام أو يتأخّر عنه قليلًا.

وعن مالك روايتان كما ذكرنا: رواية أشهب: أن يكبِّر أوّل دخوله. ورواية ابن القاسم: أنه لا يكبِّر حتى يكبِّر الإمام. وكِلا الأمريْن صحيح، والصلاة صحيحة. ومتى أدرك الإمام في التكبيرة الأولى فكبّر وشرَع في القراءة، ثم كبّر الإمام قبل أن يُتمّها، فإنه يكبّر مع الإمام ويُتابعه ويقطع قراءة “الفاتحة”، كالمسبوق في بقية الصلوات؛ فليس على المسبوق أن يتمّ القراءة ما دام الإمام قد كبّر وانتقل إلى التكبيرة الثانية، كالمأموم إذا ركع الإمام قبل أن يتمّ المأموم قراءة “الفاتحة”، يقطع القراءة ويُتابع الإمام فيما انتقل إليه.  

المسألة السابعة: الصلاة على القبر:

يعني: إذا فاتت الإنسان صلاة الجنازة، وساروا بها إلى المقبرة، هل يصلِّي المسلم على القبر أو لا يصلِّي؟

وتلك هي المسألة السابعة من مسائل صفة الصلاة على الجنائز، وهي أيضًا محلّ اختلاف بين الفقهاء.

فقال مالك: لا يصلّي على القبر.

وقال أبو حنيفة: لا يصلِّي على القبر إلا الوليّ. الوليّ: قريب الميت حسب ترتيب العصبات، هذا هو الذي يصلِّي على القبر إذا فاتته الصلاة على الجنازة. لا يصلي على القبر إلَّا الوليّ فقط، إذا فاتته الصلاة على الجنازة، وكان الذي صلَّى عليها غير وليِّها؛ لأن الصلاة على الجنازة حقّ الوليّ، إلَّا إذا أذِن لغيره بالصلاة على مولاه.

وقال الشافعي، وأحمد، وداود، وجماعة، يصلي على القبر كلّ من فاتتْه الصلاة على الجنازة. واتّفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر، أنّ مِن شرْط ذلك: حدوثُ الدفن.

ثم اختلفوا أيضًا في هذه المدة، وأكثرها شهر؛ وبه قال الإمام أحمد بن حنبل.

إذًا، نحن أمام عِدّة أقوال في حُكم من فاتته صلاة الجنازة، هل يصلِّي على القبر أو لا يصلِّي؟ عندنا ثلاثة أقوال:

قول مالك: أنه لا يصلّى على القبر مطلقًا.

قول أبي حنيفة: إذا كان مَن فاتته الصلاة هو الوليّ، يصلِّي، وبخاصّة إذا كان قد صلّى على الجنازة غير الوليّ.

أما الشافعي، وأحمد، وداود، وجماعة، فإنهم يقولون بجواز الصلاة على القبر لِمن فاتتْه الصلاة على الجنازة، حتى يحصل على الأجر والثواب. وهؤلاء القائلون بجواز الصلاة على القبر اتّفقوا على: أنّ شرْط ذلك أو شرْط صحّة الصلاة: أن يكون قد تمّ دفن الجنازة.

وهل الصلاة على القبر مفتوحة؟ أو مسموح بها طول العام؟ أو لها مدّة؟ قالوا: لها مدّة وأكثرها شهر؛ ولذلك قال الخرقي: “مَن فاتتْه الصلاة عليه -أي: على الجنازة- صلّى على القبر”. وقال ابن قدامة: إنّ من فاتتْه الصلاة على جنازة، فله أن يصلِّي عليها ما لم تُدفن.

إذًا، الخرقي يقول: إن من فاتته الصلاة على الجنازة، فإنه يصلِّي على القبر. ويشرح ابن قدامة هذه المسألة: بأنّ مَن فاتته الصلاة على الجنازة، له أن يصلّي عليها ما لم تُدفن. فإن دُفنت، فله أن يصلِّي على القبر إلى شهر. وبهذا يكون قد وضعوا حدًّا أقصى للصلاة على القبر، وهو الشّهر.

ثم قال وبيّن: أنّ ذلك هو قول أكثر أهل العلْم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وأكّد ذلك بأنه روي عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم. وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي.

هناك قول آخَر: قال النخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة: لا تُعاد الصلاة على الميّت إلَّا للوليّ إذا كان غائبًا، ولا يصلِّي على القبر إلَّا كذلك. بمعنى: أنّ الإذن في الصلاة على القبر مسموح به فقط، أو مشروع فقط، للوليّ الذي كان غائبًا أو مسافرًا ثم حضر، وقد فاتته صلاة الجنازة، أو دُفن الميت، فله أن يصلِّي عليه.

ثم أكّدوا ذلك، بأنه لو جاز ذلك، لكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم يُصلّى عليه في جميع الأعصار. لو كانت الصلاة على القبور جائزة بعد الدفن، لكان من السُّنّة أنّ كُلًّا منّا إذا ذهب إلى زيارة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم كان عليه أن يصلِّي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قي قبره وفي مثواه صلاة الجنازة، كما قال الآخَرون.

لكنّ ابن قدامة يردّ على وجهة نظر أبي حنيفة ومالك القائليْن بعدم الصلاة على القبر، بأنّ: ((النبي صلى الله عليه وسلم ذُكر له أنّ رجلًا مات، فقال صلى الله عليه وسلم: دلّوني على قبره. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قبر ذلك الرجل الميِّت، فصلّى عليه))، والحديث متّفق عليه. هذا دليل.

ودليل آخَر عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أنه مَرّ مع النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ، فأمّهم وصلّوْا خلْفه)).

قال أحمد -رحمه الله: ومَن شكّ في الصلاة على القبر، يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستّة وجوه كلّها حِسان. ولأنه من أهل الصلاة، فيُسنّ له الصلاة على القبر كالوليّ، أي: لا خصوصية للوليّ في ذلك. وقبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلَّى عليه. لماذا؟ لأنه لا يُصلّى على القبر بعد شهر؛ لأن القائلين بالجواز حدّدوا المدّة -مدّة الإذن بالصلاة ومشروعيّتها بعد الدفن- إلى الشهر. ومن صلّى مرة، فلا يُسنّ له إعادة الصلاة عليها. وإذا صلّى على الجنازة مرة، لم توضع لأحدٍ يُصلِّي عليها، أي: إذا حُملت وساروا بها، لم توضع لأحد يصلِّي عليها.

قال القاضي: لا يحسن بعد الصلاة عليه، ويُبادَر بدفنه؛ فإن رُجيَ مجيء الوليّ أُخِّر إلى أن يجيء، ليصلِّي عليه أو يُدرك الصلاة عليه، إلَّا أن يُخاف تغيّره.

وقال ابن عقيل: لا يُنتظر به أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في طلحة بن البراء: ((أعجِلوا به!)). والسُّنّة هي: التعجيل بالدفن؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحبس بين ظهراني أهله، لما في ذلك من استمرار الحزن، واستمرار البكاء، وتّغيّر الميت، ونحو ذلك.

فأما مَن أدرك الجنازة ممّن لم يصلِّ، فله أن يصلِّي عليها، فعل ذلك علي، وأنس، وسلمان بن ربيعة، وأبو حمزة، ومعمر بن سمير.

ويصلّى على القبر، وتُعاد الصلاة عليه أيضًا قبل الدّفن لِمن لم يدرك الصلاة، جماعة أو فرادى. وقد نص الإمام أحمد على كلّ ذلك. ولا بأس بذلك. وقد فعَله عدّة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . كذلك ما روي عن ابن عباس قال: ((انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب، فصفّوا خلْفه، وكبّر أربعًا)).

حكى ابن رشد -رحمه الله- أسباب اختلاف الفقهاء في هذه القضية بأنها: معارضة العمل للأثر. والمقصود بالعمل: عمَل أهل المدينة. والأثر: اللآثار المروية التي استشهدنا ببعضها. أمّا مخالفة العمل، فإن ابن القاسم -عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وراوي (المدوّنة) عنه- قال: قلت لمالك، فالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه صلّى على قبر امرأة))؟ -أي: ما قولك يا مالك في هذا الحديث: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى على قبر امرأة))؟ قال مالك: قد جاء هذا الحديث، وليس عليه العمل. أي: لم يعمل به أهل المدينة؛ ممّا يدلّ على أنّ في الحديث ضعفًا.

إلا أنّ ابن رشد استدرك على ذلك، وقال: والصلاة على القبر ثابتة باتّفاق من أصحاب الحديث؛ حيث قال أحمد بن حنبل وهو من أئمة الحديث والفقه: رُويت الصلاة على القبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طُرق ستّة كلّها حِسان. وزاد بعض المحدِّثين -يشير بذلك إلى ابن عبد البر -رحمه الله- ثلاثة طُرق أخرى؛ فذلك تِسْع طُرق، وكلّها حِسان.

وأمّا البخاري، ومسلم، وأبو داود، فروَوْا ذلك من طريق أبي هريرة.

وأمّا مالك فخرّجه مرسلًا عن أبي أمامة بن سعد. وقد روى ابن وهب عن مالك -وهو من أصحابه أيضًا، عبد الله بن وهب المصري- مثل قول الشافعي -أي: في جواز الصلاة على القبر- لِثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من طُرق تسْع.

وأمّا أبو حنيفة، فإنه جرى في ذلك على عادته -فيما أحسب. من ردِّ أخبار الآحاد التي تعمّ بها البلوى؛ لأن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله- يرى: أنّ الأخبار التي تعمّ بها البلوى لا يجوز أن تكون أخبار آحاد، وإنما تكون أخبارًا مشهورةً أو متواترةً؛ لأنها ممّا عمّت بها البلوى. فإذا جاءت عن طريق واحد، لم تكن قويّة بل كانت ضعيفة، ولو كانت قوية لانتشرت وانتشر العمل بها؛ وذلك أنّ عدم الانتشار، إذا كان خبرًا شأنه الانتشار: قرينة توهن الخبر، وتخرجه عن غلبة الظن بصدْقه إلى الشك فيه، أو إلى غلبة الظن بكذِبه، أو نسخه.

error: النص محمي !!