Top
Image Alt

صلاة الجنازة

  /  صلاة الجنازة

صلاة الجنازة

باب: عدد تكبير صلاة الجنازة:

الأحاديث التي أثبتت أن تكبيرات صلاة الجنازة أربع:

الحديث الأول:

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر خمسًا على جنازة، فسألته فقال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها)) رواه الجماعة إلا البخاري. قول المصنف: قد ثبت الأربع في رواية أبي هريرة، وابن عباس وجابر، المصنف -كما نعلم- ابن تيمية المتوفَّى سنة 652 هـ , وهو صاحب كتاب (منتقى الأخبار) فحديث أبي هريرة وابن عباس وجابر تقدم في الصلاة على الغائب، يعني: في باب: ” الصلاة على الغائب بالنية وعلى القبر إلى الشهر”.

وحديث جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعًا)) وفي لفظ قال: ((تُوفي اليوم رجل صالح من الحبشة فهلموا فصلوا عليه، فُصففنا خلفه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن صفوف)).

وحديث أبي هريرة نصه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نعَى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات)).

وحديث ابن عباس قال: ((انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا)).

فهذه الأحاديث كلها تدل على أن التكبير في صلاة الجنازة أربع تكبيرات، وهذا معنى قول المصنف: قد ثبت الأربع -يعني: أربع تكبيرات- في رواية أبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وإنما اختصر هذه الأحاديث ولم يذكرها؛ لأن هذه الأحاديث -كما ذكرنا- قد جاءت في باب: “الصلاة على الغائب”.

الكلام على اختلاف العلماء في عدد تكبير صلاة الجنائز، وبيان الراجح:

وإلى مشروعية الأربع تكبيرات في الجنازة ذهب الجمهور؛ قال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

وقال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وقد اختلف السلف في ذلك: فرُوي عن زيد بن أرقم أنه كان يكبر خمسًا كما في هذا الحديث، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمسًا، وروى أيضًا عن مسعود عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستًا، وعلى الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا، وروى ذلك أيضًا ابن أبي شيبة، والطحاوي، والدراقطني عن عبد خير عنه.

وروى ابن المنذر أيضًا بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس أنه كبر على جنازة ثلاثًا، قال القاضي عياض: اختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع، قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه، وقال: لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار يخمِّس إلا ابن أبي ليلى.

وقال علي بن الجعد: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن عمر قال: “كل ذلك قد كان أربعًا وخمسًا فاجتمعنا على أربع” رواه البيهقي، ورواه ابن عبد البر من وجه آخر عن شعبة، وروى البيهقي أيضًا عن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا، فجمع عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات.

ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه من مشروعية الأربع بمرجحات أربعة:

الأول: أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عددًا ممن روى منهم الخمس.

الثاني: أنها في الصحيحين.

الثالث: أنه أجمع على العمل بها الصحابة كما تقدم.

الرابع: أنها آخر ما وقع منه صلى الله عليه وسلم كما أخرج الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ: ((آخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنائز أربع)) وفي إسناده الفرات بن سلمان، وقال الحاكم بعد ذكر الحديث: ليس من شرط الكتاب، ورواه أيضًا البيهقي بإسناد فيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف، وقد تفرد به كما قال البيهقي.

وفي المسألة أقوال أخر:

منها: ما روي عن أحمد بن حنبل: أنه لا ينقص عن أربع ولا يزاد على سبع.

ومنها: ما روي عن بكر بن عبد الله المزني: أنه لا ينقص عن ثلاث ولا يزاد على سبع.

ومنها: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: “التكبير تسع، وسبع، وخمس، وأربع، وكبِّر ما كبر الإمام” روى ذلك جميعه ابن المنذر.

ومنها: ما روي عن أنس: أن تكبير الجنازة ثلاث، كما روى عنه ابن المنذر أنه قيل له: إن فلانًا كبر ثلاثًا، فقال: وهل التكبير إلا ثلاث، وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كبر ثلاثًا لم يزد عليها، وروى عنه عبد الرزاق: أنه كبر على جنازة ثلاثًا، ثم انصرف ناسيًا، فقال له: يا أبا حمزة، إنك كبرت ثلاثًا، قال: فصُفُّوا، فَصََفوا، فكبر الرابعة، ورواه عنه البخاري تعليقًا نحو ذلك.

وجمع بين الروايات عنه الحافظ ابن حجر بأنه: إما كان يرى الثلاث مجزئة، والأربع أكمل منها، وإما بأن من أطلق عنه الثلاث لم يذكر الأولى؛ لأنها افتتاح الصلاة.

وذكر النووي مذاهب العلماء في التكبير في صلاة الجنائز، فقال:

قال ابن المنذر -رحمه الله-: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كبر أربعًا)) وبه قال: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي، وابن أبي أوفى، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وابن عامر، ومحمد بن الحنفية، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.

وقال: ابن مسعود وزيد بن أرقم يكبر خمسًا، وقال: ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد يكبر ثلاثًا.

وعن ابن سيرين نحوه، وقال بكر بن عبد الله المزني: لا ينقص من ثلاث تكبيرات، ولا يزاد على سبع. لكن الراجح من هذه الآراء هو: أن التكبير على صلاة الجنائز أربعًا؛ كما ذكرنا أن هذا رأي الجمهور، وأن هذا له مرجحات قد ذكرناها.

كيفية صلاة الجنازة، وبيان موقف الإمام من الرجل والمرأة:

لكن إتمامًا للفائدة: لا بد أن نعرف كيفية صلاة الجنازة؟ وكيف يوضع الميت؟ وموقف الإمام من الميت؟

يقول الشيرازي: والسنة: أن يقف الإمام فيها عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة، وقال أبو علي الطبري السنة: أن يقف عند صدر الرجل، وعند عجيزة المرأة؛ لما روي أن أنسًا رضي الله عنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: ((هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة عند عجيزتها وعلى الرجل عند رأسه؟ قال: نعم)).

فإن اجتمع جنائز قُدم إلى الأمام أفضلهم، فإن كان رجل وصبي وامرأة: قدم الرجل إلى الأمام، ثم الصبي، ثم الخُنثى، ثم المرأة؛ لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجل مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة، وروى عمار بن أبي عمار أن زيد بن عمر بن الخطاب وأمه أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما ماتا فصلى عليهما سعيد بن العاص، فجعل زيدًا مما يليه، وأمَّه مما يلي القبلة، وفي القوم الحسن والحسين، وأبو هريرة، وابن عمر، ونحو من ثمانين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

والأفضل: أن يُفرد كل واحد منهم بصلاة، فإن صلى عليهم صلاة واحدة جاز؛ لأن القصد من الصلاة عليهم الدعاء، وذلك يحصل بالجمع في صلاة واحدة.

هكذا يقول الشيرازي، ويتحدث عن موضع الجنازة من الإمام.

وإذا كان الحاضر أكثر من واحد -يعني: المتوفون أكثر من واحد رجل وامرأة وصبي- قُدم الرجل، وجعل مما يلي الإمام، ثم الصبي بعده، ثم المرأة مما يلي القبلة.

قال النووي في شرحه: حديث أنس الذي استدل به الشيرازي رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وآخرون، قال الترمذي: هو حديث حسن، وهذا الذي ذكره الشيرازي أنه وقف عند رأس الرجل هو الصواب الموجود في كتب الحديث وغيرها، وأما قول الصيدلاني في هذا الرجل: وقف عند صدره فغلط صريح، وفي رواية أبي داود: أن هذه المرأة كانت أنصارية، وفي رواية الترمذي أنها قرشية، وذكر البيهقي الروايتين، فلعلها كانت من إحدى الطائفتين، ولها خلف من الأخرى أو زوجها من الأخرى .

وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه صلى على تسع جنائز، فرواه البيهقي بإسنادٍ حسنٍ، وأما حديث عمار بن أبي عمار فرواه البيهقي كما هو في (المهذب) ورواه أبو داود والنسائي مختصرًا، ولفظهما: قال عمار: شهدت جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة فقالوا: “هذه السنة” وإسناده صحيح، وعمار هذا تابعي مولى لبني هاشم، واتفقوا على توثيقه.

وعَجيزة المرأة بفتح العين وكسر الجيم: أليتها، قال النووي: السنة أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة بلا خلاف للحديث؛ ولأنه أبلغ في صيانتها عن الباقين، وفي الرجل وجهان: الصحيح باتفاق المصنفين، وقطع به كثيرون، وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين أنه: يقف عند رأسه، قال أبو علي الطبري: عند صدره، وهذا اختيار إمام الحرمين والغزالي، وقطع به السرخسي، قال الصيدلاني: وهو اختيار أئمتنا، وقال الماوردي: قال أصحابنا البصريون: عند صدره، والبغداديون: عند رأسه.

قال النووي: والصواب ما قدمته عن الجمهور وهو: أن يقف الإمام عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة، ونقله القاضي حسين عن الأصحاب، قال أصحابنا: وليس للشافعي في هذه المسألة نص، ممن قال هذا المحاملي في (المجموع والتجريد) وصاحب (الحاوي) والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم.

وقد ذكر البغوي في كتابه (شرح السنة) عن الشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقف عند رأسه، والخنثى كالمرأة فيقف عند عجيزته، فلو خالف هذا فوقف عند عجيزة الرجل أو غيرها أو رأس المرأة والخنثى أو غيره صحت صلاته، لكنه خلاف السنة.

فالخلاصة: أن الإمام يقف عند الجنازة، فيَسأل إن كانت الجنازة رجل وقف عند رأسه، وإن كانت امرأة وقف في وسطها عند عجيزتها؛ هذا هو رأي الجمهور من الشافعية.

لكن مَن يصلي عليهم؟

إذا صُلي عليهم دفعة واحدة، فإن كان الإمام فظاهر، وإن كان بعض الأولياء فإن رضوا بصلاة واحدة قدم ولي السابقة رجلًا كان ميته أو امرأة، وإن حضرت الجنائز دفعة أقرع بينهم، وإن لم يرضوا بصلاة واحدة صلَّى كل واحد على ميته.

قال الشافعي في (الأم): لو افتتح الإمام الصلاة على الجنازة، ثم حضرت أخرى، وهم في الصلاة تُركت حتى يفرغ من صلاته على الأولى، ثم يصلي على الثانية، قال الشافعي -رحمه الله-: ولا يعتد بالتكبير الذي كان قبل حضوره؛ لأنه لم ينو هذه الثانية.

في صحيحي البخاري ومسلم عن جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وكبر عليه أربعًا)) وفي (الصحيحين) أيضًا عن أبي هريرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكبر عليه أربعًا)).

وروي التكبير أربعًا عن ابن عباس وغيره في الصحيح؛ وأما الأثر المذكور عن عمر فرواه البيهقي وغيره، والأثر عن ابن عمر رواه البيهقي بإسناده.

وقول الشيرازي: بأنها تكبيرة لا تتصل بسجود ولا قعود احترز عن تكبيرات السجود والرفع منه، ومن التشهد الأول، فإن المشهور في المذهب أنه لا يرفع في شيء من ذلك، وفي هذا كله خلاف.

قال النووي: لا تصح صلاة الجنازة إلا بالنية؛ لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات…)) وقياسًا على غيرها، قال: قال أصحابنا: وصفة النية أن ينوي مع التكبير أداء الصلاة على هذا الميت أو هؤلاء الموتى إن كانوا جمعًا، سواء عرف عددهم أم لا، ويجب نية الاقتداء إن كان مأمومًا، وهل يفتقر إلى نيةِ الفريضةِ؟ فيه الوجهان السابقان في سائر الصلوات، ذكره الصيدلاني، والروياني، والرافعي، وآخرون، وهل يشترط التعرض؛ لكونها فرض كفاية أم يكفي مطلق نية الفرض؟ فيه وجهان أيضًا.

الصحيح: الاكتفاء بمطلق نية الفرض، ولا يفتقر إلى تعيين الميت، أو أنه زيد، أو عمر، أو علي، أو صلاح، أو امرأة، أو رجل؛ بل يكفيه نية الصلاة على هذا الميت، وإن كان مأمومًا ونوى الصلاة على من يصلي عليه الإمام كفاه، صرح به البغوي وغيره. ولو عين الميت وأخطأ بأن نوى زيدًا فكان عمرًا أو الرجل فكانت امرأة أو عكسه لم تصح صلاته بالاتفاق؛ لأنه نوى غير الميت، وإن نوى الصلاة على هذا زيد فكان عمرًا فوجهان؛ لتعارض الإشارة والنية، أصحهما: الصحة.

قال البغوي وغيره: ولا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم، فإذا نوى الصلاة على حاضر والمأموم على غائب وعكسه، أو نوى غائبًا ونوى المأموم آخر صحت صلاتهما كما لو صلى الظهر خلف مصلى العصر.

يجب أن نعلم أن تكبيرات الجنائز الأربع أركان، لا تصح هذه الصلاة إلا بهن، وهذا مجمع عليه.  

وقد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس أو أربع، أم غير ذلك، قد تكلمنا عن هذا.

 ثم انقرض ذلك الخلاف وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقص، وقلنا: إن هذا قول الجمهور.

قال النووي: قال أصحابنا: فإن كبر خمسًا فإن كان ناسيًا لم تبطل صلاته؛ لأنه ليس بأكثر كلام الآدمي ناسيًا، ولا يسجد للسهو كما لو كبر أو سبَّح في غير موضعه، وإن كان عمدًا فوجهان مشهوران:

أحدهما: تبطل صلاته.

والثاني: لا تبطل، وهو الصحيح، وبه قطع الأكثرون.

باب: القراءة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة، وباب الدعاء للميت، وما ورد فيه:

الحديث الأول:

عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنه من السنة)) رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وصححه، ورواه أيضًا النسائي وقال فيه: ((فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر، فلمَّا فرَغ قال: سنة وحق)).

الحديث الثاني:

عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شيئًا منهن، ثم يسلم سرًّا في نفسه)) رواه الشافعي في مسنده.

هذان الحديثان -حديث ابن عباس، وحديث أبي أمامة- فيهما ما يُقرأ في صلاة الجنازة، سواء كان ذلك الإمام أو المأموم، وموضع القراءة، وأنه يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة أخرى بعد التكبيرة الأولى؛ وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم، وحديث أبي أمامة بن سهل في إسناده مُطرِّف ولكنه قد قواه البيهقي بما رواه في (المعرفة) من طريق عبد الله بن أبي زياد، عن الزهري بمعناه، وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر، وأخرجه أيضًا النسائي وعبد الرزاق.

قال ابن حجر في (فتح الباري): وإسناده صحيح، وليس فيه قوله: بعد التكبيرة، ولا قوله: ثم يسلم سرًّا في نفسه.

ولكن أخرج الحاكم نحوها، قال الشوكاني: وفي الباب عن ابن عباس حديث آخر عند الترمذي وابن ماجه: “أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب” وفي إسناده إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف جدًّا، وقال الترمذي: لا يصح هذا عن ابن عباس، والصحيح عنه قوله: “من السنة”.

وعن أم شريك عند ابن ماجه قالت: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب)) وفي إسناده ضعف يسير كما قال ابن حجر.

وعن ابن عباس حديث آخر أيضًا عند الحاكم: أنه صلى على جنازة بالأبواء -مكان بين مكة والمدينة- فكبر، ثم قرأ الفاتحة رافعًا صوته، ثم صلى- على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: “اللهم هذا عبدك وابن عبيدك، أصبح فقيرًا إلى رحمتك، فأنت غني عن عذابه، إن كان زاكيًا فزكه، وإن كان مخطئًا فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده” ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم انصرف فقال: “أيها الناس، إني لم أقرأ عليها -أي: جهرًا- إلا لتعلموا أنها سنة وفي إسناده شرحبيل بن سعد وهو مختلف في توثيقه.

وعن جابر عند النسائي في (المجتبى) والحاكم والشافعي وأبي يعلى: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بأم القرآن)) وفي إسناد الشافعي والحاكم إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقي.

وعن محمد بن مسلمة عند ابن أبي حاتم في (العلل) أنه قال: السنة على الجنائز أن يكبر الإمام، ثم يقرأ أم القرآن في نفسه، ثم يدعو ويخلص الدعاء للميت، ثم يكبر ثلاثًا، ثم يسلم وينصرف، ويفعل من وراءه ذلك، وقال: سألت عنه أبي فقال: هذا خطأ، إنما هو حبيب بن مسلمة، قال الحافظ: حديث حبيب في (المستدرك) من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل باللفظ السابق.

بيان الأحكام الفقهية التي تتعلق بأحاديث الباب، وترجيح الراجح:

قوله: “لتعلموا أنه من السنة”: فيه وفي بقية أحاديث الباب دليل على مشروعية قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، وقد حكى ابن المنذر عن ابن مسعود، والحسن بن علي، وابن الزبير، والمسور بن مخرمة، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وبه قال الهادي والقاسم والمؤيد بالله.

ونقل ابن المنذر أيضًا عن أبي هريرة وابن عمر: أنه ليس فيها قراءة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأصحابه، وسائر الكوفيين، وإليه ذهب زيد بن علي، والناصر. واضح أن الأحاديث التي معنا في هذا الباب ترد عليهم .

واختلف الأولون القائلون بالقراءة: هل قراءة الفاتحة واجبة أم لا؟

فذهب إلى أنها واجبة: الشافعي وأحمد وغيرهما، واستدلوا بحديث أم شريك المتقدم، وبالأحاديث المتقدمة في كتاب الصلاة، كحديث: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)).  وحديث أم شريك -تقدم قريبًا- وقد أخرجه ابن ماجه قالت: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب)).

وصلاة الجنازة صلاة وهو الحق.

قوله: “وسورة”: فيه مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة، ولا محيص عن المصير إلى ذلك؛ لأنها زيادة خارجة من مخرج صحيح.

قوله: “وجهر”: فيه دليل على الجهر في قراءة صلاة الجنازة، وقال بعض أصحاب الشافعي: إنه يجهر بالليل كالليلية.

وذهب الجمهور إلى أنه: لا يستحب الجهر في صلاة الجنازة، وتمسكوا بقول ابن عباس المتقدم: “لم اقرأ -أي: جهرًا- إلا لتعلموا أنه سنة” وبقوله في حديث أبي أمامة: “سرًّا في نفسه”.

قوله: “بعد التكبيرة الأولى”: فيه بيان محل قراءة الفاتحة، وقد أخرج الشافعي والحاكم عن جابر مرفوعًا بلفظ: “وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى” وفي إسناده إبراهيم بن محمد وهو ضعيف جدًّا، وقد صرح العراقي في شرح الترمذي بأن إسناد حديث جابر ضعيف.

قوله: “ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم”: فيه مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة، ويؤيد ذلك مجيء الأحاديث في الصلاة كحديث: ((لا صلاة لمن لم يصلِّ عليَّ)) وروى إسماعيل القاضي في كتاب (الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) عن أبي أمامة أنه قال: إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت، حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة، ثم يسلم، وأخرجه الجارود في (المنتقى) قال ابن حجر: ورجاله مخرج لهم في الصحيحين.

قوله: “ثم يسلم سرًّا في نفسه”:

فيه دليل على مشروعية السلام في صلاة الجنازة، والإسرار به، وهو مجمع عليه، حكى ذلك في (البحر) وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: ((ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تَركَهُنَّ الناس، إحداهن: التسليم على الجنائز مثل التسليم في الصلاة)) وله أيضًا نحوه عن عبد الله بن أبي أوفى.

فحصل من الأحاديث المذكورة في الباب أن المشروع في صلاة الجنازة:

قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، وقراءة سورة وتكون أيضًا بعد التكبيرة الأولى مع الفاتحة؛ لقوله في حديث أبي أمامة بن سهل: “ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات، ولا يقرأ في شيء منهن -يعني: بعد التكبيرة الأولى، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم” ولم يرد ما يدل على تعيين موضعها يعني: متى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم هل بعد التكبيرة الأولى؟ هل بعد التكبيرة الثانية أو الثالثة والرابعة؟ والظاهر -كما قال الشوكاني- تفعل بعد القراءة، ثم يكبر بقية التكبيرات، ويستكثر من الدعاء فيهن للميت مخلصًا له، ولا يشتغل بشيء من الاستحسانات التي وقعت في كتب الفقه، فإنه لا مستند لها إلا التخيلات. هذا رأي الشوكاني.

ثم بعد فراغه من التكبير والدعاء المأثور يسلم.

error: النص محمي !!