Top
Image Alt

صلاة الحاقن، ورد السلام أثناء الصلاة

  /  صلاة الحاقن، ورد السلام أثناء الصلاة

صلاة الحاقن، ورد السلام أثناء الصلاة

. صلاة الحاقن:

ما معنى الحاقن؟

الذي يكتم أو يحتفظ في داخل جسمه بالبول أو بالبراز، يعني: يريد أن يتبوّل أو يتبرّز، وأعضاؤه تضغط على ذلك؛ لكنه يضغط نفسه ويصلِّي قبل أن ينتقض وضوؤه بما يخرجه من السبيليْن.

ما حُكم صلاة الحاقن بهذا الشكل؟

يقول ابن رشد -رحمه الله: إن الفقهاء اختلفوا في صلاة الحاقن.

فأكثر العلماء يَكرهون أن يصلّي الرجل وهو حاقن -أي: حابس للبول أو للغائط- لِما روي من حديث زيد بن أرقم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا أراد أحدُكم الغائط، فلْيبدأْ به قبل الصلاة))، رواه أصحاب “السنن”، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحّحه الحاكم، ولِما روي أيضًا عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يُصلِّ أحدُكم بحضرة الطعام ولا وهو يدافِعُه الأخبثان))، و((الأخبثان)) هما: البول والبراز. ومعنى ((يُدافعُه)) يعني: يشتدّ عليه ذلك، وهو يُرغم نفسه على عدم الاستجابة، ولما ورَد من النهي عن ذلك عن عمر رضي الله عنه أيضًا.

هذا هو القول الجمهور: الكراهة فقط، أما الصلاة فصحيحة.

وذهب قوم إلى: أن صلاة الحاقن فاسدة، وعليه أن يُعيد. وروى ابن القاسم عن مالك ما يدلّ على أنّ صلاة الحاقن فاسدة؛ وذلك أنه روى عنه: أنه أمره -أي: أمَر الحاقن- بإعادة الصلاة في الوقت أو بعد الوقت.

الحقيقة: أنّ ابن قدامة -رحمه الله- تناول هذه القضية أيضًا في كتابه (المغني) بقوله، تحت المسألة التي قالها الخرقي: “وإذا حضرت الصلاة وهو يحتاج إلى الخلاء، بدأ بالخلاء”.

بعض العلماء يعبّر عن البول والبراز أو قضاء الحاجة بكلمة: “الخلاء” تأدّبًا، أو يعبّر عنهما بـ”قضاء الحاجة” أو “الأخبثيْن”.

يقول ابن قدامة: يعني: إذا كان حاقنًا -أي: حابسًا للبول أو البراز- كُرهت له الصلاة حتى يقضي حاجته، سواء خاف فوْت الجماعة أو لم يخَفْ -يعني: حتى لو كان هناك عذْر يقتضي أن يدافع الأخبثيْن- لِما ذكَرنا من حديث عائشة، وروى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يَحلّ لامرئٍ أن ينظر في جوف بيتِ امرئٍ حتى يستأذن، ولا يقومَ إلى الصلاة وهو حاقن))، قال الترمذي: هذا حديث حسن.

والمعنى في ذلك: أن يقوم إلى الصلاة وبه ما يشغَله عن خشوعها؛ لأن مقتضى مدافعة الأخبثيْن أن يظلّ المصلي مشغولًا بما يُدافعه عمّا يجب الخشوع فيه وتدبّره من الصلاة. فإن خالف وفعَل -أي: الحاقن خالف هذا النهي، وصلّى وهو حاقن- صحّت صلاتُه، في هذه المسألة وفي التي قبْلها.

وقال ابن أبي موسى: إن كان به من مدافعة الأخبثيْن ما يُزعجه ويشغله عن الصلاة، أعاد، في الظاهر من قوله -من قول الإمام أحمد لِظاهر الحديثيْن اللّذيْن رويناهما -وقد ذكرْنا ذلك فيما مضى.

وقال ابن عبد البر في حديث ثوبان: لا تقوم به حُجّة عند أهل العلْم بالحديث. فهذان من الأعذار التي يُعذر بها في ترك الجماعة والجمعة، لعموم اللفظ؛ فإن قوله: ((وأقيمت الصلاة)) عامّ في كلّ صلاة وقوله: ((لا صلاة)) عامّ أيضًا.

أمّا ابن رشد -رحمه الله- فيبيِّن سبب اختلاف في هذه الجزئية، بين الجمهور القائلين بكراهيّة الصلاة وعدم بطلانها ولا وجوب إعادتها، وبين الإمام مالك الذي قال بأن الصلاة تكون فاسدة، وعليه الإعادة.

يقول: سبب اختلافهم: هو اختلافهم في النهي، هل النهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه -كما سبق أن ذكَرنا في قضية البيع أثناء النداء إلى صلاة الجمعة. فالبيع حرام: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] فالبيع أثناء النداء للجمعة حرام، لكن هل يكون باطلًا؟ أي: إذا تمّ عقْد بيع مع أنه حرام، هل يكون باطلًا؟ هل يتعدّى النهي إلى فساد المنهيِّ عنه أو لا؟

نفس القضية ههنا: هل النهي عن الصلاة وهو حاقن يقتضي فسادَها لِمن صلّى وهو حاقن؟ هل يدلّ على فساد المنهيّ عنه؟ أم ليس يدلّ على فساده، وإنما يدلّ على تأثيم مَن فعَله فقط؟ أي: يكون آثمًا، إذا كان أصل الفعل الذي يتعلّق النهي به واجبًا أو جائزًا.

وقد تمسك القائلون بفساد صلاته -أي: الإمام مالك ومن معه- بحديث رواه الشاميّون، منهم من يجعله عن ثوبان أخرجه أبو داود والترمذي، ومنهم من يجعله عن أبي هريرة أخرجه أبو داود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَحلّ لِمؤمن أن يصلِّيَ وهو حاقن جدًا))، قال أبو عمر ابن عبد البر: هو حديث ضعيف السند لا حجة فيه، كما قال ابن قدامة فيما سمعنا.   

6. ردّ السّلام:

إذا دخل أحدُ المصلِّين إلى المسجد، ووجَد جماعة يصلّون، أو وجد شخصًا يصلِّي، فألقى السّلام عليه، هل على المصلِّي أن يَرُدّ عليه السلام، عملًا بالأمر الواجب بقوله تعالى: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ} [النساء: 86]، أو لا يجب عليه ذلك؛ لأنه في صلاة، والصلاة لا يجوز الكلام فيها بالكلام المعتاد بغير كلام الصلاة. هذه هي القضية.

ويتحدّث ابن رشد عن هذه القضية ويُبيِّن للفقهاء عدّة أقوال في هذه الجزئية:

القول الأوّل: رخّصت فيه طائفة، يعنِي: من ألقى عليك السّلام وأنت تصلّي، فقل: “وعليكم السلام ورحمة الله”، منهم: سعيد بن المسيب، والحسن بن أبي الحسن البصري، وقتادة.

القول الثاني: منَع ذلك الرّدّ بالقول، ولكنه أجازه بالإشارة. يعني: لا تقل: “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته”، ولكن يمكن أن ترفع يدك إشارةً إلى الرد. فلا يجوز الرد بالقول، ولكن يجوز بالإشارة.

القول الثالث: منَع آخَرون ردّه بالقول والإشارة؛ وهو مذهب أبي حنيفة النعمان.

القول الرابع: أجاز قوم أن تردّ في نفسك، يعني: دون تحرّك اللّسان، لا سرًّا ولا جهرًا.

القول الخامس: قال قوم: يردّ السلام إذا فرغ من الصلاة، أمّا في أثنائها فلا يجوز.

هذا الكلام المُجمل فصّله ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني)؛ حيث يقول: إذا سُلِّم على المصلِّي -يعني: ألقَي شخص السلام على المصلِّي- لم يكن له ردّ السلام بالكلام. فإن فعَل بَطلت صلاته. وهذا الذي ذكرناه عند ابن رشد أنه لا يجوز الرد بالقول، وإن كان يجوز الرد بالإشارة. يقول: روي نحو ذلك عن: أبي ذر، وعطاء، والنخعي، وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.

ثم أشار إلى القول الثاني: أن ردّ السلام رخصة، يقول: وكان سعيد بن المسيب، والحسن وقتادة لا يرون به بأسًا. وروي عن أبي هريرة: أنه أمر بذلك. وقال إسحاق: إن فعَله متأوِّلًا جازت صلاته.

يقول ابن قدامة للرّد على هؤلاء المُجيزين للرد بالكلام: ولنا -أي: في عدم جواز الكلام، وإنما تجوز الإشارة: ما روى جابر قال: ((كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، فرجعتُ وهو يصلِّي على راحلته، ووجْهه إلى غير القبلة))؛ وهذا جائز في صلاة السُّنّة، يجوز للمسافر أن يصلِّيَ السُّنّة أو التطوع على راحلته متّجهة أيّ اتّجاه، سواءً كانت في اتّجاه القبلة أو في غير ذلك. ((فسلّمتُ عليه، فلم يَرُدّ عليّ. فلما انصرف -أي: أتمّ الصلاة- قال: أما إنه لم يمنعْني أن أردّ عليك إلَّا أنّي كنت أصلِّي))، وقول ابن مسعود: ((قلنا: يا رسول الله، كنا نُسلِّم عليك في الصلاة فتَردّ علينا! قال: إن في الصلاة لشُغلًا!)) رواهما مسلم. ولأنه كلام آدمي، فأشْبه تشميتَ العاطس. إذا ثبت هذا، فإنه يردّ السلام بالإشارة.

إذًا: جمهور الفقهاء على: أنّ الرد بالقول ممنوع؛ لأنه كلام. أمّا بالإشارة فجائز؛ وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور.

وعن ابن عباس: أنه سلّم عليه موسى بن جميل وهو يصلّي، فقبض ابن عباس على ذراعه؛ فكان ذلك ردًّا من ابن عباس عليه -يعني: اكتفى بالردّ بالإشارة.

وإن ردّ عليه بعد فراغه من الصلاة، فحَسن. صحيح، الوقت فات، لكن كان في صلاة؛ فتأجيل الرد بعد الفراغ من الصلاة حسن. روي هذا عن أبي ذر، والنخعي، وداود، لِما روي عن ابن مسعود قال: ((قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّي، فسلّمتُ عليه، فلم يَرُدّ عليّ السلام. فأخذني ما قدم وما حدث. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: إن الله يُحدث من أمره ما يشاء. وإن الله قد أحدث أن لا تكلّموا في الصلاة. فردّ عليّ السلام)).

وقد روى صهيب قال: ((مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّي، فسلّمتُ عليه وكلّمتُه، فردّ إشارةً)). قال بعض الرواة: ولا أعلمه إلَّا قال: ((إشارةً بأصبعه)).

وعن ابن عمر: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، فصلّى فيه. قال: فجاءته الأنصار فسلّموا عليه وهو يصلِّي. قال: فقلت لبلال: فكيف رأيتَ رسول اللهصلى الله عليه وسلم يردّ عليهم حين كانوا يسلِّمون عليه وهو يصلي؟ قال يعقوب: هكذا، وبسط كفّه وجعَل بطْنه أسفل وظهْرَه إلى فوق)). قال الترمذي: كلا الحديثيْن صحيح، رواهما أبو داود والأثرم.

وإذا دخل قوم على قوم وهم يصلّون، فسُئل أحمد عن: الرجل يدخل على القوم وهم يصلُّون، أيسلِّم عليهم؟ -أي: يُلقي عليهم السلام كما هي السُّنّة؟- قال: نعم.

وروى ابن منذر عن أحمد: أنه سلّم على مصلٍّ. فعَل ذلك ابن عمر. وكرهه عطاء، وأبو مجلز، والشعبي، وإسحاق؛ لأنه ربّما غلط المصلِّي فردّ عليه السلام.

وقد روى مالك في “موطئه”: أن ابن عمر سلّم على رجل وهو يصلِّي، فردّ عليه السلام، فرجع إليه ابن عمر فنهاه عن ذلك.

ومَن ذهب إلى تجويزه، كما رأينا من الآراء الأخرى عند ابن رشد وعند ابن قدامة، حتى قال بعضهم: إن فعَله متأوِّلًا جازت صلاته، يقول: ومَن ذهب إلى تجويزه احتجّ بقول الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ} [النور: 61]، أي: على أهل دينِكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين سلم أصحابه عليه ردّ عليهم إشارة، ولم يُنكر ذلك عليهم. ونحن نقول: لا مانع من الإشارة، أمّا الكلام فهو الممنوع.

error: النص محمي !!