Top
Image Alt

صلاة الخوف، والكسوف والخسوف، والاستسقاء

  /  صلاة الخوف، والكسوف والخسوف، والاستسقاء

صلاة الخوف، والكسوف والخسوف، والاستسقاء

. كتاب صلاة الخوف

 باب: الأنواع المروية في صفتها:

عن صالح بن خوّات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع: ((أن الطائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، فأتموا لأنفسهم فسلم بهم)) رواه الجماعة، إلا ابن ماجه، وفي رواية للجماعة عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الصفة.

قوله “عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم” قيل: هو سهل بن أبي حثمة كما وقع في الرواية الأخرى، وقد أخرج البيهقي وابن منده في (المعرفة) الحديث عن صالح بن خوات عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يكون هو المبهم.

قوله: “يوم ذات الرقاع” هي غزوة نجد لقي بها النبي صلى الله عليه وسلم جمعًا من غطفان فتوقفوا، ولم يكن بينهم قتال، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف، وسميت ذات الرقاع؛ لأنها نقبت أقدامهم فلفوا على أرجلهم الخرق، وقيل: إن في ذلك المحل الذي غزوا إليه حجارة مختلفة الألوان فكانت كالرقاع المختلفة.

والحديث يدل على أن من صفات صلاة الخوف: أن يصلي الإمام في الثانية بطائفة ركعة، ثم ينتظر حتى يتموا لأنفسهم ركعة أخرى، ويذهبوا فيقوموا وجاه العدو، يعني: في مواجهة العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلون معه الركعة الثانية، ثم ينتظر حتى يتموا لأنفسهم ركعة ويسلم بهم.

وقد حكى في (البحر): أن هذه الصفة لصلاة الخوف قال بها علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وزيد بن ثابت وأبو موسى وسهل بن أبي حثمة والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو العباس قال الإمام النووي: وبها أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم، وقد أخذ بكل نوع من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أهل العلم.

والحق الذي لا محيص عنه: أنها جائزة على كل نوع من الأنواع الثابتة وقد قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا إلا صحيحًا، فلا وجه للأخذ ببعض ما صح دون بعض، إذ لا شك أن الأخذ بأحدها فقط تحكم محض.

وقد اختلف في عدد الأنواع الواردة في صلاة الخوف، فقال ابن القصار المالكي: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواطن، وقال النووي: إنه يبلغ مجموع أنواع صلاة الخوف ستة عشر وجهًا كلها جائزة، وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها، وهو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة، فعلى اختلاف صورها متفقة المعنى، وسرد ابن المنذر في صفتها ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان وزاد تاسعًا، وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهًا، وبينها في جزء مفرد، وقال ابن العربي: فيها روايات كثيرة أصحها: ست عشرة رواية مختلفة، ولم يبينها وقد بينها العراقي في شرح الترمذي وزاد وجهًا آخر فصارت سبعة عشر وجها، وقال بعضهم أصولها ست صفات، وأبلغها بعضهم أكثر وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا فصارت سبعة عشر، لكن يمكن أن تتداخل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من اختلاف الرواة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو المعتمد، وقال ابن العربي أيضًا: صلاها النبي صلى الله عليه وسلم أربعًا وعشرين مرة، وقال أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة، وكذا رجحه الشافعي، ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر.

2. أبواب صلاة الكسوف:

 باب النداء لها وصفتها، وباب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف:

أ. النداء لصلاة الكسوف وصفتها:

الحديث:

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنها قالت: ((خُسِفَت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي المسجد، فقام فكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلًا هو أدنى من القراءة الأولى، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءةً طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعًا هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، حتى استكمل أربع ركعات، وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة)) متفق عليه.

المعنى العام لهذا الحديث:

سبحان من خلق الكون وجعل فيه سراجًا وقمرًا منيرًا: {وَهُوَ الّذِي جَعَلَ اللّيْلَ وَالنّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذّكّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62] {وَهُوَ الّذِي خَلَقَ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] {هُوَ الّذِي جَعَلَ الشّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاّ بِالْحَقّ يُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5] شاءت حكمة الله تعالى أن يخلق الشمس كتلةً ملتهبةً من ظاهرها وباطنها، تبعث الحرارة فيما حولها، وترسل أشعة ضوئها؛ لتنعكس نورًا على جرم القمر؛ فيضيء ليلًا لأهل الأرض وعلى سطح الأرض، فتنتشر الحركة والحياة، شاءت حكمة الله أن تدور الأرض حول نفسها أمام الشمس، وأن تدور في فلك حول الشمس، والقمر كذلك بنظام دقيق قال عنه جل شأنه: {الشّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] وقال: {لاَ الشّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ وَكُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] وكانت نتيجة هذا الدوران، وهذا القانون الإلهي في الكون أن تقع الأرض بين الشمس والقمر؛ فيصبح النصف غير المواجه للشمس مواجهًا للقمر، وتصبح الأرض حينئذ حاجبة لضوء الشمس عن القمر؛ فيرى أهل النصف المواجه للقمر يرون القمر مظلمًا جزئيًّا أو كليًّا، ويقال حينئذ: خسف القمر، ونتيجة للتحرك والدوران لا يلبث أن يبتعد عن الجرم الحاجب؛ فيعود إليه الضوء، كما كان نتيجة هذا الدوران وهذا القانون الإلهي في الكون أن يقع القمر بين الشمس وبين الأرض؛ فيحجب وصول أشعة الشمس وضوئها إلي أهل جزء من الأرض؛ فلا يرون الشمس في النهار، أو لا يرون جزءًا منها، ويقال حينئذ: كسفت الشمس، ونتيجة للتحرك والدوران المحسوب لا يلبث الجرم الحاجب أن يبتعد؛ فيعود ضوء الشمس، علم الله الإنسان حساب هذه الحركات؛ ليعلم عدد السنين وعدد الأيام، علمه الحساب الدقيق الذي يعلم به متى يحصل كسوف الشمس أو القمر، من أي شهر، وفي أي يوم، وفي أية ساعة، بل وفي أية دقيقة سيحصل، ثم كم دقيقة يستمر هذا الكسوف، أصبح علم الفلك في زمننا علما محسوسًا محسوبًا حسابًا دقيقًا لا شك فيه، وأصبحت ظاهرة الكسوف للشمس أو القمر ظاهرة يحددها الحساب تحديدًا لا يختلف، ولا خطر منها على البشر، فلمَ أمر الإسلام عندها بالمبادرة إلى الصلاة والذكر والدعاء؟

إن الله تعالى خلق هذه الظاهرة تذكيرا للبشر بقدرته وهيمنته وفضله ونعمه على عباده، والإنسان لا يعرف قدر النعمة إلا عند فقدها: {وَإِذَا مَسّ الإِنسَانَ ضُرّ دَعَا رَبّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} [الزمر: 8] وذكر الله ودعاؤه والصلاة عند هذه الظاهرة ليس لسرعة الانجلاء، وإنما هو شكر لله على نعمة الضوء، وطلب من الله دوامها، كما طلب من المسلم بعد طعامه شكر لله على نعمه.

وإن هذه الظاهرة في نفسها تذكر بيوم القيامة وقيام الساعة؛ فهي صورة مصغرة أو مؤقتة لما سيكون، وقد أشار – جل شأنه – إلى هذا بقوله: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ(7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ(8) وَجُمِعَ الشّمْسُ وَالْقَمَرُ(9) يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرّ} [القيامة: 7- 10].

لقد كان صلى الله عليه وسلم يهتم بهذه الظاهرة، ويخشى الله عندها، ويظهر للمسلمين فزعه؛ خوفًا على أمته وإشفاقًا، فالظواهر الكونية قد تنقلب عقابًا وعذابًا، كما حدث لقوم عاد حين رأوا السحاب وهم جدب فقالوا: {قَالُواْ هَـَذَا عَارِضٌ مّمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] فكان عذابًا كان ريحًا فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها، وإن الذي خلق الظاهرة قادر على استمرارها، وقادر على إذهاب النعمة منها.

قوله: ((خسفت الشمس)) وفي كثير من الروايات: ((كسفت الشمس)) يقال: كََسَف الشمس وكَسَفت الشمس بفتح الكاف والسين، وكسف وكُسِف وكُسِفت بضم الكاف وكسر السين، وانكسف وانكسفت الشمس، كما يقال: خَسَف الشمس وخَسَفت الشمس بفتح الخاء والسين، وخُسِف الشمس وخُسِفت بضم الخاء وكسر السين، وانخسف وانخسفت الشمس.

قال الحافظ ابن حجر: قوله: باب الصلاة في كسوف الشمس أي: مشروعيتها، وهو أمر متفق عليه، لكن اختلف في الحكم وفي الصفة، فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرَّحَ أبو عُوَانَةُ في (صحيحه) بوجوبها، قال ابن حجر: ولم أره لغيره، إلا ما حكي عن مالك: أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنها واجبة.

قوله: ((في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أي: في زمن حياته.

قوله: ((فصلى بنا ركعتين)) زاد النسائي: ((كما تصلون)) واستدل به من قال: إن صلاة الكسوف كصلاة النافلة، وحمله ابن حبان والبيهقي على أن المعنى: كما تصلون في الكسوف؛ لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس علَّمهم أنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان، كما روى ذلك الشافعي، وابن أبي شيبة، وغيرهما، ويؤيد ذلك: أن في رواية عبد الوارث عن يونس في أواخر الكسوف من كتاب البخاري: ((أن ذلك وقع يوم أن مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم)) وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله، وقال فيه: ((إن في كل ركعة ركوعين)) فدل ذلك على اتحاد القصة، وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة، وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع، والأخذ بها أولى، ووقع في أكثر الطرق عن عائشة أيضًا: ((أن في كل ركعة ركوعين)) وعند ابن خزيمة من حديثها أيضًا: ((أن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام)).

قوله: ((فأطال القيام جدًّا)) بكسر الجيم منصوب على المصدر لفعل محذوف، أي: يجد جدًّا، والمراد من ((القيام)): قيام القراءة، وفي روايتنا: ((فاقترأ قراءة طويلة)) وجاء في رواية: ((فقام قيامًا شديدًا)) وفي رواية: ((فقام قيامًا طويلًا)) وفي رواية: ((أطال القيام حتى جعلوا يخرون)) وفي رواية: ((فأطال القراءة)) وفي رواية: ((فقام قيامًا طويلًا قدر نحو سورة البقرة)) وفي رواية: ((كأطول قيام)) وكل هذه الروايات في (صحيح مسلم) والمراد منها كلها واحد، وأن هذا القيام كان أطول من المعهود كثيرًا، قوله: ((ثم ركع فأطال الركوع)) وفي رواية: ((فركع ركوعًا طويلًا)) وفي رواية: ((ثم ركع فأطال)) وفي رواية: ((ثم ركع نحوًا مما قام)) وفي رواية: ((بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاته قط)) وكل هذه الروايات أيضا جاءت في (صحيح مسلم).

قوله: ((ثم رفع رأسه فأطال القيام جدًّا)) هذا القيام في الصلاة العادية يعرف بالاعتدال من الركوع والرفع منه، والمطلوب فيه الطمأنينة، مع استحباب قول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، أما في صلاة الكسوف فزيد فيه قراءة أخرى، ففي رواية: ((ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة وهي أدنى (أي: أقل) من القراءة الأولى)) وفي رواية عند مسلم: ((ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول)) وجاء في مسلم أيضًا: ((ثم رفع فأطال)) وفي رواية: ((ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الأولى)) فهو قيام قراءة يسبق الركوع الثاني.

قوله: ((ثم ركع فأطال الركوع جدًّا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد)) في الكلام طي وحذف قبل قوله: ((ثم سجد)) والأصل: ثم رفع من الركوع رفع الصلاة العادية ثم سجد -أي: سجدتين- بينهما جلسة وطمأنينة كالصلاة المعتادة، ففي رواية: ((ثم انحدر بالسجود فسجد سجدتين)) ولم تتعرض الروايات لطول السجود، اللهم إلا ما جاء في رواية عند مسلم: ((فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاة قط)) مما يوحي بطول السجود أيضًا.

قوله: ((ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول)) يحتمل أن المراد: أن القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الأول من الركعة الأولى، فهو يشبه القيام الثاني من الركعة الأولى، وكذلك الركوع، ويحتمل أن القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الثاني من الركعة الأولى؛ فيكون كل قيام دونما ما سبقه من قيام، وكل ركوع دون ما سبقه من ركوع، فهذا هو الأولى؛ فقد رواه الإسماعيلي بلفظ: ((الأولى فالأولى أطول)) ومن الواضح الذي لا خلاف فيه على كل من القولين السابقين: أن الركعة الأولى بقياميها وركوعيها أطول من الركعة الثانية بقياميها وركوعيها، وأن القيام الثاني في كل من الركعتين دون القيام الأول في كل منهما، وكذلك الركوع الثاني في كل من الركعتين دون الركوع الأول في كل منهما.

قوله: ((ثم سجد، ثم انصرف)) أي: ثم سجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، ثم انصرف ((وقد تجلت الشمس)) أي: ظهرت وعاد ضوءها، وانحسرت الظلمة عنها، وزال تغيرها، وفي رواية: ((حتى انجلت)) قال ابن حجر: استدل به على إطالة الصلاة حتى يقع الانجلاء. وأجاب الطحاوي بأنه قال فيه: ((فصلوا وادعوا)) فدل على أنه إن سلم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي.

وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما على انفراده؛ فجاز أن يكون الدعاء ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة؛ فيصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة، ولا تكريرها، وأما ما وقع عند النسائي من حديث النعمان بن بشير قال: ((كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت)) فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون معنى قوله: ((ركعتين)) أي: ركوعين، وقد وقع التعبير عن الركوع بالركعة في حديث الحسن: ((خسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى ركعتين في كل ركعة ركعتان)) الحديث أخرجه الشافعي، وأن يكون السؤال وقع بالإشارة؛ فلا يلزم التكرار.

وقد أخرج عبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي قلابة: ((أنه صلى الله عليه وسلم كان كلما ركع ركعة أرسل رجلا ينظر هل انجلت)) فتعين الاحتمال المذكور، وإن ثبت تعدد القصة زال الإشكال أصلًا.

قوله: ((فخطب الناس فحمد الله)) ليس الحمد وما بعده غير الخطبة، وليست الفاء للتعقيب، ففي الكلام مجاز المشارفة، أي: أشرف على الخطبة فحمد الله، كقولنا: توضأ فغسل وجهه ويديه ورأسه ورجليه، فما بعد الفاء بيان وتفسير لما قبلها.

وقوله: ((إن الشمس والقمر من آيات الله)) وفي رواية: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)) وفي رواية: ((ولكنهما آية من آيات الله)) والآية: العظة، والعبرة، والعلامة على قدرة الله وحكمته ورحمته، قال ابن حجر: فقال النبيصلى الله عليه وسلم: ((إن الشمس)) زاد في رواية ابن خزيمة: ((فكلما كشف عنا خطبنا فقال)) واستدلوا به على أن الانجلاء لا يسقط الخطبة.

قوله: ((وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته)) وفي رواية: ((لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته)) وفي رواية: ((إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته)) وقد استشكل على الروايات التي ذكرت هذه اللفظة: ((ولا لحياته)) بأن السياق إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكر الحياة، قال الحافظ ابن حجر: والجواب: أن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد ألا يكون سببًا للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم، أي: إن ذكرها للمبالغة في نفي علاقة الكسوف بموت عظيم عن طريق نفي علاقته بالبشر مطلقًا، موتًا أو حياة.

قوله: ((فإذا رأيتموهما)) أي: رأيتم الشمس والقمر مكسوفين على التتابع، أي: إذا رأيتم كسوف أيّ منهما، وليس المراد: رأيتم كسوف الشمس والقمر معًا؛ فإنه من المستحيل حسب القوانين الإلهية في الكون وقوع الكسوف فيهما في وقت واحد، وفي رواية: ((فإذا رأيتموها)) بالإفراد، وفي رواية: ((فإذا رأيتم كسوفا)) أي: لأحدهما، وفي رواية: ((فإذا رأيتم شيئًا من ذلك)) وفي رواية: ((فإذا رأيتم ذلك)) أي: الكسوف، وفي رواية: ((فإذا رأيتم منها شيئًا)) أي: من الآيات.

قوله: ((فقوموا فصلوا)) استدلوا بهذا على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معين؛ لأن الصلاة علقت برؤيته، وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن تبعه، واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكية: وقتها من وقت حل النافلة إلى الزوال. وفي رواية: إلى صلاة العصر. ورجح الأول بأن المقصود: إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله؛ فيفوت المقصود، قال ابن حجر: ولم أقف في شيء من الطرق -مع كثرتها- على أنه صلى الله عليه وسلم صلاها الأضحى، لكن ذلك وقع اتفاقًا، ولا يدل على منع ما عداه. واتفقت الطرق على أنه بادر إليها.

قوله: ((لا يخسفان)) بفتح أوله ويجوز الضم، وحكي ابن الصلاح منعه، وروى ابن خزيمة والبزار من طريق نافع عن ابن عمر قال: ((خسفت الشمس يوم مات إبراهيم…)) الحديث وفيه: ((فافزعوا إلى الصلاة وإلى ذكر الله وادعوا وتصدقوا)).

3. باب الصلاة لخسوف القمر في جماعة، باب صفة صلاة الاستسقاء:

أ. باب: الصلاة لخسوف القمر في جماعة:

الحديث الأول:

 عن محمود بن لبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما كذلك؛ فافزعوا إلى المساجد)) رواه أحمد.

الحديث الثاني:

عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: ((خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة؛ فخرج فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركعتين، ثم ركب، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي)) رواه الشافعي في مسنده.

الكلام على الحديثين:

قال الإمام الشوكاني: حديث محمود بن لبيد أصله في الصحيحين بدون قوله: ((فافزعوا إلى المساجد)) وقد أخرج هذه الزيادة أيضًا الحاكم، وابن حبان.

وحديث ابن عباس أخرجه الشافعي -كما ذكر المصنف- عن شيخه إبراهيم بن محمد، وهو ضعيف لا يحتج بمثله.

وقول الحسن: “صلى بنا” لا يصح، قال: الحسن لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها، وقيل: إن هذا من تدليساته، وأن المراد من قوله: “صلى بنا” أي: صلى بأهل البصرة -كما سبق.

والحديثان يدلان على مشروعية التجميع في خسوف القمر؛ أما الأول فقوله فيه: فإذا رأيتموهما كذلك… إلى آخره. ولكنه لم يصرح بصلاة الجماعة.

أما الحديث الثاني:

فبقول ابن عباس -بعد أن صلى بهم جماعة في خسوف القمر-: “إنما صليت كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلى” ولكنه يحتمل أن يكون المشبه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم هو صفتها من الاقتصار في كل ركعة على ركوعين، ونحو ذلك؛ لأنها مفعولة في خصوص ذلك الوقت الذي فعلها فيه؛ لما تقدم من اتحاد القصة وأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرةً واحدةً عند موت ولدِهِ إبراهيم، نعم أخرج الدارقطني من حديث عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في خسوف الشمس والقمر أربع ركعات)).

وأخرج أيضًا من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف القمر ثماني ركعات في أربع سجدات، وذكر القمر في الأول مستغرب كما قال الحافظ، والثاني في إسناده نظر؛ لأنه من طريق حبيب، عن طاوس، ولم يسمع منه، وقد أخرجه مسلم بدون ذكر القمر، وإنما اقتصر المصنف في التبويب على ذكر القمر؛ لأن التجميع في كسوف الشمس معلوم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المتقدمة وغيرها.

وقد ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء: إلى أن صلاة الكسوف والخسوف تسن الجماعة فيهما.

وقال أبو يوسف، ومحمد: بل الجماعة شرط فيهما، وقال الإمام يحيى: إنها شرط في الكسوف فقط، وقال العراقيون: إن صلاة الكسوف والخسوف فرادى.

وحكي في (البحر) عن أبي حنيفة، ومالك أن الانفراد شرط، وحكى النووي في شرح مسلم، عن مالك أنه يقول بأن الجماعة تسن في الكسوف والخسوف، وقيل يصح الأمران، احتج الأولون بالأحاديث الصحيحة المتقدمة، وليس لمن ذهب إلي أن الانفراد شرط، أو أنه أولى من التجميع دليل، وأما من جوز الأمرين فقال: لم يرد ما يقتضي اشتراط التجميع؛ لأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب؛ فضلًا عن الشرطية وهو صحيح، ولكنه لا ينفي أولوية التجميع.

ب. كتاب الاستسقاء

باب: صفة صلاة الاستسقاء وجوازها قبل الخطبة:

حديثا الباب:

الحديث الأول:

عند أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم يومًا يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله عز وجل وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلب رداءه؛ فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن)) رواه أحمد وابن ماجه.

وعن عبد الله بن زيد قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقي قال: فحول إلي الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة)) رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، ورواه مسلم، ولم يذكر الجهر بالقراءة.

شرح الحديثين، وبيان كيفية صلاة الاستسقاء:

وقوله في الحديث الأول -أعنى حديث أبي هريرة-: ((خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وجاء في رواية عبد الله بن زيد، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة.

قال الشوكاني: وقد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد: أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، وغيرهما، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة: أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيحين أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد.

وكذا قال القرطبي: يعترض القوم بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تكرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة؛ فلذلك وقع الاختلاف.

والمرجح عند الشافعية والمالكية: الشروع بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه الجماهير قال الليث: بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها.

وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلف الرواية عن ذلك عن الصحابة، وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق، وحكى المهدي في البحر عن الهادي والمؤيد بالله أنه لا خطبة في الاستسقاء، واستدل لذلك بقول ابن عباس، ولم يخطب كخطبتكم، وهو غفلة عن أحاديث الباب، وابن عباس إنما نفى وقوع خطبة منه صلى الله عليه وسلم مشابهة لخطبة المخاطبين، ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه صلى الله عليه وسلم كما يدل على ذلك ما وقع في الرواية من حديثه أنه صلى الله عليه وسلم رقي المنبر.

وقد دلت الأحاديث الكثيرة على مشروعية صلاة الاستسقاء، وبذلك قال جمهور العلماء من السلف والخلف، ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة مستدلا بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة، واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الاستسقاء ركعتين، وهي مشتملة على الزيادة التي لم تقع منافية؛ فلا معذرة عن قبولها، وقد وقع الإجماع من المثبتين للصلاة على أنها ركعتان، كما حكي ذلك النووي في شرح مسلم، والحافظ في الفتح للتصريح بذلك في أحاديث الباب وغيرها.

وأحاديث الباب تدل على أنه يستحب للإمام أن يستقبل القبلة ويحول ظهره إلى الناس، ويحول رداءه، وقوله: عن عبد الله بن زيد يعنى المازني الأنصاري، قال الحافظ ابن حجر: راوي حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري، الخزرجي، وراوي حديث الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، الخزرجي، وقد اتفقا في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثم إلى الخزرج، والصحبة، والرواية، وافترقا في الجد.

وعبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف الأنصاري المدني هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الوضوء وغيره، وعنه ابن أخيه عباد بن تميم، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن عمارة، وكان صهره على ابنته. قتل سنة ثلاث وستين رضي الله عنه.

قوله: ((فاستسقى)) السين والتاء للطلب، أي: طلب السقيا، والسقية بضم السين الاسم من السقي، قال الحافظ: والاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس، أو للغير، وشرعًا: طلبه من الله عند حدوث الجدب عن وجه مخصوص.

وأما قوله: ((وحول ردائه)) كان بعض لباس العرب من قطعتين: إزار يلف حول الوسط فيستر من السرّة  أو ما فوقها بقليل إلى ما يقرب إلى القدم، ورداء وهو ما يستر النصف الأعلى، وذكر الواقدي: أن طولَ ردائِهِ صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع في ثلاثةِ أذراعٍ، وطول إزاره: أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما صلى الله عليه وسلم في الجمعة والعيدين.

والمراد من تحويل الرداء: جعل اليمين على الشمال، وجعل الشمال على اليمين -كما جاء في بعض الروايات- وهذا هو المراد من قوله: وقلب رداءه، إذ جعل العطاف يعني: الرداء الأيمن على العاتق الأيسر، والعطاف الأيسر، يعنى: الرداء الأيسر على العاتق الأيمن أو الكتف الأيمن، وذلك لا يكون إلا بقلب الباطن ظاهرًا والظاهر باطنًا، أو بقلب الأمام خلفًا، والخلف أمامًا.

وقد ترجم البخاري -رحمه الله- بابًا بعنوان: تحويل الرداء في الاستسقاء وأورد فيه حديثين:

الحديث الأول: هو حديث عبد الله بن زيد: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فقلب رداءه)).

والحديث الثاني: هو حديث عبد الله بن زيد -أيضًا-: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى، فاستسقى، فاستقبل القبلة، وقلب رداءه فصلى ركعتين)).

قال الحافظ ابن حجر: استسقى فقلب رداءه، ذكر الواقدي -كما سبق أن قلنا- أن طول ردائه صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول الإزار أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، قال الزين بن المنير: ترجم بلفظ التحويل، والذي وقع في الطريقين اللذين ساقهما: لفظ القلب، وكأنه أراد أنهما بمعنى واحد، انتهى.

أما وقت صلاة الاستسقاء، ففيه ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: وقتها وقت صلاة العيد.

والوجه الثاني: أول وقت صلاة العيد، ويمتد إلى أن يصلى العصر.

والوجه الثالث -وهو الصحيح-: بل الصواب على رأي الشافعية-: أنها لا تختص بوقت، بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار.

error: النص محمي !!