Top
Image Alt

صلاة المريض

  /  صلاة المريض

صلاة المريض

عن عمران بن حصين قال: ((كانت بي بواسير، فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك)) رواه الجماعة إلا مسلم. وزاد النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقيًا؛ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)).

قال: ((كانت بي بواسير)) والبواسير هي المرض المعروف، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصلي وبه هذه البواسير؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: ((صلِّ قائمًا)) وقد استنبط صاحب (المهذب) من قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلِّ قائمًا)) واستدل بذلك على أن القيام فرضٌ في الصلاة المفروضة، قال صاحب (المهذب): والقيام فرض في الصلاة المفروضة؛ لما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)) وأما في النافلة فليس بفرض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفل على الراحلة وهو قاعد؛ ولأن النوافل تكثر، فلو وجب فيها القيام شق وانقطعت النوافل.

قال النووي: فالقيام في الفرائض فرض بالإجماع، لا تصح الصلاة من القادر عليه إلا به، حتى قال أصحابنا: لو قال مسلم: أنا أستحل القعود في الفريضة بلا عذر، أو قال: القيام في الفريضة ليس بفرض -كفر، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام. قال النووي: قال أصحابنا: يشترط في القيام الانتصاب.

وهل يشترط الاستقلال بحيث لا يستند إلى شيء؟

فيه أوجه:

أصحها -وبه قطع أبو علي الطبري في الإفصاح والبغوي وآخرون، وصححه القاضي أبو الطيب في تعليقه، والرافعي-: لا يشترط، فلو استند إلى جدار أو إنسان، أو اعتمد على عصا -يشترط، ولا تصح مع الاستناد في حال القدرة؛ لأنه يسمى قائمًا.

والثاني: يشترط، ولا تصح مع الاستناد في حال القدرة بحال، حكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القطان، وبه قطع إمام الحرمين والغزالي.

والثالث: يجوز الاستناد إن كان بحيث لو رفع الشيء الذي يسنده لم يسقط، وإلا فلا، هذا في استناد لا يسلب اسم القيام، فإن استند متكئًا، بحيث لو رفع عن الأرض قدميه لأمكنه البقاء لم تصح صلاته بلا خلاف؛ لأنه ليس بقائم بل معلقٌ نفسه بشيء.   

فلو لم يقدر على الاستقلال فوجهان:   

الصحيح: أنه يجب أن ينتصب متكئًا؛ لأنه قادر على الانتصاب.   

والثاني: لا يلزمه الانتصاب بل له قاعدا.    

وحديث عمران يدل على أنه يجوز لمن حصل له عذر لا يستطيع معه القيام -أن يصلي قاعدًا، ولمن حصل له عذر لا يستطيع معه القعود -أن يصلي على جنبه. والمعتبر في عدم الاستطاعة عند الشافعية هو المشقة، أو خوف زيادة المرض، أو الهلاك، لا مجرد التألم؛ فإنه لا يبيح ذلك عند الجمهور.

كيفية صلاة المريض:

وفي كيفية صلاة هذا العاجز ثلاثة أوجه:

الصحيح المنصوص في (الأم): يضطجع على جنبه الأيمن مستقبلًا بوجهه ومقدم بدنه القبلة، كالميت في لحده، فعلى هذا لو اضطجع على يساره صح وكان مكروهًا، وبهذا قال مالك، وأحمد، وداود، وروي عن عمر وابنه.

والثاني: أنه يستلقي على قفاه، ويجعل رجليه إلى القبلة، ويضع تحت رأسه شيئًا؛ ليرتفع ويصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء، وبه قال أبو حنيفة.        

والثالث: يضطجع على جنبه، ويعطف أسفل قدميه إلى القبلة، حكاه إمام الحرمين، والغزالي، وآخرون.

وحكى جماعة الوجهين الأولين قولين، قال إمام الحرمين، والغزالي في (البسيط) وغيرهما: هذا الخلاف في الكيفية الواجبة، فمن قال بكيفية لا يجوز غيرها بخلاف الخلاف السابق في كيفية القعود؛ فإنه في الأفضل؛ لاختلاف أمر الاستقبال بهذا دون ذاك، ثم إن هذا الخلاف في القادر على هذه الهيئات، فأما من لا يقدر على واحدة فتجزئه بلا خلاف، ثم إذا صلى على هيئة من هذه المذكورات، وقدر على الركوع والسجود -أتى بهما، وإلا أومأ إليهما منحنيًا برأسه، وقرّب جبهته من الأرض بحسب الإمكان، ويكون السجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، هذا كله واجب، فإن عجز عن الإيماء بالطرف أجرى أفعال الصلاة على قلبه، فإن اعتقل لسانه وجب أن يجري القرآن والأذكار الواجبة على قلبه، كما يجب أن يجري الأفعال.

قال أصحابنا: وما دام عاقلًا لا يسقط عنه فرض الصلاة، ولو انتهى ما انتهى. وإذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا شاذ مردود، ومخالف لما عليه الشافعية، ومخالف لما عليه الأصحاب.

error: النص محمي !!