Top
Image Alt

صلاة المسافر

  /  صلاة المسافر

صلاة المسافر

أبواب صلاة المسافر:

باب: اختيار القصر وجواز الإتمام: 

الحديث الأول:   

عن عبد الله بن عمر قال: ((صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكرٍ وعمر وعثمان كذلك)) متفق عليه. والحديث في (صحيح مسلم) بسنده عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: ((صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي، يابن أخي، إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: {لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21])).

المعنى العام وما يأتي من أحكام صلاة السفر:

السفر قطعة من العذاب، فيه مشاق كثيرة جسمانية، ومشاقٌ كثيرة نفسية، ويكفي فيه فراق الأهل والأوطان والأملاك والمعارف؛ ليصبح غريبًا عرضة للأخطار؛ لهذه المشاق الجسمية والنفسية خفف الله عن الأمة الإسلامية، فأباح للصائم الفطر مع القضاء، ورخص للمصلي أن يقصر الصلاة الرباعية، ويصليها ركعتين في ثواب أربع ركعات؛ صدقة تصدق الله بها على عباده المسلمين، فله الحمد وله الشكر، وسواء كان ابتداء فرض الصلاة مثنى، ثم زيد في الحضر ركعتان في الظهر والعصر والعشاء، كما تقول عائشة، أو كان ابتداء فرضها على ما هي عليه الآن، وخففت وقصرت في السفر كما يقول الجمهور، فمما لا شك فيه أن هناك تخفيفًا على المسافر رحمة من الله تعالى به.

قوله: ((وكان لا يزيد في السفر على ركعتين)) فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لازم القصر في السفر ولم يصلِّ فيه تمامًا. وقد ذكرنا لفظ الحديث من (صحيح مسلم).

قوله: ((وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل)) وهذه الرواية في مسلم وظاهر هذه الرواية -وكذا الرواية التي معنا في هذا الباب- أن عثمان لم يصلِّ في السفر تمامًا. وفي رواية لمسلم أيضًا عن ابن عمر أنه قال: “ومع عثمان صدرًا من خلافته ثم أتم” وفي رواية: “ثماني سنين أو ست سنين”. قال النووي: وهذا هو المشهور؛ أن عثمان أتمَّ بعد ست سنين من خلافته. وتأول العلماء هذه الرواية: أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير منى. والرواية المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصة، وقد صرح في رواية: بأن إتمام عثمان كان بمنى. وفي البخاري ومسلم أن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات. فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، ثم قال: ((صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين؛ فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان)).

وقوله في رواية مسلم: “حتى جاء رحله” أي منزله الذي ينزل فيه ويرحل منه. وقوله: “فحانت منه التفاتةٌ” أي: حضرت وحصلت. وقوله: “نحو حيث صلى” أي: جهة مكان صلاته فـ”حيث” ظرف مكان مبني مضاف إلى “نحو”.

“فرأى ناسًا قيامًا” أي: يصلون.

قلت: “يسبحون” أي: “يتنفلون” أي: يصلون سننًا ونافلة.

الحديث الثاني:

حديث يعلى بن أمية قال: ((قلت لعمر بن الخطاب: {عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَا} [النساء: 101] فقد أمن الناس قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته)) رواه الجماعة إلا البخاري.

كيفية صلاة الخوف، وأحكامها:

قوله: ((قلت لعمر بن الخطاب: {عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَا}))  إشارة إلى صلاة الخوف.

وعلى ذلك: علينا أن نعرف كيفية صلاة الخوف وأحكامها، وفي هذا يقول الإمام الشيرازي: تجوز صلاة الخوف في قتال الكفار؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ مّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} [النساء: 102].

وكذلك يجوز في كل قتال مباح كقتال أهل البغي وقطاع الطريق؛ لأنه قتالٌ جائز، فهو كقتال الكفار. وأما القتال المحظور، كقتال أهل العدل، وقتال أهل الأموال لأخذ أموالهم، فلا يجوز فيه صلاة الخوف؛ لأن ذلك رخصة وتخفيف؛ فلا يجوز أن يتعلق بالمعاصي؛ ولأن فيه إعانة على المعصية وهذا لا يجوز.

وقوله: “رخصة” بضم الخاء وإسكانها، قال النووي: قال أصحابنا: المراد بصلاة الخوف أن كيفية الفريضة فيها إذا صليت جماعة، وأما شروط الصلاة، وأركانها، وسننها، وعدد ركعاتها، فهي في الخوف كالأمن، إلا أشياء استثنيت في صلاة شدة الخوف خاصة، وهذا الذي ذكرناه من أن صلاة الخوف لا يتغير عدد ركعاتها، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا ابن العباس، والحسن البصري، والضحاك، وإسحاق بن راهويه، فإنهم قالوا: الواجب في الخوف ركعة. وحكاه الشيخ أبو حامد عن جابر بن عبد الله وطاوس. لكن أبا حامد نقل عن هؤلاء أن الفرض في الخوف على الإمام ركعتان، وعلى المأموم ركعة، والذي نقله الجمهور عن هؤلاء أن الواجب ركعة فقط في حق كل أحد؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)) رواه مسلم.

قالوا: ولأن المشقة في الخوف ظاهرة فخفف عنه بالقصر. قال النووي: دليلنا الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما عن جماعات من الصحابة رضي الله عنهم: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى هو وأصحابه في الخوف ركعتين)).

والجواب عن حديث بن عباس: أن معناه أن المأموم يصلي مع الإمام ركعة، ويصلي الركعة الأخرى وحده، وبهذا الجواب أجاب البيهقي وأصحابنا في كتب المذهب، وهو متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة.

قال النووي: مذهب الشافعية أنها مشروعة، وكانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة لكل أهل عصره معه صلى الله عليه وسلم ومنفردين عنه، واستمرت شرعيتها إلى الآن، وهي مستمرة إلى آخر الزمان.

باب: اختيار القصر وجواز الإتمام.

هل القصر واجب أم رخصة والتمام أفضل؟

قوله: ((فقد أمنَ الناس)) فهِم يعلى أن القصر خاص بالخوف، وأن الشرط قيدٌ معتبر للاحتراز، ورأى الفعل مستمرًّا بالقصر مع الأمن، فاستشكل فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال عمر: ((عجبت مما عجبت منه)) وفي رواية لمسلم: ((عجيب ما عجبت منه)) والرواية الأولى هي المشهورة المعروفة كما قال النووي.

قوله: ((صدقة تصدق الله بها عليكم)) فيه جواز قول القائل: تصدق الله علينا، واللهم تصدق علينا، وقد كرهه بعض السلف. قال النووي: وهو غلطٌ ظاهر.

قال الشوكاني: واعلم أنه قد اختلف أهل العلم: هل القصر واجبٌ أم رخصة والتمام أفضل؟

واحتج القائلون بوجوب القصر بحجج:

الأولى: ملازمته صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره كما في حديث ابن عمر المذكور في الباب، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتم الرباعية في السفر كما قال ابن القيم. وأما حديث عائشة الذي سيأتي المشتمل على أنه صلى الله عليه وسلم أتم الصلاة في السفر فسيأتي أنه لم يصح. ويجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدل على الوجوب كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم.

والحجة الثانية: حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها: ((فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر)) وهو دليل ناهض على الوجوب؛ لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا يجوز الزيادة على أربع في الحضر.

وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة، منها: أن الحديث من قول عائشة غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتًا لنقل تواترًا، ومنها: أن المراد بقولها: ((فرضت)) أي: قدرت، وهو خلاف الظاهر.

ومنها: ما قال النووي: أن المراد بقولها: ((فرضت)) يعني: لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وهو تأويل فيه تعسف لا يعول على مثله كما قال الشوكاني.

ومنها: المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر.

الحجة الثالثة: ما في (صحيح مسلم) عن ابن عباس أنه قال: ((إن الله عز وجل فرض الصلاة -على لسان نبيكم- على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعًا والخوف ركعة)) فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله عز وجل أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى لله، وأخشى من أن يحكي أن الله فرض ذلك بلا برهان.

والحجة الرابعة: حديث عمر عند النسائي وغيره: ((صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفجر ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم)) وهو يدل على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا ثم قصرت. وقوله: ((على لسان محمد صلى الله عليه وسلم)) تصريح بثبوت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم.

الحجة الخامسة: حديث ابن عمر بلفظ: ((أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر)).

واحتج القائلون بأن القصر رخصة والتمام أفضل- بحجج:

الحجة الأولى: منها قول الله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} ونفي الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الرخصة وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.

وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد؛ لما عُلم من تقدم شرعية قصر العدد، وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران، فيصلون صلاة خوف مقصورًا عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفيت الأركان وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر وليس بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار تمام أركانها، وإن لم تدخل في الآية.

الحجة الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث يعلى بن أمية: ((صدقة تصدق الله بها عليكم)) فإن الظاهر من قوله: ((صدقة)) أن القصر رخصة فقط.

وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنها لا محيص عنها وهو المطلوب.

والحجة الثالثة: ما في (صحيح مسلم) وغيره: ((أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض)) كذا قال النووي في (شرح مسلم) ولم نجد في (صحيح مسلم) قوله: “فمنهم القاصر ومنهم المتم” وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار، وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه، وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرر أن إجماع الصحابة في عصره صلى الله عليه وسلم ليس بحجة والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لما أتم بمنى، وتأولوا له تأويلات.

قال ابن القيم: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة أتم.

وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: ((أيها الناس، لما قدمت مني تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تأهل رجل ببلد فليصلِّ به صلاة مقيم)) ورواه أيضًا عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده أيضًا، وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيفه لعكرمة بن إبراهيم.

الحجة الرابعة: حديث عائشة -والذي سيأتي قريبًا- قالت: ((خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي؛ أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت فقال: أحسنت يا عائشة)) رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن.

وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه؛ قال الشوكاني: “وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب، وأما دعوى أن التمام أفضل فمدفوعة بملازمته صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره وعدم صدور التمام عنه كما تقدم”.

error: النص محمي !!