Top
Image Alt

صلاة الوتـر

  /  صلاة الوتـر

صلاة الوتـر

قسّم ابن رشد -رحمه الله- أحكام الصلاة إلى أربع جُمَل، وجعل تحت كلّ جُملة مجموعة من الأحكام التي تعمّ الصلاة بجميع أنواعها: فرائضَ وسُننًا؛ فكانت تلك الجُمل عن: الوجوب وأحكامه، وعن الشروط وأنواعها، وعن الأركان أقوالًا وأفعالًا، وعن قضاء الصلاة. واقتضى ذلك أيضًا الكلام عن الجماعة والجُمُعة، وصلاة: السَّفر، والخوف، والمَرض، والسهو –كما تم عرضه.

سمّى ابن رشد السّنن أو النوافل: “كتاب: الصلاة الثاني”، وأدرج تحتها: الوتر، وسائر السُّنن، وصلاة الخسوف، والاستسقاء، والعيديْن، وسجود القرآن أو سجود التلاوة، وركعتَي الفجر، ونحو ذلك من السُّنة، وأضاف إليها بابًا عاشرًا وهو ما يُسمّى: “كتاب: الجنائز”.

وجعل تحت هذه الأبواب فصول ومسائل، ويأتي في مقدّمتها: الباب الأوّل عن: “الوتر”، وتحته خَمس مسائل تتعلق بــ: حُكمه، وصفته، ووقته، والقنوت فيه، وصلاته على الراحلة.

ونبدأ ببيان المسألتيْن الأوليَين وهما: حُكم صلاة الوتر، وصفة صلاته، وأقوال الفقهاء في ذلك، وأسباب اختلافهم:

الباب الأوّل: الوتر: حُكمه، وصفته، ووقته، والقنوت فيه، وصلاته على الراحلة:

أ. حكم الوتر:

سبق أن ذكرْنا في: “كتاب الصلاة” الأوّل -عند الكلام عن الجُملة الأولى، وهي: بيان وجوب الصلاة، وعلى مَن تجب. أنّ العلماء قد انقسَموا قِسميْن: جمهور العلماء يقول: إنّ الفرائض خمسة فقط، وهي: الصبح، والظهر، والعَصر، والمغرب، والعِشاء، وهي الصلوات الخمس المفروضة في ليلة الإسراء والمعراج.

لكنّ الحنفية أضافوا إلى ذلك: صلاة “الوتر”، وعَدّوا الوتر مِن هذه الصلوات المفروضة، فجعلوا الفرائض ستّة.

قال ابن رشد: “أمّا حُكمه فقد تقدّم القول فيه عند بيان عدد الصلوات المفروضة”.

وأذكّركم بأنا بيّنا أن ابن قدامة قال -في الجزء الأوّل، صـ369-: الصلوات المكتوبات خَمس في اليوم الليلة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلَّا لعارض مِن نَذْر أو غيره؛ هذا قول أكثر أهل العلْم. أي: الجمهور.

رأي أبي حنيفة:

وقال أبو حنيفة: الوتر واجب؛ لِما روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((إن الله قد زادكم صلاةً، وهي: الوتر))، وهذا يقتضي وجوبه، وقال عليه السلام: ((الوتر حقّ))، رواه ابن ماجة.

ابن قدامة يرد على رأي أبي حنيفة:

ولكننا نلحظ أن ابن قدامة لا يَقبل هذا القول، ويردّ على أبي حنيفة مدعِّمًا قول جمهور العلماء فيقول:

ولنا: ما روى ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فرَض الله على أمّتي خمسين صَلاة -وذكر الحديث، إلى أن قال-: فرجَعت إلى ربِّي فقال: هي خَمْس وهي خمسون، ما يُبدّل القول لديّ))، أي: هي خمس في العمل وخمسون في الأجر، لقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160].

وعن عبادة الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((خمْس صلوات افترضهنّ الله على عباده، فمَن جاء بهنّ لم يُنقص منهنّ شيئًا استخفافًا بهنّ، فإن الله جاعل له يوم القيامة عهدًا أن يُدخله الجنّة. ومن جاء بهنّ وقد نَقص منهنّ شيئًا لم يكن له عند الله عهد؛ إن شاء عذّبه وإن شاء غَفر له)).

ب. صِفة الوتْر:

أشار ابن قدامة إلى هذه الصّفة فيما ذكرناه عنه، نتناول قول ابن رشد أولًا، ثمّ نضيف عليه تعليقًا آخَر من ابن قدامة -رحمه الله.

هل تصلّى ركعة واحدة؛ لأنّ معنى الوتر: الفرد؟ أم تصلَّى ثلاث ركعات شفعًا ووترًا -والشفع يعني: اثنتيْن، والوتر: واحدة-؟ وإذا أدّيَت ثلاثًا أو أكثر مِن ذلك، فهل تكون الركعات متّصلة أو تكون منفصلة؟ هل تكون على هيئة صلاة المغرب بتشهّد أوسط، أو لا يكون فيها تشهد أوسَط؟ هل يمكن أن تزيد صلاة الوتر عن ثلاث ركعات؟ وإلى أيّ مَدى؟ هل إلى إحدى عشرة ركعة، أو إلى ثلاث عشرة ركعة -كما روي عن عائشة <؟.

كل هذه تساؤلات يُجيب عنها الفقهاء -فيما حكاه ابن رشد. تحت هذا العنوان:

أمّا صفته -أي: صفة صلاة الوتر-: فإنّ مالكًا -رحمه الله- استحبّ أن يوتر بثلاث يَفصل بينها بسلام. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات من غير أن يَفصل بينها بسلام. وقال الشافعي وأحمد: الوتر ركعة واحدة. ولكلّ قول من هذه الأقاويل سَلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

يتبين لنا أن ابن رشد حكى ثلاثة آراء:

الرأي الأول: بأنّ الوتر يتحقّق بركعة واحدة؛ وهو قول الشافعي وأحمد.

الرأي الثاني:إنّه يَتحقّق بثلاث ركعات يَفصل بينها بسلام؛ يصلّي ركعتيْن ويسلّم ثم ركعة؛ وهذا قول الإمام مالك.

الرأي الثالث:قول الإمام أبي حنيفة: أنّ الوتر يكون ثلاث ركعات متّصلة، لا يفصل بينها بسلام.

وفي كلّ الأحوال تحقّقت الفردية؛ لأنّه على رأي الشافعية وأحمد ركعة واحدة، وعلى رأي مالك ثلاث ركعات، فالفردية موجودة، وعلى رأي أبي حنيفة ثلاث ركعات، فالفردية أيضًا موجودة.

الترجيح:

ومن هذا يترجّح ما قاله ابن رشد -رحمه الله- من أنّ المسألة على التخيير، وليست على التوقيف بركعة، أو بثلاث، أو بخمْس، أو بسبْع، أو بتسْع، أو إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، أو أن تكون مسبوقة بشَفع، أو غير مسبوقة بشفع؛ فكلّ ذلك على التخيير، ومن زاد زاد أجْره، ومَن تطوّع كان له الأجر والثواب.

ج. وقت صلاة الوتر:

المسألة الثالثة: مِن مَسائل الباب الأوّل مِن “كتاب: الصلاة الثاني”، وهي: الكلام عن وقت صلاة الوتر، ويَحكي ابن رشد عن العلماء اتفاقًا واختلافًا:

أما الاتفاق، فإنّ العلماء قد اتّفقوا على: أنّ وقت الوتر يبدأ مِن بعد صلاة العِشاء إلى طلوع الفجر؛ لورود ذلك من طُرق شتّى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ومِن أثبَت ما في ذلك: ما خرّجه مسلم عن أبي نضرة العوفي: أنّ أبا سعيد أخبرهم: أنّهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر، فقال: ((الوتر قبل الصّبح)). هذا عمّا اتفقوا عليه؛ فوقت الوتر من بعد صلاة العِشاء إلى طلوع الفجر. وقد سَبق معَنا في رواية مِن الروايات التي تتحدّث عن عَدد ركعات الوتر وصفة الوتر، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيت أنّ الصبح يُدركُك، فأوْتِرْ بواحدة))؛ فالوقت إذًا ممتدّ إلى صلاة الصبح.

أمّا ما اختلفوا فيه، فقد اختلفوا في جواز الوتر بعد الفجر -يعني: قضاء الوتر-؛ لأنّ وقت الأداء من العِشاء إلى الفجر؛ فماذا عمّن فاته الوتر؛ هل يقضي بعد صلاة الفجر أو لا؟:

فقوم منعوا ذلك، وقوم أجازوه ما لم يُصلِّ الصبح:

القول الأوّل: المنع من صلاة الوتر بعد صلاة الفجر، قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: صاحِبا أبي حنيفة، وسفيان الثوري.

القول الثاني: جواز الوتر ما دام لم يُصلِّ الصبح، قال: الشافعي، ومالك، وأحمد.

الأفضل مِن وقت صلاة الوتر:

وبعد هذا العرض وبيان اختلاف الفقهاء عند ابن قدامة، ينقلنا إلى بيَان الأفضل مِن وقت صلاة الوتر، فيقول في فصل آخَر: والأفضل فِعْله في آخِر الليل -أي: وقت السَّحَر- كما قال الله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من خاف أن لا يقوم من آخِر الليل، فلْيوتِرْ من أوّله -نصَّ أوّل الحديث على آخِر الليل- ومَن طمع أن يقوم آخِرَه فلْيوتِر آخِر الليل؛ فإنّ صلاة آخر الليل مشهودة))؛ وذلك أفضل، وهذا صريح.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((الوتر ركعة مِن آخِر اللّيل)). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر آخِر الليل، وقالت عائشة: ((مِن كلّ الليل قد أوتَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فانتهى وتره إلى السّحَر)). ومن كان له تهجّد، جعل الوتر بعد تهجّده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَفعل ذلك، وقال: ((اجعلوا آخِر صلاتِكم بالليل وترًا)).

وهذا مع الأخبار السابقة يدلّ على أنّ وقت صلاة الوتر: من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأفضل أوقاته: آخِر الليل؛ فإن خاف أن لا يقوم من آخِر الليل استُحبّ له أن يوتر أوّله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة وأبا ذرّ وأبا الدّرداء بالوتر قبل النوم، وقال: ((مَن خاف أن لا يقوم آخِر اللّيل، فلْيوترْ مِن أوّلِه)). وهذه الأحاديث كلّها صِحاح رواها مسلم وغيره.

وروى أبو داود: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال: أوتر من أوّل اللّيل. وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخِر اللّيل. فقال لأبي بكر: أخَذ هذا بالحزم، وقال لعمر: وأخذ هذا بالقوّة)). وأيّ وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأه، لا نعلم فيه خلافًا، وقد دلّت الأخبار عليه.

من هذا يتبيّن: أنّ وقت صلاة الوتر هو: من بعد صلاة العِشاء إلى طلوع الفجر، وهذا موضع الاتّفاق، وهو موضع الآثار الواردة العديدة والكثيرة في ذلك. وإنما سبب الاختلاف يرجع -كما قال ابن رشد. إلى: أن صلاة الوتر إن كانت أداء، فهذا وقتها إلى طلوع الفجر. وأمّا إن كانت قضاءً، فوقتها: بعد صلاة الصبح أو بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح. وبهذا فسّر اختلاف الفقهاء واختلاف الصحابة. أي: حُمِل من صلّى قبل طلوع الفجر على الأداء، ومن صلّى بعد طلوع الفجر على القضاء.

د. القنوت في الوتر:

ينقلنا ابن رشد إلى قضية أخرى، وهي: قضيّة القنوت في صلاة الوتر؛ فما حكم القنوت؟

القنوت هو: الدعاء في خشوع وخضوع لله رب العالمين، كما قال سبحانه: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وكما قال عن مريم: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12]، أي: العابدين، الخائفين، الخاشعين، الخاضعين، المخلِصين.

ما حُكم القنوت -أي: الدعاء بعد الركوع- في صلاة الوتر أو قبْله؟

يقول ابن رشد -رحمه الله-: إن الفقهاء قد اختلفوا في القنوت في الوتر.

  • فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى: أنَه -أي: المصلِّي- يَقنت فيه.
  • ومنعه مالك.
  • وأجازه الشافعي في أحد قوليْه في النصف الثاني أو الأخير من رمضان؛ وهو المعتمد عند الشافعية، وكذلك عند مالك هو المشهور.
  • وأجازه قوم في النصف الأوّل من رمضان.
  • وقوم آخرون: أجازوه في رمضان كلّه.

موضع القنوت:

أمّا موضع القنوت، فلم يذكره ابن رشد، ولكن ابن قدامة ذكَره في فصل بعد ذلك فقال: ويقنت بعد الركوع؛ نصّ عليه أحمد. وروي نحو ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي قلابة، وأبي المتوكّل، وأيوب السختياني، وبه قال الشافعي.

إذًا، يكون القنوت بعد الركوع -أي: بعد الاعتدال والرفع من الركوع.

وروي عن أحمد أنّه قال: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، فإن قنت قبْله -يعني: بعد الانتهاء من قراءة “الفاتحة” والسورة، قبل أن يركع- فلا بأس. ونحو هذا قال أيوب السختياني، لِما روى حُميد قال: سُئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح، فقال: ((كنّا نقنت قبل الركوع وبعدَه))، رواه ابن ماجة.

وقال مالك وأبو حنيفة: يقنت قبل الركوع. وروي ذلك عن أبَيّ، وابن مسعود، وأبي موسى، والبراء، وابن عباس، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل؛ لأن في حديث أبَيّ: ((ويَقنت قبل الركوع)). وعن ابن مسعود: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قَنَت بعد الركوع))، رواه مسلم. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن هذه المسألة، فقال: اقنُتُ بعد الركوع، وذكر حديث الزهري عن سعيد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير واحد: ((قنت بعد الركوع)).

وحديث ابن مسعود يرويه أبان بن أبي عياش، وهو متروك الحديث. وحديث أبيّ قد تُكلّم فيه أيضًا. ومعنى هذا: أنّ كِلا الأمريْن صحيح؛ فمن شاء قنت قبل الركوع، ومن شاء قنت بعد الركوع؛ وكلاهما صحيح.

نعود إلى ابن رشد -رحمه الله-؛ لِنرى ما ذكَره من أسباب اختلاف الفقهاء في موضوع القنوت في الوتر، فيقول:

السبب في اختلافهم في ذلك:

والسبب في اختلافهم في ذلك: اختلاف الآثار، وذلك أنّه روي عنه صلى الله عليه وسلم القنوت مُطلَقًا، وروي القنوت عنه شَهرًا، وروي عنه أنهَ آخِر أمْره لم يكن يَقنت في شيء من الصلاة، وأنّه نهى عن ذلك. وقد سبق ذكْر هذه المسألة فيما مضى ونحن نتكلم عن الأقوال والأفعال في أركان الصلاة.                                                                

هـ. صلاة الوتر على الرّاحلة:

يَنقلنا ابن رشد -رحمه الله- إلى جزئيّة أخرى متعلّقة بصلاة الوتر:

هل تجوز صلاة الوتر على الراحلة -أي: الدابة، أو أي من وسائل المواصَلات كالحافلات، والطائرات، والسفن، والقطارات،… ونحو ذلك؟ وهل حيثما توجّهَت به هذه الوسيلة تكون الصلاة صحيحة؟

جمهور العلماء يُجيزون ذلك؛ لِثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن فِعله، وقد قال: ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي))؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلّي الوتر أحيانًا على الراحلة، كما كان يصلي السُّنن على الراحلة. وهو ممّا يَعتمدونه في الحُجّة أيضًا. يعني: يأخذ الجمهور مِن هذه العبارة مِن فعْل النبي صلى الله عليه وسلم يأخذون منها دليلًا على أنّه -أي: الوتر- ليس بفَرض؛ إذ لو كان فرضًا ما صلاّه النبي صلى الله عليه وسلم على الراحلة. فالذي صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان يتنفّل على الراحلة، ولم يصحّ عنه أنّه صلى قطّ فريضة أو مفروضة على الراحلة، بل كان يَنزل ويصلّيها مستقبِل القِبلة.

أمّا الحنفية الذين قالوا: بأنّ صلاة الوتر فريضة، فيتّفقون مع جمهور العلماء على: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفّل على الراحلة، ولم يصحّ عنه أنه صلّى قَطّ فريضة على الراحلة؛ فالحنفية متفقون مع الجمهور في ذلك، وهو أنّ كلّ صلاة مفروضة لا تصلّى على الراحلة، واعتقادهم بالإضافة إلى ذلك أنّ الوتر فرض وجَب عندهم، مِن ذلك أن لا تصلّى على الراحلة -أي: لا يجوز صلاة الوتر على الراحلة- وبالتالي حتّى يحقِّقوا قولهم، ردّوا الخبر الوارد في ذلك بالقياس.

ويقول ابن رشد -رحمه الله- في ذلك: إنّ ردّ الخبر بالقياس ضعيف.

و. إعادة الوتر:

الجزئيّة الأخيرة في موضوع: صلاة الوتر هي: إعادة الوتر؛ ما المقصود بذلك؟

يعني: مَن أوتر في أوّل الليل بعد صلاة العِشاء خَوفًا أن يَغلبه النوم فلا يوتر، لكنّ الواقع أنّه يستيقظ فِعلًا قبل طلوع الفجر، هل يوتر مرّة ثانية؛ لأنّ هذا هو أفضل الأوقات؟ أو إذا صلّى مِن صلاة التهجد شيئًا، فهل يوتر بعدها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجعَلوا آخِر صلاة اللّيل وترًا))؟ هذا هو المقصود بعنوان هذه المسألة: “إعادة الوتر”.

وفي ذلك يقول ابن رشد -رحمه الله-:

الرأي الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أنّ المرء إذا أوتر ثمّ نام، فقام يتنفّل -أي: يتهجّد. أنّه لا يوتر ثانية؛ لأنّه أوتر مِن قَبل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا وتران في ليلة))، خرّج ذلك أبو داود، والترمذي، والنسائي، وصحّحه ابن حبّان، وحسّنه الترمذي. هذا رأي.

الرأي الثاني: وذهب بعضُ العلماء -وهو: الإمام أحمد. إلى: أنّه يَشفع الوتر الأوّل بأن يضيف إليه ركعة ثانية. يعني: يبدأ صلاة الليل بعد القيام مِن النوم بركعة واحدة، ينوي بها شفع ركعة الوتر التي صلّاها بعد العِشاء، ثم يوتر أخرى بعد التنفل. يعني: بعد قيام الليل يصلِّي ركعة الوتر الأخيرة بعد صلاة الشّفع.

هذه المسألة يقول عنها ابن رُشد -رحمه الله-: وهي المسألة التي يعرّفونها بــ”نقض الوتر”. يعني: إلغاء ما مضى من الوتر، وصلاة وتر جديد بعد صلاة الليل، إلَّا أن ابن رُشد يميل إلى القول الأوّل الذي لا يقول بإعادة الوتر، عمَلًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا وتْران في ليلة)). ويكفي مَن قام من النوم أن يتهجّد، ولا يوتر مرّة ثانية. يقول: وفي هذا -أي: نقْض الوتر، وشفْعه بوتر آخَر- ضَعف من وجهيْن:

الأول: أنّ الوتر ليس ينقلب إلى النّفل بتشفيعه -أي: بصلاة ركعة في أوّل صلاة قيام الليل.

الثاني: أنّ التنفل بواحدة غير معروف مِن الشرع، وتجويز هذا ولا تجويزه هو سبب الخلاف في ذلك، فمن راعى مِن الوتر المعنى المعقول -وهو ضدّ الشفع- قال: ينقلب شَفعًا إذا أضيف إليه ركعة ثانية -كما قال الحنابلة.

error: النص محمي !!