Top
Image Alt

صور أخرى للدعوة الفردية

  /  صور أخرى للدعوة الفردية

صور أخرى للدعوة الفردية

صور أخرى للدعوة الفردية:

الصورة الأولى: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الحصين والد عمران، أورد ابن حجر في (الإصابة) قصة إسلام الحصين هذا، فقال: أخرج ابن خزيمة عن عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن الحصين قال: حدثنا أبي عن أبيه عن جده أن قريشًا جاءت إلى الحصين، وكانت تعظمه، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا، ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريبًا من باب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أوسعوا للشيخ وعمران وأصحابه متوافرون، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيرًا، قوله حصينة يعني: عاقلًا متحصنًا بدين آبائه وأجداده، ومعتقداتهم.

فقال: ((يا حصين إن أبي وأباك في النار، يا حصين كم تعبد من إله؟ قال: سبعًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: فإذا أصابك الضر من تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال: الذي في السماء، قال: فيستجيب لك وحده وتشركهم معه، أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك، قال: ولا واحدة من هاتين، قال: وعلمت أني لم أكلم مثله، قال: يا حصين أسلم تسلم، قال: إن لي قومًا وعشيرة، فماذا أقول؟ قال: قل اللهم أستهديك لأرشد أمري، وزدني علمًا ينفعني، فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم، فقام إليه عمران، فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي -صلى الله عليه سلم- بكى وقال: بكيت من صنيع عمران دخل حصين وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلما قضى حقه، فدخلني من ذلك الرقة)) فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سُدة الباب رأته قريش، فقالوا: صبأ، وتفرقوا عنه.

ولعل الذي حدا بالحصين والد عمران أن يسلم بهذه السرعة سلامة فطرته، وحسن استعداده من ناحية، وقوة حجة الرسول صلى الله عليه وسلم وسلامة منطقه من ناحية أخرى، وهكذا منهج الدعوة عرض، وأخذ، وعطاء، وإقناع بالبراهين الواضحة المطابقة للواقع: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، {قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي} [يوسف: 108].

الصورة الثانية: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم، عن عدي بن حاتم قال: ((جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب، وهو منزل من أرض اليمامة، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصُفُّوا له قالت: يا رسول الله بان الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمُنَّ علي، منَّ الله عليك، فقال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله. قالت: فَمُن عليَّ، فلما رجع ورجل إلى جنبه نرى أنه علي قال: سليه حملانًا، قال: فسألته فأمر لها، قال عدي: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، وقالت: ائته راغبًا أو راهبًا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان، أو صبي، فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر، فقال: له يا عدي بن حاتم ما أفرك، أفرك أن يقال: لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله، ما أفرك؟ أفرك أن يقال: الله أكبر، فهل شيء هو أكبر من الله عز وجل، قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى)).

وفي رواية أخرى أنه قال: ((لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرهت خروجه كراهية شديدة، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم. -وفي رواية-: حتى قدمت على قيصر قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه، قال: قلت: والله لولا أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبًا لم يضرني، وإن كان صادقًا علمت قال: فقدمت فأتيته، فلما قدمت قال: الناس عدي بن حاتم، عدي بن حاتم، فخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثًا، قال: قلت: إني على دين، قال: أنا أعلم بدينك منك، فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: نعم ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك، قال: قلت: بلى. قال: هذا لا يحل لك في دينك، قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، فقال: أما إني أعلم الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضَعَفة الناس، ومن لا قوة لهم، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ فقلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فو الذي نفسي بيده ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد)).

قال عدي بن حاتم: “فهذه الظعينة تأتي من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها” ولعل الذي حدا بعدي بن حاتم أن يدخل في الإسلام بهذه الصورة المشرقة سلامة فطرته، ونضج فكره من ناحية، وقوة حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، واهتدائه إلى الطريق التي دخل منها إلى عقل وقلب عدي بن حاتم رضي الله عنه من ناحية أخرى.

الصورة الثالثة: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الطفيل بن عمرو الدوسي، ذكر ابن إسحاق فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس، ومن قدم عليهم من العرب، وكان طفيل بن عمرو الدوسي يُحدث أنه قدم مكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها فمشى إليه رجال من قريش، فكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: “يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا؛ فرق جماعتنا، وإنما قوله كالسحر يُفرق بين المرء وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنما يُخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه، ولا تسمع منه.

قال: فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألَّا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد قرفصًا أي: قطنًا ؛ فرقًا من أن يبلغني من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة قال: فقمت قريبًا منه، فأبي الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلامًا حسنًا قال: فقلت في نفسي: وثكل أمي، إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لي: كذا وكذا، ما الذي قالوا لي. فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بقرفص؛ لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فأعرض علي أمرك، فعرض علي الإسلام، وتلا علي القرآن، قال: فو الله ما سمعت قولًا قط أحسن، ولا أمرًا أعدل منه قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه قال: فقال: ((اللهم اجعل له آية)).

الصورة الرابعة: دعوة معاذ بن جبل وآخرين من بني سلمة عمرو بن الجموح: ذكر ابن إسحاق فقال: لما قدم الأنصار المدينة بعدما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر الإسلام بها، وفي قومهم بقايا على دينهم من أهل الشرك، منهم عمرو بن الجموح، وكان ابنه معاذ قد شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وكان عمرو بن الجموح قد اتخذ في داره صنمًا من خشب يقال له مناة، كما كانت الأشراف يصنعون يتخذه إلهًا، ويطهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل، ومعاذ بن عمرو بن الجموح في فتيان منهم، ممن أسلم، وشهد العقبة، وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عظم الناس، منكسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة قال: ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه، ثم قال: وأيم الله لو أني اعلم من صنع بك هذا لأخزيته، فإذا أمسى عمرو ونام عدوا عليه، ففعل به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يومًا فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يفعل بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه معه بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عزرة من عزر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده مكانه الذي كان فيه، فخرج في طلبه حتى وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلمه من أسلم من قومه أسلم يرحمه الله، وحسن إسلامه.

الصورة الخامسة: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ضمادًا رضي الله عنه: يروي ابن عباس رضي الله عنهما فيقول: قدم ضماد مكة، وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الرياح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: أين هذا الرجل، لعل الله أن يشفيه على يديه، فلقيت: محمدًا فقلت: إني أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهلم، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) ثلاث مرات، فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ((وعلى قومك)) فقال: وعلى قومي.

فبعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا فمروا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسرية: “هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئًا، فقال رجل منهم: أصبت منهم مطهرة، فقال: ردها عليهم، فإنهم قوم ضماد” وفي رواية فقال له ضماد: أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغنا قاموس البحر، وهذا كناية عن غاية بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم. ولعل السبب في إسلام ضماد بهذه السرعة صفاء فطرته، وسلامة عقله من ناحية، وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وحسن تخيره الكلمات التي أسمعه إياها من ناحية أخرى.

error: النص محمي !!