Top
Image Alt

صياغة أسماء الزمان والمكان

  /  صياغة أسماء الزمان والمكان

صياغة أسماء الزمان والمكان

اسم الزمان: ما صِيغ من المصدر للدلالة على زمان الفعل

واسم المكان: ما صيغ من المصدر للدلالة على مكان الفعل والغرض منهما الإيجاز والاختصار وذلك أنك تفيد منهما زمان الفعل ومكانه بأوجز عبارة وأخصر لفظ ولولاهما للزمك أن تأتي بالفعل ولفظ الزمان أو لفظ المكان وكل واحد منهما يدل على أمرين: على المعنى المجرد أي: على مجرد الحدث الذي يدل عليه المصدر الأصلي وعلى معنى آخر وهو: زمان وقوع الحدث أو مكانه فحين تقول مثلًا: استيقظت مطلع الفجر فمعنى كلمة مطلع وحدها وقت طلوعه وحين تقول: الباب مدخلنا فكلمة: مدخل، معناها: مكان دخولنا وهكذا.

الفرق الآن بين اسمي الزمان والمكان وظرفي الزمان والمكان: أنه قد يأتي اسما الزمان والمكان ظرفي زمان ومكان؛ فينصبان على الظرفية كالمثال السابق: استيقظت مطلع الفجر فكلمة مطلع باعتبار صوغها من المصدر ومجيئها على أحد الوزنين القياسيين لاسم الزمان من الثلاثي وهو “مَفْعَل” وباعتبار دلالتها على زمان الفعل بهذه الاعتبارات كلها يحكم عليها صرفيًّا بأنها اسم زمان وهي باعتبار تضمنها معنى “في”؛ لأنها مذكورة للواقع فيها وهو الاستيقاظ وباعتبار مجيئها منصوبة على الظرفية الزمانية بالفعل استيقظ تُعد من الجانب النحوي ظرف زمان، ومعنى هذه العبارة: استيقظت في وقت طلوع الفجر وإذا قلت: وقفت موقف الخطيب فكلمة موقف باعتبار صوغها من المصدر ومجيئها على أحد وزني اسمي المكان من الثلاثي، وهو “مَفعِل” مَوقِف وباعتبار دلالتها على مكان الحدث يحكم عليها صرفيًّا بأنها اسم مكان وباعتبار تضمنها معنى “في” لأنها مذكورة كذلك للواقع فيها وهو الوقوف وباعتبار دلالتها على مكان مختص وانتصابها بعامل مصوغ من مادتها وهو وقف تعد من الجانب النحوي ظرف مكان.

ومن ثَمَّ يمكن القول: إن اسمي الزمان والمكان إذا تضمنا معنى “في” باطراد صارا ظرفي زمان ومكان قال ابن مالك:

الظَّرفُ وَقتٌ أو مَكانٌ ضُمِّنَا

*فِى بِاطِّرَادٍ كَهُنَا امكُث أزمنَا

وكان اسم المكان مختصًّا منصوبًا بعامل من مادته إذا كان الأمر كذلك عدا أي: اسما الزمان والمكان من الجانب الصرفي اسمي زمان ومكان ومن الجانب النحوي ظرفي زمان ومكان هذا هو أهم ما يلتقي فيه الاسمان الصرفيان والاسمان النحويان.

أما أوجه الافتراق بين هذين وهذين فكثيرة ومن أهمها:

الأول: أن ظرف الزمان يدل على الزمان وحده وأن ظرف المكان يدل على المكان وحده أما اسما الزمان والمكان فكلاهما له دلالة مزدوجة وهي الدلالة على معنى المصدر الأصلي وهو الحدث والدلالة أيضًا على زمان وقوعه أو مكان وقوعه.

الثاني: أن اسمي الزمان والمكان من الأسماء المشتقة من المصدر وليس كذلك ظرفا الزمان والمكان في غير ما أوضحناه سابقًا.

الثالث: أن اسمي الزمان والمكان يصاغان من الثلاثي قياسًا على وزن “مفعَل” أو “مفعِل” بفتح العين وبكسرها كما سنوضح بالتفصيل لاحقًا ومن غير الثلاثي بزنة المضارع مع إبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة وفتح ما قبل الآخر؛ أما ظروف الزمان والمكان فلا يخضع أي منها بوزن معين أو صيغة محددة.

صوغ أسماء الزمان والمكان من الثلاثي وغيره:

أولًا: يصاغان من الثلاثي على مثال المضارع “يَفعَل” إلا أنك توقع الميم موقع حرف المضارعة للفرق بين الاسم والفعل، فإذا كانت عين المضارع مفتوحة فتحوا العين في اسمي الزمان والمكان، وذلك نحو: الملبَس، والمشرَب، والمذهَب، جاءت جميعها على وزن “مفعل” بفتح العين وإذا كانت عين المضارع مكسورة كسروا العين فيهما كالمحبِس والمصرِف والمضربِ فجميعها وزنها “مفعل” بكسر العين وكان يلزم على هذا أن يقال فيما مضارعه مضموم العين على “يفعُل” أن يقال في اسمي الزمان والمكان منه “مفعُل” أيضًا ولكنهم عدلوا إلى أحد الوزنين الآخرين وهو “مفعَل” بالفتح؛ لأن الفتح أخف وبهذا تصاغ أسماء الزمان والمكان من الثلاثي إما على “مفعَل” وإما على “مفعِل” وقد جاءت بعض الكلمات وبابها فعل يفعُل أي: إن عين مضارعها مضموم وقد قلنا: إنه إذا كان الأمر كذلك صيغت على وزن “مفعَل” بفتح العين إلا أنه جاءت في المكان بعض الكلمات من هذا الباب فعل يفعُل على “مفعل” بكسر العين وهي: منسِك: مكان النسك وهو العبادة من نسك ينسك إذا عبد والمجزِر لمكان جزر الإبل وهو نحرها يقال: جزرت الجزور أجزرها بالضم أي: نحرتها وجلدتها والمنبِت لموضع النبات يقال: نبت البقل ينبت إذا طلع والمطلِع لمكان الطلوع والمشرِق والمغرِب لمكان الشروق والغروب والمفرِق في وسط الرأس؛ لأنه موضع فرق الشعر وكذلك مفرِق الطريق للموضع الذي يتشعب منه طريق آخر والمسقِط لموضع السقوط يقال: هذا مسقط رأسي أي: حيث ولدت وأنا في مسقط رأسي أي: حيث سقط والمسكِن لموضع السكنى يقال: سكنت داري أسكنها والمرفِق وهو موصل الذراع والعضد وقالوا: المسجِد وهو اسم للبيت وليس المراد موضع السجود أي: موضع جبهتك؛ إذ لو أريد ذلك لقيل المسجَد بالفتح فالمجموع إحدى عشرة كلمة.

هذا ما أورده ابن معيشة في (شرح المفصل) وقد ذكر الرضي في (شرح الشافية) أن ما ورد من يفعل المضموم العين على “مفعِل” بالكسر لا غير ثماني كلمات هي: المشرِق والمغرب والمرفق والمنبت والمنخر والمجزر والمسقط والمظِنة وأصلها المظننة: حدث نقل ثم إدغام.

وبالرجوع إلى المعاجم اللغوية سنجد كثيرًا من الكلمات السابقة التي ذكرها ابن معيشة أو الرضي وردت على “مفعَل” بفتح العين على القياس أيضًا ومن أمثلة ذلك: المنسَك والمجزَر والمسقَط ويستثنى من القياس المتقدم أي: أن تكون عين اسم الزمان والمكان تابعة لعين المضارع واستثنى من ذلك شيئان:

الأول: الفعل الناقص ومن أمثلته: ثوى -هو لفيف مقرون لكنه يعد ناقصًا؛ لأن آخره حرف علة- وجرى ورمى وأوى فأسماء الزمان والمكان منه على “مفعَل” بفتح العين ولو كان عين مضارعه لو كانت هذه العين مكسورة أيضًا يأتي اسم الزمان والمكان منه على “مفعل” لماذا؟ قالوا: لأن الفتحة مع الألف أخف من الكسرة مع الياء يعني: إذا قلنا: مثوى أخف من قولنا: “مثوِي” إتباعًا لعين اسم الزمان والمكان لعين المضارع فعدلوا عن ذلك إلى “مفعَل” في الأفعال الناقصة جميعها فأسماء الزمان والمكان من الأفعال السابقة: مثوَى ومجرَى ومرمَى ومأوى قال تعالى: {فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنّارُ مَثْوًى لّهُمْ} [فصلت: 24] وقال عز وجل: {فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ} [النازعات: 41].

الثاني: المثال الواوي الصحيح اللام مكسور العين في المضارع ومفتوحه فالزمان والمكان منه على “مفعِل” بكسر العين؛ فالمثال هنا يخالف الفعل الناقص في الأمر الأول ومن أمثلته: موعِد وموضِع وموجِل أما المثال اليائي كيَسر فإنه كالصحيح يعود إلى القاعدة العامة والقياس العام قال تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىَ مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

والخلاصة: أن أسماء الزمان والمكان تصاغ من الثلاثي قياسًا مطَّردًا على وزن “مفعَل” بفتح العين إلا في حالتين:

الأولى: إذا كان الفعل صحيح اللام مكسور العين في المضارع: جلس يجلس يصاغ منه اسما الزمان والمكان فيقال: مجلِس وضرب يضرب يقال: في اسمي الزمان والمكان مضرِب وصاف يصيف: اسم الزمان والمكان منه مصيف وطار يطير: اسما الزمان والمكان منه قياسي: مطير وسُمع مطار وهذا هو الشائع الكثير.

الثانية: التي تأتي على وزن “مفعِل” إذا كان مثالًا واويًّا صحيح اللام سواء أكان مكسور العين في المضارع أم مفتوحها ومن أمثلته: موعِد وموضِع وموجِل وبعض العرب يقولون في هذا الأخير: موجَل والحالة الأولى من الحالتين المذكورتين هي التي يفترق فيها المصدر الميمي عن الزمان والمكان كما سنذكر لاحقًّا -إن شاء الله.

أسماء الزمان والمكان من غير الثلاثي:

إذا كان الفعل غير ثلاثي مجرد فطريقة صوغ اسمي الزمان والمكان هي بالإتيان بمضارعه وإبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة وفتح ما قبل الآخر ومن الأمثلة: مُمْسَى مصبَح، قال أمية بن أبي الصلت:

الحَمدُ للَّهِ مُمْسَانَا وَمُصبَحَنا

*بِالخَيرِ صَبَّحنا رَبي وَمَسَّانا

نلاحظ “مُمسَانا” و”مُصبَحنا” هنا: اسما زمان وهما منصوبان في البيت على الظرفية؛ لتضمنهما معنى “في” قالوا: إن التقدير: الحمد لله في وقت إمسائنا وفي وقت إصباحنا وهذه هي الحالة التي يلتقي فيها اسم الزمان واسم المكان بظرف الزمان وظرف المكان وذلك عند تضمنهما معنى “في” ومن ذلك أي: من صوغ اسمي الزمان والمكان من غير الثلاثي قولهم: مرتقَى ومنقلَب ومنتهَى ومستقَر قال تعالى: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود: 6].

وبهذا تتحد الصورة اللفظية في المصوغ من غير الثلاثي في أسماء الزمان وأسماء المكان واسم المفعول والمصدر الميمي؛ فجميع هذه الأنواع الأربعة تتفق في صوغها من غير الثلاثي على زنة المضارع مع إبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة وفتح ما قبل الآخر؛ بل أحيانًا تتحد صور هذه الأربعة في المصوغ من غير الثلاثي ومعها أيضًا بعض أسماء الفاعلين التي يقدر حركة ما قبل الآخر منها مثل: مختار ومنقاد ويكون التوجيه لأحد هذه الأنواع خاضعًا للقرائن.

ما يخالف فيه المصدر الميمي اسمَي الزمان والمكان:

أولًا: في الدلالة فالمصدر الميمي يدل على ما يدل عليه المصدر الأصلي وهو الدلالة على المعنى المجرد واسما الزمان والمكان يدلان على المعنى المجرد أيضًا الذي يدل عليه المصدر العام مزيدًا عليه الدلالة على زمان وقوعه أو مكان وقوعه.

ثانيًا: المصدر الميمي يعمل عمل المصدر العام كقول الشاعر:

أَظَلُوم إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا

*أَهْدَى السَّلَامَ تَحِيَّة ظُلْمِ

فقوله: “مصابكم” الواقع اسمًا لـ”إن” مضاف ومضاف إليه ومضاف إلى ضمير الخطاب وهذه الإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله و”رجلًا” مفعول به للمصدر الميمي؛ أما اسما الزمان والمكان فلا يعملان إذن: ليست المخالفة في الدلالة فقط وأيضًا في الحكم.

الثالث: أن المصدر الميمي يصاغ على “مفعَل” بفتح العين من الأفعال الثلاثية كلها ما عدا نوعي المثال اللذين شرحناهما بالتفصيل في بابه فيصاغ منهما على “مفعِل” بكسر العين في حين أن اسمي الزمان والمكان قد صيغا على “مفعِل” ليس من المثال فحسب بل جاءا أيضًا على هذه الصيغة بكسر العين من الفعل صحيح اللام مكسور العين في المضارع كمجلِس ومضرِب في حين أن المصدر الميمي منهما مجلَس ومضرَب بفتح العين أما إذا صيغ المصدر الميمي من غير الثلاثي؛ فإن صورته اللفظية تتفق مع الصورة اللفظية لاسمي الزمان والمكان -كما سبق- ويعول في التفرقة على القرائن فمثلًا: لو قلت: مُخرَجنا للمسرحية الدينية كان مخرَجًا ناجحًا فمخرج في هذه العبارة مصدر ميمي؛ لأنه بمعنى المصدر العام وهذه العبارة في معنى: إخراجنا للمسرحية الدينية كان إخراجًا ناجحًا وإذا قلت: الخامسة مساء مَخرجنا من المنزل من الواضح أن كلمة مخرج في هذه العبارة اسم زمان؛ لأنه بمعنى: وقت إخراجنا ولو قلت: هذا الباب مخرجنا إلى الشارع؛ فمخرج في هذه العبارة اسم مكان؛ لأنه بمعنى: هذا الباب مكان إخراجن للشارع فبكل بساطة وسهولة ويسر المصدر الميمي لو رفعته من العبارة ووضعت موضعه المصدر العام واستقامت العبارة إذن: هذا المبدوء بميم لغير المفاعلة هو على وزن “مفعَل” هو مصدر ميمي وكذلك إذا كان على بقية الصيغ التي ذكرناها في بابها أما اسما الزمان والمكان فاسم الزمان يحل محله زمان كذا واسم المكان يحل محله مكان كذا فمُخْرَجنا: مكان خروجنا الخامسة مُخرَجنا: زمان خروجنا وهكذا.

error: النص محمي !!