Top
Image Alt

ضرب الأمثال؛ للربط بين الحقائق الغيبية والمدركات الحسية

  /  ضرب الأمثال؛ للربط بين الحقائق الغيبية والمدركات الحسية

ضرب الأمثال؛ للربط بين الحقائق الغيبية والمدركات الحسية

ومن مناهج المحدثين في عصر الرسول e من حيث الأداء: ضرب الأمثال والاستدلال بما يدعّم ما يقول، والمثل يعتمد على الربط بين الحقائق الغيبية والمدركات الحسية؛ لتحصيل صورة عن عالم الغيب الذي نتعرّف عليه, هي غاية ما يمكن الوصول إليه من العلم بالنسبة إلى هذا الغيب.

كما يُستعمل المثل أيضًا للربط بين أمور معقولة وأشياء محسوسة؛ لتوضيح الأمور المعقولة توضيحًا يجعلها في قوة الأمور المدركة بالحس، ويسهّل استحضارها عند الحاجة عن طريق هذه الصورة المحسوسة، ففي المثل تركيز واختصار وسهولة في التحمل والأداء وتيسير للاجتهاد في الحكم على الحقائق المتغيرة, من خلال ما يحمله المثل من حقائق ويفيده من أمور؛ ومن ذلك قوله e: ((مثلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلتُ به)) فحمل هذا المثل على اختصاره ما يدل على الحاجة إلى رسالة الرسول e وما يُبين الغرض منها، وما يحدد أسباب اختلاف الناس بالنسبة إليها، وقد ربط بين ازدهار الحياة وبين تقبُّلها وتفهمها والسير على أساسها، وبين ما يترتب على ردها أو إهمالها، أو تغييرها عما هي عليه من الجدب والقحط والهلاك، فالممثل به مقصودٌ في ذاته والممثل له مقصود أيضًا في ذاته، والرابطة بينهما هي الرابطة بين الشأن الدنيوي والشأن الأخروي بالنسبة للشيء الواحد، فما يُظن أنه ينفع في الآخرة ولا ينفع في الدنيا نافعٌ في الدنيا، وما يظن أنه لا ينفع في الآخرة وينفع في الدنيا غير نافع في الدنيا، وأساس التعامل مع رسالة الرسول e صلاح النفوس والقلوب، فإذا كانت النفوس والقلوب صالحةً تشربت الدعوة واستفادت منها، وإذا كانت سيئة مانعة لم يحصل لها الاستفادة.

ولو فُصّل الكلام على ما في هذا الحديث بما يؤيده وبما يدل عليه؛ لاستغرق مجلدات، لكن الرسول e -وقد أوتي جوامع الكلم- كان يُودع مثل هذه الحقائق في مثل هذا الأسلوب؛ تيسيرًا على الناس وتسهيلًا عليهم، وقد بين الرسول e بهذا المثل أن المحدث لا يكفي في شأنه أن يحفظه وأن يرويه، بل يلزمه أن يتفقه فيه، ويستخرج منه كنوز الحقائق ودقائق الأحكام والتوجيهات، ويتعرف بسببه على ما يتصل بالمجتمع والاجتماع، وقد بين الرسول e مكانة الصلاة بقوله: ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا, ما تقول ذلك يبقي من دَرَنِهِ؟)) قالوا: لا يُبقي من درنه -أي: قذره- شيئًا، قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس, يمحو الله بها الخطايا)) فالرسول e بهذا المثل الصغير, القائم على أساس الاستدلال العقلي بالأمور المحسوسة على الأمور الشرعية التي لا تصل إليها العقول -سهّل معرفة مكانة الصلاة ومنزلتها, والرابطة بين النظافة الحسية وبين نظافة الدين أو التدين، مما يخالف الدين من المعاصي ومن الرذائل.

وقد بين الرسول e أيضًا بالتمثيل المعبر, المختصر المفيد ما تفضل الله به على المسلمين من التيسير والأجر الكثير بالنسبة إلى غيرهم، فقال: ((مَثَلُ المسلمين واليهود والنصارى، كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك، فاستأجر آخرين، فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطتُ، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا، فاستأجر قومًا فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين)) فهذا المثل يُبين أن الدين ينبغي أن يكون كاملًا فلا يكتفي الإنسان ببعضه، ويقول: يكفيني هذا وأترك هذا؛ للرابطة بين الشئون الدينية وبخاصة في مجال العقائد، فالإيمان بنبي من الأنبياء يستلزم الإيمان بغيره من الأنبياء، والقول بأنه وحده يكفي الإيمان به مع إنكار نبوة غيره من الأنبياء يُفسد الإيمان بهذا النبي عند من يقول بذلك، وشبّه الرسول e حال أهل الأديان الثلاثة بِمن استُؤجِر؛ فإما أن يكمل عمله ليأخذ أجرته، وإما أن يترك العمل فيفوته الأجر ثم يأخذه غيره، وهذا هو الحال.

وقد يذكر الرسول e الممثَّل له ويسأل عن الممثل به؛ تدريبًا للصحابة ولغيرهم من المسلمين على فقه الأمثال، والعمل على استخدامها لتيسير التعليم والتعلم، والتمكن من فقه النصوص, والقدرة على تحصيل وتوصيل الحقائق الميسّرة إلى الآخرين؛ فعن ابن عمر أن رسول الله e قال: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني: ما هي؟)) فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله -وكان صغير السن: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: ((هي النخلة)). وهذا لونٌ من اختبار الفهم بالنسبة إلى المتعلمين، وهل يستطيعون الوصول بالممثَّل له إلى الممثل به أو بالعكس، أم يحتاجون إلى من يعلمهم ذلك ولا يصلون إلى هذه المرتبة؟ فيعرف كل متعلم قدره، ويقدّر من وهبه الله تعالى فهمًا وعلمًا, ولا يدعي ما ليس عليه من الفهم والعلم.

وقد استند الرسول e في كل ما صدر عنه إلى الوحي النازل عليه أو المقرّ لما صدر منه، وأيد ذلك بما يدل عليه من الوقائع العادية وأحوال الناس الموجودة في عصره، فقد استدلّ بما وقع لتميم الداري وأصحابه من مقابلة الدجال على ما أخبرهم به قبل ذلك عنه؛ حيث طابق عالم الشهادة عالم الغيب، فإذا كشف الله I عن حقيقة غيبية تشبه ما أخبر به الرسول e عن أمور الغيب؛ فإن العلم بذلك يتدعم ويصبح محسوسًا بعد أن كان معقولًا، ولا ينكر من يخالف ما عليه الناس من الأمور مما يخص الله به أحد الصادقين أو أحد العارفين، مما ورد في السنة مثله؛ لأن ذلك يمنع الاستفادة من الأمور المحسوسة في تأييد الأمور الغيبية, التي تحدث عنها الرسول e.

وقد درسنا هذا الأمر، وظهر من كلام تميم الداري أن الدجال هو ابن صياد الذي كان في عصر الرسول e, وأنه يتنقل في الأحوال وفي الصور؛ فقد سأله الرسول e: ((أتؤمن بأني رسول الله؟)) قال: أنت رسول الأميين. ولما سأل تميم الداري -بعدما رأى الدجال- قال له: ما فعل رسول الأميين؟ فاستنتجنا من اتحاد لفظ الخطاب والسؤال, وتحديد الرسول e أن من قابله هو الدجال وحلف عمر غيره أن ابن صياد هو الدجال، واتحاد اللفظين معًا على أنهما شخصٌ واحد أو شيء واحد رغم اختلاف المواطن، وهذا من أسرار الأحاديث إذا قُورن بعضها ببعض وربط بين ما يتفق منها؛ إذ تظهر حقائق لا تكاد تخطر بالنسبة لمن يكشف الله I له مثل هذه الحقائق المنصوص عليها في الأحاديث، ولا يتأتى ذلك إلا بالترابط بين المعلّمين والمتعلّمين والاشتراك المخلص في محاولة استخلاص الحقائق من السنة.

وقد استدل الرسول e على أن العزل عن المرأة المرضع خوفًا على ولدها من لبن الرضاع إذا لم يتم العزل بينها وبين زوجها, على أن هذا أمر لا فائدة منه، ولا حاجة إليه بما يفعله فارس والروم من عدم العزل، ولم يحصل لهم ضرر مع ذلك، وكان السائد عند الناس أن المرأة المرضع إذا لم يعزل عنها زوجها فقد الولد قوّته أو حيويته، وتدعثر عن الفَرَس لا يستطيع الاستمساك عليه، وهو أمرٌ نشأ عن غير استقراء علمي أو منهج بحثي، وإنما قال به بعض الناس لحالة خاصة، فعمَّمه قاعدة عامة، فلما أُخبر الرسول e بذلك قارن بين أحوال الناس عنده وأحوال الناس في غير من عنده من الأقطار الأخرى، وحكم بناء على الاستقراء العام ببطلان هذا القول، الذي لا أساس له من الناحية العلمية، وهو تدعيم لمنهج الملاحظة والتجربة قبل الحكم على الأشياء؛ فإذا ثبت الحكم أو تدعمت النظرية بنينا الحكم الشرعي على الوضع المستقر، وإلا كان الحكم الشرعي مبنيًّا على غير أساس واقعي، وهذا هو السبيل للربط بين الحقائق العلمية والأحكام الدينية، وعدم حصول التضارب والاختلاط بسبب الجهل أو بسبب الإخلال بالمنهج العلمي فيما يتصل بالحقيقة، التي يُبنى عليها الحكم الشرعي، فالحكم الشرعي ينبني على حقائق ولا ينبني على أوهام تنسب إلى الشرع، والشرع بريء منها.

والنتيجة من دراسة منهج المحدثين في عصر الرسول e يمكن تلخيصها فيما يلي:

– تيسير الحقائق وتحديدها؛ لسهولة التحمل وللقدرة على الأداء.

– ربط المعاني والأمور العقلية والغيبية بالأمور المحسوسة؛ لتعميق الوعي وتيسير الفقه، والربط بين ما عند الناس وبين ما جاء به الرسول e.

– ارتباط الحقائق الدينية بالأحوال الحياتية التي قامت على أسس علمية؛ لأجل ألا تنبني على أوهام وينسب ذلك إلى الدين.

– ضرب الأمثال والتدريب على استخدامها، وله أثره الكبير في تيسير الوصول إلى العلم والمحافظة عليه واستحضاره.

– بناء الأحكام الدينية على أسس ثابتة فيما يتصل بتطبيق النصوص، وتحدثنا عن ذلك.

– أيضًا استخدام كل الوسائل الممكنة للتعبير عن الحقائق كالإشارة والرسم وغير ذلك، وهو ما يجعل المحدّث في روايته للحديث وفي نقله للحديث يتوقف فيما يشك فيه؛ ليتأكد منه غاية التأكد، فالمحدثون ليسوا مجرد نقلة، وإنما نقلة مع وعي ومع فهم، ومع توقف فيما يشق على الناس قبوله، ومع تمسك بما ثبت وإن خالف أوهام الناس.

error: النص محمي !!