Top
Image Alt

ضرر الشرك و خطورته

  /  ضرر الشرك و خطورته

ضرر الشرك و خطورته

خطورة الشرك:

عندما نتأمل في كثير من الآيات التي ذكر فيها الشرك، نجد أن في إطلاقها تحذيرًا وتخويفًا من الشرك بكل أنواعه وأفراده، ومن ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48]، فهذه الآية وإن كان المراد فيها بالشرك الشرك الأكبر المخرج من الملة كما عليه جمهور أهل العلم، إلا أن الآية تخوف من الشرك بكل أنواعه، ولهذا وجد من أهل العلم من يرى أن الشرك الأصغر لا يغفر لهذه الآية.

ومن الآيات التي تحذر من الشرك، وتبين خطورته قول الله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون} [الأنعام:22]، وقوله تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق} [الحج:31].

وقوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار} [المائدة:72]. ولما كان التوحيد أعظم شُعب الإيمان، وهو اعتقاد ما اشتملت عليه الكلمة العظيمة: “لا إلهَ إلا اللهُ”، فإن الشرك بالمقابل يكون أعظم شعب الكفر، فإنه اعتقاد وتصديق من القلب لما ينافي مدلول كلمة التوحيد من إشراك بالله أو تكذيب بمدلولها. فالشرك أخطر الموبقات، وأكبر الكبائر، قال الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين…)). الحديث رواه البخاري ومسلم؛ ولهذا كانت عقوبة الشرك أعظم عقوبة، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48].

يقول الإمام المقريزي –رحمه الله- مبينًا خطورة الشرك: “اعلم، أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. أما الخالق: فإن المشرك شبه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية وهي التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوى بين التراب ورب الأرباب، فأي فُجور وذنب أعظم من هذا؟

واعلم أن من خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه. بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلًا وشرعًا وفطرةً، فمن جعل ذلك لغيره فقد شبه الغيرَ بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر مَن كتب على نفسه الرحمة أنه لا يغفره أبدًا، ومن خصائص الإلهية والعبودية التي لا تقوم إلا على ساق الحب والذل، فمن أعطاهما لغيره فقد شبهه بالله سبحانه وتعالى في خالص حقه، وقبح هذا مستقر في العقول والفطر، لكن لما غيرت الشياطين فطرَ أكثر الخلق، واجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، كما روي عن أعرف الخلق به وبخلقه عمُوا عن قبح الشرك حتى ظنوه حسنًا.

ومن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبهه به، ومنها التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه.

وأما في جانب التشبه: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه، ورجائه ومخافته، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه.

ففي (صحيح الإمام مسلم) من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله عز وجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فَمَن نازعني في واحد  منهما عذبته))…

وبالجملة: فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك؛ ولذلك كان مَن ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يقربه ذلك الغير إليه تعالى، فإنه يخطئ؛ لكونه شبهه به وأخذ ما لا ينبغي أن يكون إلا له، فالشرك منعه سبحانه حقه، فهذا قبيح عقلًا وشرعًا. ولذلك لم يشرع ولم يغفر لفاعله…

وبالجملة:

فهذا باب واسع والمقصود أن من عبد مع الله غيره فإنما عبد شيطانًا، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين} [يس:60]، فما عَبَدَ أحد أحدًا من بني آدم كائنًا من كان إلا وقد وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله تعالى، وذلك غاية رضا الشيطان.

ولهذا قال تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ} [الأنعام:128] أي: من إغوائهم وإضلالهم. {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليم}، فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يُغفر بغير التوبة، وأنه موجب للخلود في العذاب العظيم، وأنه ليس تحريمه قبحُه بمجرد النهي عنه فقط، بل يستحيل على الله سبحانه وتعالى أن يشرع لعباده عبادة إلهٍِ غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله، ونعوت جلاله”.

انتهى كلامه، –رحمه الله-.

إذن: فالشرك أعظم ذنبٍ عُصِيَ الله تعالى به؛ ولهذا أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يغفره، وأنه لا أضل من فاعله، وأنه مخلد في النار محجوب عن رؤية الغفار، لا نصير له، ولا حميم لديه، ولا شفيع يطاع، وأنه لو قام لله تعالى قيام السارية ليلًا ونهارًا، ثم أشرك مع الله تعالى غيره لحظة من اللحظات ومات على ذلك، فقد حبِطَ عمله كله بتلك اللحظة التي أشرك فيها، ولو كان نبيًّا رسولًا، قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار}، وقال لصفوة خلقه -عليهم السلام- بعد أن أثنى عليهم: {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون} [الأنعام:88]، وقال لخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين}.

وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ،ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم، لو لقيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة)). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ((كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله عز وجل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا)). رواه البخاري ومسلم.

فالمقصود:

أن الشرك أعظم ما نَهَى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر به؛ ولهذا أول دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله عز وجل ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، وما ذكر الله تعالى التوحيد مع شيء من الأوامر إلا جعله أولها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أولها، كما في آية النساء: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء:36].

وكما في آية الأنعام، التي طلب النبي صلى الله عليه وسلم البيعة عليها، وهي قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون * وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [الأنعام:151- 153].

وكما في آية الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23]  إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا} [الإسراء:39]، فابتدأ تلك الأوامر والنواهي بالتوحيد، والنهي عن الشرك، وبيان خطورته، وختمها بذلك.

ولما كان الشرك بهذه الخطورة، وجب على أهل العلم تحذير الناس منه، والخوف من تلبسه.

ولهذا عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- بابًا لهذا الغرض في كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، بعنوان: “باب الخوف من الشرك”، ثم أورد تحت هذا الباب الأدلة من الكتاب والسنة، نقلنا بعضها سابقًا.

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ –رحمه الله-: “فتبين بهذا أن الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره، أي: إلا بالتوبة منه، وما عداه فهو داخل تحت مشيئة الله إن شاء غفره بلا توبة وإن شاء عذب به، وهذا يوجب للعبد شدة الخوف من هذا الذنب الذي هذا شأنه عند الله، وإنما كان كذلك؛ لأنه أقبحُ القبحِ، وأظلمُ الظلمِ، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به كما قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُون} [الأنعام:1].

ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر منافٍ له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته، والذل له، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالَم إلا بذلك، فمتى خلا منه خرب، وقامت القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم:((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله)). رواه الإمام مسلم –رحمه الله- ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق -تعالى وتقدس- في خصائص الإلهية من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، وأنواع العبادة كلها بالله وحده، فمن علَّقَ ذلك بمخلوق، فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن غيره شبيهًا بمن له الخلق كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله.

فَأَزِمَّةُ الأمور كلها بيديه سبحانه، ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، فأقبح  التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات.

ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والتوبة، والاستعانة، وغاية الحب مع غاية الذل، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لله وحدَهُ، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لغيره، فمن فعل شيئًا من ذلك لغيره، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا نِد له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.

فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة”. انتهى كلامه.

ضررُ الشركِ:

لما كان الشرك بهذه الخطورة التي وصفنا، وبينا حكمه، وهو أنه يُخلد صاحبه في النار -إذا مات ولم يتب منه-، وأنه في الدنيا حلال الدم والمال والعرض. لما كان الأمر كذلك، فإن أمرًا هذا حكمُه، وهذه خطورته ونتائجه، فإن ضرره عظيم وعاقبته وخيمة.

وبيان ذلك فيما يأتي:

أ. الشرك يوقع صاحبه في نجاسة اعتقادية أشد من النجاسة الحسية:

فقد وسم الله سبحانه وتعالى الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه العزيز دون سائر الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28]، وقوله في اللواطة: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِين} [الأنبياء:74]، وقالت جماعة اللواطة: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون} [النمل: 56]، فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخباث الأنجاس، وأن لوطًا وآله متطهرون من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى في حق الزناة: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور:26].

وأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة.

النجاسةُ المغلظةُ: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل فإن الله لا يغفر أن يُشرك به.

النجاسة المخففة: الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به، وخوفه، ورجائه.

ونجاسة الشرك عينية؛ ولهذا جعل الله سبحانه الشرك نجَسًا -بفتح الجيم- ولم يقل: إنما المشركون نجِس -بالكسر- فإن النَّجَس عين النجاسة، والنَّحِس هو المتنجس، فالثوب إذا أصابه بَوْل أو خمر نَّجِس -بالكسر- والبول والخمر نَّجَس بالفتح. فأنجس النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم، فإن النَّجَس في اللغة والشرع: هو المستقذر الذي يطلب مباعدته والبعد عنه، بحيث لا يُلمس، ولا يُشم، ولا يُرى فضلًا عن أن يخالط ويلابس لقذارته، ونفرة الطِّباع السليمة عنه، وكلما كان الحي أكمل حياة، وأصح حياء، كان إبعاده لذلك، ونفرته منه أقوى.

والنجاسة تارةً تكون محسوسة ظاهرة، وتارةً تكون معنوية باطنة، فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحي ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى بها كما يتأذى من شم رائحة النتنة؛ ولهذا كان الرجل الصالح طيب العرق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيبَ الناس عَرَقًا.

والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى، وأكرهها له، وأشدها مقتًا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنبٍ سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الشرك.

ب. يلزم منه تنقص الرب سبحانه وتعالى:

فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه وتعالى والتنقص لازم له ضرورةً شاء المشرك أم أبَى؛ ولهذا اقتضى حمده سبحانه وتعالى وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وتعالى وإن زعم أن يعظمه بذلك، كما أنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول صلى الله عليه وسلم وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة.

فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأوليائه هم أهلُ الشرك والبدعة.

ج. أنه سبب للهلاك:

يقول الشيخ حافظ الحَكَمي –رحمه الله-: “من هنا يتبين لك عظم ذنب الشرك، وأنه أقبح الذنوب، وأظلم الظلم، وأكبر الكبائر، وأن الله تعالى لا يغفره ولا يقبل لأحد معه عملًا، وأنه لا أشد هلكةً منه، وما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب إلا بالنذارة عن الشرك، والدعوة إلى التوحيد، ولا نَجَّا الرسل وأتباعهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، إلا بالتزام التوحيد والبراءة من الشرك، فما هلك قوم نوح بالطوفان، ولا عاد بالريح العظيم، ولا ثمود بالصيحة، ولا أهل مدين بعذاب يوم الظُّلة، إلا بالشرك وعبادة الأصنام.

وهكذا الأمم من بعدهم بأنواع العذاب، ولم يخرج عصاة الموحدين من النار في الآخرة إلا بالتوحيد، ولم يخلد غيرُهم فيها أبدًا مؤبدًا إلا الشرك”. انتهى.

error: النص محمي !!