Top
Image Alt

ضمان اللقطة

  /  ضمان اللقطة

ضمان اللقطة

ننتقل بعد ذلك إلى حكم آخر من أحكام اللقطة وهو ضمانها؛ حيث اتفق الفقهاء على أنه ما دام الملتقط أشهد على اللقطة؛ تكون يده عليها أثناء الحول يد أمانة، ومعنى يد أمانة: أن صاحبها إذا جاء أخذها. لكن إذا كان لها زيادة متصلة, كغنم ولدت أو شيء يحصل منه تكاثر فهذا لا ضمان عليه فيه؛ لأنه شبه أمانة أو أشبه الوديعة، هذا بالنسبة في حالة إذا ما أشهد عليها.

وإنما إذا أخذها لنفسه؛ أي: إذا أشهد على أن تكون يده عليها يد أمانة يأتي صاحبها ويأخذها، ولا يكون ضامنًا لها، ولا ضامن للأمور الزيادة متصلة أو منفصلة عنها، إذا أخذها لنفسه؛ أي: عنده النية أن يأخذها لنفسه هذا يكون ضامنًا؛ لأنه أخذ مال غيره بدون إذنه؛ كأنه أخذ مال غيره بدون إذنه، وبدون إذن الشرع؛ لأن الشرع فيه بعض الفقهاء يقولون: لا يلتقط، وما دام أخذها لنفسه فكأنه فعل ذلك، أخذ مال غيره بدون إذنه.

والذي أخذها لنفسه إذا أتلفها أو تلفت عنده بتفريط, أو ضاعت بتفريط؛ يضمنها لصاحبها إذا جاء بمثلها إذا كانت من المثليات، أو بقيمتها إذا لم يكن لها مثل.

إنما إذا أخذ اللقطة، ولم يشهد عليها وقال: أخذتها للحفظ، وكذبه المالك؛ أي: أخذها، فالإشهاد على رأي الفقهاء واجب أو الإشهاد سنة، إذا أخذ ولم يشهد، وبعد ذلك حدث خلاف بينه وبين المالك، فقال: أخذتها للحفظ، والمالك صاحبها قال: لا أنت لم تأخذها للحفظ.

وجمهور الفقهاء يذهبون إلى أنه لا يضمن، ويكون القول قوله مع يمينه؛ لأن الظاهر يشهد لذلك، وهو أنه ما دام قد أخذها للحفظ والمالك يكذبه، فالظاهر يشهد بأنه أخذها حسبة؛ لأن فعل المسلم دائمًا محمول على ما يحل له شرعًا، فهذا يقوم مقام الإشهاد.

وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنه إذا أخذ اللقطة ولم يشهد عليها، وقال: أخذتها للحفظ وكذبه المالك يضمن؛ لأن الملتقط أقر بسبب الضمان وهو أخذه مال الغير، وادعى ما يبرئه وهو الأخذ للمالك، فادعى أنه أخذ للمالك وهو أخذها لنفسه، وفي ذلك شك؛ فلا يبرأ.

في مسألة حكم التقاط اللقطة بنية تملكها، دون تعريف:

الشخص الذي ينوي التقاط اللقطة، ولا ينوي تعريفها، إذا فعل ذلك يكون ارتكب محرمًا، ولا يحل له أخذها بهذه النية؛ فإذا أخذها لزمه ضمانها، سواء تلفت بتفريط أو بغير تفريط، وحتى ولو عرفها؛ لأنه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له غيره، فأشبه الغاصب.

نأتي بعد ذلك إلى حكم آخر أو صورة من صور أحكام اللقطة، وهو دفعها لمن ادعاها:

إذا جاء صاحب اللقطة لملتقطها، وطلب تسليمها له، فإنه يشترط حتى يردّها لربها أن يصفها ويتعرف عليها بذكر العلامات التي تميزها عن غيرها، كذكر العدد، وهذا مفهوم من الكلام السابق، فلو قلنا قبل ذلك: تعريف اللقطة يكون تعريفها بذكر كذا وكذا، لما كان هذا الملتقط يدفع اللقطة لمن يدعيها, نقول هنا نفس الكلام؛ أي: يفهم من الكلام السابق، وهو تعريفها بكذا وكذا، أنه لو جاء صاحبها، وتعرف عليها وذكر هذه الأشياء، وتعرف عليها بذكر العلامات التي تميزها عن غيرها، كالعدد -تسلم له.

وقد اتفق على هذا الفقهاء؛ على أنها لا تدفع له إذا لم يتحقق هذا الشرط، ولكن قالوا: هل يحتاج هذا أن يكون معه بينة تؤكد كلامه؟

قال أبو حنيفة والشافعي: لا تدفع له إلا ببينة. أي: حتى ولو غلب على ظن من يعطيها له أنه صادق، فلا يجوز لملتقطها أن يدفعها له حتى ولو كان له ظن في أنه صادق فيما يقول, إلا إذا كان معه بينة.

هناك رأي آخر يقول: إن الملتقط إن شاء دفعها له، وأخذ كفيلًا بذلك؛ لأن النبيصلى الله عليه وسلم قال: (البينة على المدعي)) وهو مدعٍ، فيحتاج إلى بينة كغيره، فكأنهم أخف من المذهب السابق، وهو رأي أبي حنيفة والشافعي، حيث قالوا: الملتقط إن شاء أعطاها له وأخذ كفيلًا بذلك؛ لأنه ربما يتبين العكس، ويظهر أنه كاذب.

لكن لا يجبر الملتقط على الدفع إليه إلا بالبينة, وهو الرأي الذي يقوله أبو حنيفة والشافعي؛ وذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم: ((اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها)) وقع فيه احتمال أن يكون أمره صلى الله عليه وسلم للملتقط بأن يعرف العفاص والوكاء, أو احتمال أن يكون أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى ليدفعها لصاحبها، فلما كان اللفظ احتمالًا وجب الرجوع إلى الأصل، وهو البينة؛ وهذا لأن الأصول لا تعارض بالاحتمالات.

فهذا رأي أبي حنيفة والشافعي, اللذين يقولان بأنه ما دام قد وقع الاحتمال في قول النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أمره بذلك له, أي: للملتقط أو لصاحبها في مسألة العفاص والوكاء؛ وجب الرجوع إلى الأصل وهو البينة؛ لأن الأصول لا تعارض بالاحتمالات المخالفة لها.

وإذا ادعى اللقطة شخص واحد فهذا الأمر بالنسبة له، لكن إذا ادعاها اثنان، ووصفاها أو أقاما بينتين متساويتين, وكل واحد من الاثنين أعطى صفات كاملة لهذه اللقطة، فماذا يفعل هنا؟

يقول الفقهاء: إنها يقرع بينهما الملتقط، فمن وقعت له القرعة حلف ودفعت إليه؛ لأنهما تساويا فيمن يستحق به الدفع فتساويا.

نأتي إلى آخر نقطة؛ في الإنفاق على اللقطة خلال مدة تعريفها، فاللقطة خلال مدة التعريف فيها أنواع تحتاج إلى إنفاق، كما لو كانت حيوانًا يحتاج إلى مأكل ومبيت وغير ذلك، أو أشياء تحتاج إلى النفقة، فهل الملتقط يرجع بالنفقة هذه خلال المدة؟

اختلف الفقهاء أيضًا في مسألة حكم الإنفاق على اللقطة، فالجمهور يقولون: إن ملتقط اللقطة متطوع بحفظها، ما دام التقطها من الأرض وأخذها إلى داره، فهو متطوع بالحفظ، فلا يرجع بشيء من ذلك على صاحبها إلا إذا كان قد أبلغ الحاكم بذلك، وقال له: إني أنفق عليها بإذنك, أو القاضي أمره بالإنفاق، فيكون نفقته دينًا على صاحبها، ويكون له الرجوع عليه بهذه النفقة. هذا رأي الجمهور.

أما المالكية فيقولون: له الرجوع بما أنفق, حتى ولو كان الإنفاق بغير إذن الحاكم، فإذا جاء مالكها وقد أنفق الملتقط نفقة؛ فله أن يمنعه من استلامها حتى يدفع له ما أنفق.

ويرى الحنفية أن الملتقط إذا أنفق على اللقطة وكان قد انتفع بها، بمعنى أن تكون دابة ركبها أو ماشية فحلبها وشرب لبنها، فلا يرجع على مالكها بالنفقة، ويكون هنا أمران؛ أحدهما في مقابل الآخر, الغنم بالغرم؛ أي: لا يطالب بالنفقة في مقابل الانتفاع.

واللقطة التي تبقى عامًا تحت يد الملتقط, لا تجب زكاتها على الملتقط عام التعريف؛ لأنها ليست مملوكة طول العام, فهل زكاتها على مالكها طوال فترة فقدها؟

قالوا: لا زكاة على مالكها طوال فترة فقدها وضياعها، ما دام لا يعلم عنها شيئًا؛ لأن ملكه لها ليس تامًّا، فهي ليست تحت يده ولم يملك التصرف فيها.

فإذا جاء صاحبها خلال عام التعريف, وسلمها له الملتقط؛ زكاها صاحبها عن العام الذي كانت فيه تحت يد الملتقط, بالشروط التي توجب بها الزكاة على مالك المال، وهي بلوغ النصاب.

أما بعد الحول فالحنابلة يرون أن زكاتها على الملتقط؛ لأنها تدخل في ملكه بعد الحول ما دام قد تملكها، وإذا مات يرثها ورثته وتصير كسائر أمواله.

أما إذا نوى من البداية أن يتملكها، فإذا وجدت نية التملك عند الالتقاط؛ يجب على الملتقط أن يزكيها عن العام الذي عرفها فيه، فإذا جاء صاحبها وأخذها لم يزكها عن هذا الحول، ولا يرجع الملتقط على مالكها بزكاتها كما يرجع عليه بالنفقة عليها.

error: النص محمي !!