Top
Image Alt

ضمان المستعير

  /  ضمان المستعير

ضمان المستعير

هل المستعير ضامن للعارية, أم ليس بضامن؟

اتفق الفقهاء على أن العارية إذا تلفت بالتعدي من المستعير فإنه يضمنها، كما أن تلف بعض أجزائها بالاستعمال العادي غير مضمون على المستعير، فلو أعاره ثوبًا لمدة سنة ثم تغير الثوب عن طبيعته، أو حصل له تلف في بعض أجزائه من أثر الاستعمال؛ فلا ضمان فيه على المستعير، فليس هناك ضمان إذا كان التلف للأجزاء التي تغيرت بالاستعمال العادي، ونقول: العادي لأنه لو قام بتقطيع الثوب فهذا استعمال غير عادي.

وفيما عدا هاتين النقطتين اختلف الفقهاء في حكم ضمان العارية، فانقسم الفقهاء إلى ثلاثة آراء:

الرأي الأول: ذهب إليه الحنفية, حيث قالوا: إن العارية غير مضمونة على المستعير إذا هلكت إلا بالتعدي, فكأنهم يجرون على القاعدة العامة التي ليس فيها خلاف بين الفقهاء “إن التعدي هو الضمان”، وما عدا ذلك فعند الحنفية العارية أمانة، والأمانات لا تضمن إلا بالتعدي، وقالوا: إن هذا الرأي قال به الثوري والأوزاعي, وروي عن علي وابن مسعود والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز.

الرأي الثاني: ذهب إليه المالكية, حيث قالوا: إن كان الشيء الذي يعار مما لا يغاب عليه -أي لا يمكن للشخص أن يخفيه- كالعقار والحيوان, فلا يمكن للشخص أن يقوم بإخفائه لأنه ظاهر للعيان -فهذا لا يضمن، وإن كان مما يغاب عليه, أي: يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي، فإن المستعير الأصل فيه أنه يضمن إلا إذا أقام المستعير بينة على أن الشيء المعار تلف أو ضاع بلا تعدٍّ ولا بسبب منه، ولا ضمان عليه إلا في هذه النقطة فقط، وإن كان مما يغاب عليه فلا يضمنه في هذه الحالة إلا إذا أقام المستعير بينة على أنه تلف أو ضاع بسبب منه، فلا ضمان عليه أيضًا إذا أتى بهذه البينة.

الرأي الثالث: ذهب إليه الشافعية والحنابلة, حيث قالوا: المستعير ضامن للعارية إذا تلفت، سواء تلفت بفعل آدمي -بفعل منه هو أو بفعل من غيره- أو بأمر سماوي هو أو غيره، ولو بلا تقصير أو تعدٍّ. وبه قال من الصحابة: ابن عباس وعائشة وأبو هريرة رضي الله عنهم, ومن التابعين عطاء.

ويمكن أن نرجح هذا الرأي؛ حتى لا يتهاون الناس في أموال الغير، فيدعوا أنها هلكت بأمر سماوي، ولو قلنا: إنهم يضمنون كما قال الشافعية والحنابلة فإنهم سوف يحافظون على الأموال التي تبرع بها غيرهم عليهم؛ لينتفعوا بها على سبيل المكرمة والمعونة.

ولكل من هذه الآراء أدلة؛ فالحنفية قد استدلوا على سقوط الضمان من المستعير إلا بالتعدي بقوله صلى الله عليه وسلم: “العارية مؤداة, والمنحة مردودة” رواه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة. وبما روي أيضًا عن عمر بن الخطاب أنه قال: “العارية بمنزلة الوديعة, لا ضمان فيها إلا أن يتعدى”, وأيضًا بقول عن علي رضي الله عنه: “ليس على صاحب العارية ضمان”. ففي كل من قولي عمر وعلي، وقبل ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يفيد نفي الضمان عن المستعير، كما قالوا: إن العارية هنا أو الشيء المستعار إذا تلف بغير تفريط, وجب ألا يضمن المستعير؛ قياسًا على تلف بعض الأجزاء في الاستعمال العادي، وكلما كانت أجزاؤه غير مضمونة لم تكن جملته غير مضمونة.

أما دليل الشافعية والحنابلة على أن المستعير ضامن مطلقًا, حتى لو هلكت بآفة سماوية, فهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)), واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود والترمذي وأحمد في حديث صفوان؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم “استعار منه أدرعًا يوم حنين فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: ((بل عارية مضمونة)) أخرجه أبو داود والنسائي. وهنا استدلوا على الضمان بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “بل عارية مضمونة”.

ففي الحديث الأول، وهو ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) أنه صلى الله عليه وسلم جعل على اليد ما أخذت، وهذا اللفظ يدل على التضمين.

والثاني وهو “بل عارية مضمونة” واضح الدلالة, حيث وصف العارية بالضمان لبيان حكمها عند الجهل به، فقال: “مضمونة”.

والمالكية استدلوا في التفرقة بين ما يمكن إخفاؤه -أي ما يغاب عليه- وما لا يمكن إخفاؤه، بأن قالوا: إن الأحاديث التي تدل على الضمان محمولة على ما يغاب عليه، والأحاديث التي تدل على عدم الضمان فمحمولة على ما لا يغاب عليه, أي: ما لا يمكن إخفاؤه.

والرأي الراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة؛ لأن الأخذ بمذهبهم هو الأولى بالقبول, محافظة على أموال الناس؛ لأن التساهل في أموال الناس الذين يُسدون معروفًا كثُر في هذا الزمن، وعليه يجب أن نرجح القول بالضمان؛ لأن من أخذ ملك غيره لنفسه منفردًا بنفعه من غير استحقاق, فليس له حق فيه؛ وجب أن يكون عليه الضمان كالقرض، وهذا ما نقول به.

وإذا اشترط المستعير على المعير أن يسقط الضمان عن نفسه، فهل يسقط الضمان بهذا الشرط عند من يقول بالتضمين، وهم المالكية بالقيد الذي ذكرناه, والشافعية والحنابلة مطلقًا؟

القول الأول عند الجمهور -الحنفية والشافعية والحنابلة وأحد قولين عند المالكية: إن اشتراط إسقاط الضمان فيما يجب فيه الضمان لا يسقطه. فلو قال: أسقِط عني الضمان, لا يسقط الضمان إذا فعل شيئًا يجب فيه ضمان العارية.

واستدلوا لذلك بأن كل عقد اقتضى الضمان لا يؤثر فيه الشرط، وعقود الأمانات والتي منها الإعارة أو العارية هي مثل عقود الوديعة، وهي عقد أمانة والشركة والمضاربة، فإذا اشترط إسقاط الضمان في هذه العقود فلا يؤثر هذا الشرط في الضمان.

القول الثاني عند المالكية: يرى أصحابه أن شرط عدم الضمان يسقطه؛ لأن العارية من باب المعروف، وإسقاط الضمان معروف آخر، فلو قبل المعير أن يسقط الضمان من على المستعير كأنه فعل فيه معروفًا آخر، فيكون هنا معروفان: العارية وإسقاط الضمان، والمؤمنون عند شروطهم.

إذا وجب الضمان وضمن المستعير، فما كيفية التضمين؟

الرأي الأول: قال الجمهور -الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول مقابل للمعتمد عند الشافعية- في كيفية التضمين: يجب ضمان العارية بمثلها إن كانت مثلية, أو بقيمتها إن كانت لها قيمة.

الرأي الثاني: وهو الأصح عند الشافعية, حيث قالوا: إذا وجب الضمان فإنها تضمن بقيمتها يوم تلفها, سواء كانت مثلية أو متقومة. وتضمن بالقيمة؛ لأن رد مثل العين بعد الاستعمال، وفقد جزء أو أشياء منها بالاستعمال أمر متعذر، فصارت بعد ذلك أو بعد استعمالها بمنزلة فقد مثلها في السوق، وعليه يجب الرجوع إلى القيمة في كل الحالات.

error: النص محمي !!