Top
Image Alt

ضمان المودع

  /  ضمان المودع

ضمان المودع

ننتقل إلى حكم ضمان المودع، أو موجبات ضمان المودع للوديعة:

وقبل الكلام في ضمان المودع -أي: الذي قبل الوديعة والذي سميناه المودع بكسر الدال- نقول: هل الوديعة أمانة غير مضمونة أم مضمونة؟ أي: هي من الأمور المضمونة التي يجب تضمين من وضعت عنده, أم إنها ليست مضمونة؟

ذهب جمهور العلماء إلى أن الوديعة قربة مندوب إليها -أي: مستحبة بكل وصف الاستحباب الذي قال به العلماء قبل ذلك- وأن في حفظها لصاحبها ثوابًا؛ لأن المستحب يثاب الإنسان عليه. وجمهور العلماء قالوا: إنها أمانة محضة.

أيضًا قال العلماء: لا ضمان على الوديع، فالأصل أنه لا يضمن فهو أمين، إلا إذا فرّط أو تعدّى؛ أي: فرط في الحفظ أو تعدى على الوديعة، وكان تعديه متلفًا أو مهلكًا لها، كما لو كانت دابة فركبها فهذا تعدٍّ؛ لأن الأصل أنها تحفظ ولا تركب, أو فرط بالحفظ بأن تركها في الخلاء فسُرقت؛ إلى آخره.

لكن إذا تلفت الوديعة من غير تفريط أو من غير تعد، فلا ضمان عليه.

قال ابن المنذر في إجماعاته: أجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة؛ أي: أصبحت في حرزه، وسلمها له المودع، ثم تلفت من غير جنايته, أي: من غير تعد عليها -أنه لا ضمان عليه.

وكذلك جرى على ذلك الفقهاء، واستدلوا على أنها أمانة بالسنة، وبقول الصحابة وبالإجماع والمعقول.

أما السنة فبقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس على المستعين غير المغل ضمان، ولا المستودع غير المغل ضمان)) والمغل هو الخائن؛ أي: الذي استغل أمانته هنا أو استغل أن الشيء تحت يده فخان، وهو مأخوذ من الغُلُول؛ ذلك الذي يحدث من الإنسان في الحرب فيأخذ فوق حقه, فالمغل بالمعنى العام هو الخائن. وبقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضمان على مؤتمن)).

فهذه بعض جزئيات في الأحاديث، نأخذ منها محل الشاهد “ليس على المستودع غير المغل” أي: غير الخائن, “ضمان”, لكن إذا خان ففرط أو تعدى يعتبر هنا خائنًا للأمانة وعليه يضمن، وروي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وجابررضي الله عنهم أنهم قالوا: الوديعة أمانة في يد المودع, وروي عنهم روايات كثيرة بأن الوديعة أمانة في يد المودع.

وعن الإجماع, فقد أجمع الفقهاء على أنها أمانة في يد الوديع، وساروا على ذلك الإجماع من عهد الصحابة إلى عصرنا الحالي.

أما المعقول, فالعقل يقول: إن الوديع إنما يحفظ الأمانة هذه أو الوديعة لمالكها, وعمله هذا من باب البر والإحسان والمعروف، فلو ضمناه بغير عدوان؛ أي: تلفت بغير تعدٍّ أو بغير تفريط لزهد الناس في قبولها، ورغبوا عن هذا القبول؛ فكل واحد يقول: ما دمت ضامنًا لها حتى ولو لم أتعدَّ عليها، فلماذا أكلف نفسي حفظًا وخلافًا؟ ويكون هذا تعطيلًا لمصالح المسلمين، وهو حاجة الناس إلى الوديعة، هذا من الناحية العقلية.

وإذا كان الإجماع وقول الصحابة والسنة، والجميع قد أجمع على أن الوديعة أمانة، فيترتب على كونها أمانة ما يلي:

أولًا: بطلان اشتراط الضمان على الوديع؛ فلو أن صاحب الوديعة جاء إلى المودع وقال له: خذ هذه أمانة بشرط أن تكون ضامنًا لها، أو أن المودع رجل يريد أن يبالغ في الأمر فقال: آخذها منك وأضمن, فقال: أنا ضامن لها إذا تلفت أو سرقت من غير تفريط. ففي كل من الحالتين هذا الاشتراط باطل؛ لأن اشتراط الضمان على الأمين باطل, وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن هذا الشرط منافٍ لمقتضى العقد؛ لأن مقتضى عقد الوديعة أنه عقد أمانة، والأمين في هذا العقد لا يضمن.

ثانيًا: ويترتب على كونها أمانة أيضًا أن القول يكون للوديع في دعوى التلف أو الضياع؛ فإذا ادعى الوديع، وهو من بيده الوديعة أن الوديعة هلكت أو ضاعت بغير تعديه أو تفريطه، وكذبه المودِع؛ لأنه ربما يكون هذا شأنه، فيقول: أنت فرطت! فإنه يقبل قول المودَع -الذي يودع عنده الوديعة- أو الوديع؛ والمودَع بمعنى الوديع؛ أي: إذا قلنا: المودع بفتح الدال فهو بمعنى الوديع الذي تودع عنده الوديعة أو المودَع عنده أيضًا, فالأمر سواء، فالمودع أو الوديع القول قوله في ضياعها أو تلفها بغير تفريط؛ لأنه مستصحب لحالة الأمانة، فهو متمسك بالأصل، والمالك يدعي أمرًا عارضًا، وهو أنه يتهمه بالتلف والضياع، ولكنه مستصحب للحالة الأصلية، والحالة الأصلية أن الوديعة أمانة، فكان القول قوله هنا.

ومع أن القول قوله، فهل يقبل قوله هذا بغير يمين أم بيمين؟

الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية في غير المشهور, والحنابلة يذهبون إلى أن القول قوله بيمينه؛ أي: ما دام المودع يتهمه بأنه ضيعها بتعدٍّ منه أو بتفريط، كأننا نقول: نعدل الأمر؛ أي: عدل الأمر أنه يستطيع أن يبرئ نفسه باليمين؛ فهو ينفي فيكون معه يمين.

وفي رواية للإمام أحمد أنه يصدق في ادعاء تلفها بغير يمين، إذا ادعى التلف.

وفي المشهور عند المالكية -هناك في غير المشهور عندهم أنه بغير يمين- أنه يقبل قول الوديع غير المتهم، أما المتهم فيحلف؛ حيث إن الناس يتهمونه أو ليس محل ثقة كاملة في الأمانة عند الناس، فإذا كان كذلك فالمشهور عند المالكية أنه يحلف.

ثالثًا: أيضا مما يترتب على إجماع أكثر أهل العلم على أن الوديعة أمانة؛ أن القول يكون قول المودَع أو الوديع في ردّ الوديعة، فإذا ادعى الوديع رد الوديعة على صاحبها فقال له: أنت أخذت الوديعة, وصاحب الوديعة يقول: لم آخذها؛ فالجمهور يقولون -وهم الحنفية والشافعية والحنابلة-: يكون القول قوله بيمينه، وعند المالكية: يكون قوله باليمين، إذا لم يكن المودع أشهد على قبضها بالبينة، فإذا قبضها ببينة من صاحبها قصد بها التوثق؛ أي: إن صاحب الوديعة عندما سلمها له, أتى ببينة يقصد بها أن يتوثق من أن هذا الشخص قبضها منه أمام شهود أو بينة؛ فلا يقبل قوله في الرد إلا بهذه البينة عند المالكية.

إنما الحنفية والشافعية والحنابلة قالوا: القول قوله مع اليمين, أما المالكية فيقولون: إذا كان قد أشهد عند أخذها؛ فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة مثل التي أحضرها عند أخذها، فيشهد على أنه سلمها لصاحبها بيمينه.

موجبات أو حالات ضمان الوديعة:

إذا كنا قد قلنا: إن أكثر أهل العلم قالوا: إن الوديعة أمانة, وترتب على كونها أمانة أن اشتراط الضمان على الوديع باطل، وأن القول قول الوديع في دعوى التلف أو الضياع، وأن القول قول الوديع في رد الوديعة, كل هذا في جانب الوديع لأنه أمين؛ لكنه قد يضمن، فما حالات ضمان الوديعة ما دام الأصل أنها أمانة، وأنه لا ضمان على الوديع إلا إذا فرط في الحفظ؛ لأنه بالتفريط يعتبر تاركًا لما وجب عليه من الحفظ أو يكون أتلف مال غيره، ومن أتلف مال غيره يضمنه، وبذلك يتغير حال الوديعة من كونها أمانة إلى ضمان؟

وموجبات أو حالات الضمان التي ذكرها الفقهاء، والتي بموجبها يجب على الوديع أن يضمن الوديعة ما يلي:

أولًا: ترك الوديع للحفظ أو إتلاف الوديعة. وهذا واضح؛ لأنه ما دام الوديع مطلوبًا منه حفظ الوديعة وصيانتها لصاحبها، وهذا عمل فيه تعاون على البر والتقوى وعمل فيه ثواب، كأنه بالعقد التزم ذلك على وجه لو ترك الحفظ هذا أو قصّر فيه حتى هلكت أو تعدى عليها، وجب عليه ضمان بدلها.

ومن أمثلة ذلك -كما يذكر الفقهاء والأمثلة كثيرة-: لو رأى شخصًا يسرق الوديعة، وهو قادر على منعه؛ يكون هنا ضامنًا لأنه ترك الحفظ الملتزم به والمتعين عليه.

أما الإتلاف فله صور كثيرة، مثل أن يفعل بها ما يؤدي إلى ذهابها أو ضياعها أو حتى يخرجها عن الانتفاع المطلوب فتفسد؛ كأن يحرق الثوب مثلًا، أو يركب الحيوان فيُضعفه، أو يقتله، أو يكون طعامًا فيأكله ونحو ذلك، كل هذا ذهب الجمهور إلى أنه يحرم على الوديع اقتراف هذا العمل؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة مال المسلم بقوله: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعِرْضه)).

وفي هذه الصورة يجب عليه الضمان؛ لكونه تعدى تعديًا ينافي الموجب الأصلي للعقد -عقد إيداع- وهو الحفظ, ولأن هناك قاعدة عامة تقول: إن إتلاف مال الغير بدون إذنه سبب لوجوب الضمان؛ أي: إذا أتلف الإنسان مال غيره بدون إذنه أو بدون تصريح من صاحبه، كان هذا موجبًا للضمان عليه باتفاق أهل العلم. هذه صورة، وهي ترك حفظ الوديعة أو إتلافها بنفسه.

وهناك صورة أخرى توجب عليه الضمان، وهي: إيداع هذه الوديعة عند الغير، فالشخص أودع الوديعة عند آخر، ثم قام الوديع هذا بإيداعها عند غيره بغير عذر يدعو إلى ذلك، فهذا يكون ضامنًا؛ لأن المودع إنما أذن له هو ليحفظها تحت يده، لا أن تكون تحت يد غيره، فإذا فعل ذلك صار متعديًا.

أما لو أذن له فيجوز؛ لأن كل شيء بإذنه جائز، ولو كان ذلك الغير أمينًا كما قال العلماء؛ لأن صاحب الوديعة إنما رضي بحفظها في حفظ هذا الشخص وأمانته دون أمانة غيره. وهذا مذهب الجمهور الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

لكن إذا وجد عذر، ولم يكن هناك مع هذا العذر طريق إلا أن يودع عند شخص آخر، فينبغي أولًا أن يردها لمالكها إذا قدر قبل أن يودعها عند الغير، أو إذا كان هذا المالك له وكيل فيعطيها لوكيله، وإذا لم يتوصل إلى هذا ولا إلى ذاك، يدفعها إلى الحاكم العدل الأمين، وإلا ضمن إذا لم يكن لهذا الرجل وكيل، أو يتعذر الوصول إليهما، وكان يمكن أن يصل إليهما، أو كان في إمكانه أن يدفعها إلى الحاكم؛ أي: لم يكن له عذر، وكان في إمكانه أن يفعل ذلك فلم يفعل؛ أي: لم يردها لمالكها أو لوكيلها أو لم يدفعها إلى الحاكم يكون ضامنًا؛ لأنه كان في إمكانه أن يفعل مع وجود العذر وفعل.

وجمهور الفقهاء في هذا الخصوص يقولون أيضًا: يجوز للوديع أن يدفع الوديعة إلى أشخاص هم في الأصل مؤتمنون مثل الوديع؛ لأن الوديع ائتمنهم أو هم مثل الوديع؛ لأن الوديع يأتمن هؤلاء الناس على حفظها، وذلك كعياله, أي: من يعولهم وهم الزوجة والأولاد والوالد والخادم، ولو بلا عذر يدعوه إلى أن يدعها عند هؤلاء، ولا يكون ضامنًا إذا ضاعت أو تلفت بلا تعدٍّ، أو بلا تفريط عند هؤلاء؛ لأن هؤلاء جرت العادة أن الإنسان يعتبر هؤلاء -الزوجة والأولاد والوالد- كنفسه؛ لأن المودع ربما يرضى بأمانة هؤلاء بما فيهم أولاده، لا بأمانة غيرهم، إلا إذا كان الإيداع عند شخص غير مأمون، والمودع يعلم ذلك فكأنه فرّط؛ لأنه أعطاها لشخص ليس مأمونًا في نظر الناس.

ثانيًا: من أسباب الضمان: خلط الوديعة بغيرها؛ فإذا أعطى شخص لشخص مالًا، فخلطه بماله بحيث يمكن أن يتميز عن هذا المال أو يمكن ألا يتميز، فإذا تميز أو كان يمكن التفريق بينهما وتلف، فلا ضمان عليه بلا خلاف بين الفقهاء؛ لأنه يمكن فصل هذا عن ذاك، أو رده بعينه لصاحبه.

أما إذا اختلطت بصورة لا يمكن فيها التمييز، كما لو خلط قمحًا بقمح أو ذرة بذرة؛ بحيث أصبح التفريق بينهما أمرًا عسيرًا، فإما أن يحدث ذلك بإذن صاحب الوديعة أبو بغير إذنه، فإن اختلطت بماله بغير إذن صاحب الوديعة على وجه يتعذر معه الفصل بينهما, قال الجمهور في ذلك: عليه الضمان على أية صورة كان الخلط, سواء كان خلطها بمثلها في الجودة أو دونها في الجودة أو أجود منها أو غيرها خلط مجاورة -أي: موضوعة بجوارها- أو خلط ممازجة كخلط القمح بالقمح، وخلط المجاورة كخلط القمح بالشعير.

لكن إذا خلطها بماله بإذن صاحبها، فالحنابلة قالوا: لا ضمان على الوديع، وإن كان بعض الحنفية يذهب إلى أن الوديع يكون شريكًا للمودع, فبمقدار ما خلط به ماله يكون شريكًا بهذا المال معه.

ثالثًا: أيضًا من موجبات الضمان: السفر بالوديعة، فلو أعطى شخصٌ لشخصٍ وديعة، فسافر الشخص بهذه الوديعة، فإما أن يسافر بإذن من صاحبها، وما دام قد أذن له فلا ضمان عليه.

أما إذا سافر بها بدون إذن منه، فقد اختلف الفقهاء في تضمينه على أربعة أقوال أو آراء:

الرأي الأول للحنفية: قالوا: إن للوديع أن يسافر بالوديعة، ولو كلفه السفر بها نفقات عليه، ولا ضمان عليه؛ لأنه مأمور بحفظها مطلقًا بدون تعيين مكان.

أما صاحبا أبي حنيفة فقالا: السفر بما لا كلفة في سفره؛ لأن المؤنة تلزم صاحبها، وهو لم يأذن بالسفر.

أي: عند الحنفية الأمر على رأيين؛ فأبو حنيفة يقول: يسافر بها كما يشاء؛ لأنه مطلوب بحفظها في منزله أو خارجه أو في سفر, إلى آخره.

أما الصاحبان فقالا: لا يسافر بها إلا بما لا يكلفه شيئًا في نفقاته، فإن كلفه شيئًا وفعل ضمن.

الرأي الثاني للمالكية: قالوا: ليس للوديع أن يسافر بالوديعة إلا إذا أعطيت له في السفر؛ فكأن الاثنين على سفر وسلمها له في السفر، لكن إذا أعطاها له في الحضر في منزله, قالوا: ليس للوديع أن يسافر بها، فإذا سافر بها من غير عذر فهذا تعدٍّ موجب للضمان، أما إذا أعطاها له في السفر فهو معذور بالسفر بها؛ لأنها سُلِّمت له في السفر.

الرأي الثالث للشافعية والحنابلة: قالوا: ليس للوديع أن يسافر بالوديعة، فإذا أراد السفر ردّها لصاحبها أو إلى وكيله إذا قدر على الرد، وإذا لم يقدر سلمها إلى الحاكم، والحاكم يقوم مقام صاحبها في غيبته، لكن إن سافر بها ضمن لأنه عرضها هنا للضياع.

رابعًا: ومن الأمور التي توجب الضمان: جحود الوديعة؛ فإذا طلب صاحب الوديعة وديعته من الوديع فجحدها، كأن يقول: ليس لك عندي وديعة, أو حبسها وهو يقدر على تسليمها لصاحبها؛ صار بهذا العمل خائنًا للأمانة، وجمهور الفقهاء يقولون: إنه خرج بذلك عن كونه مودعًا أو أمينًا، فتنقلب في يده إلى يد غاصب، وبجحدها انقلبت من يد أمين إلى يد غاصب، ولأن المودع عندما طلبها كأنه أنهى الوديعة، وعليه عزله عن الحفظ، فهنا بجحدها هذا من الأمور التي تجعل الوديعة تنقلب من الأمانة إلى الضمان، فيجب عليه إذا جحدها واستمر جاحدًا لها أن ينقلب ضامنًا لها.

error: النص محمي !!