Top
Image Alt

ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي

  /  ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي

ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي

مسألة أخرى تتعلّق بكَيفية الكِتابة، وطَريقة الكِتابة، وهي عن الأساليب، والفقرات، وتكوين الفقرات، وعن علامات الترقيم.

كيف نكتب هَوامِش البحث؟ وأين نكتب هَوامِش البحث؟

هذه مسألة تنظيمية وإجرائية مهمّة ينبغي العِناية بها وملاحظتها. ولكي نوضّح ذلك نقول: إنه ينبغي أن يكون لدى الباحث المَقدرة على التَّفريق بين ما يُكتب في صُلب البحث، وما يُكتب في هامِشه.

فهناك معلومات مهمّة أساسية، وهذه مكانها أن تُكتب في مَتن البحث، وصُلب البحث، أو في الجُزء العُلوي من الورقة التي يَكتب الإنسان عليها. وهناك معلومات أخرى أقلّ أهمية، وهذه ينبغي أن توضع في هَوامِش البحث، وحواشيه، والمقياس في هذه التفرقة: هو أن أيَّة فكرة أو فقرة متّصلة بالبحث اتصالًا مباشرًا، توضع في صُلب البحث، أو في مَتنه، أو في الجزء العُلوي منه.

أمّا ما كان يتّصل بالبحث اتصالًا جانبيًّا هامشيًّا، ليس على الدرجة السابقة من الأهمية، فإنه يوضع في هَوامِش البحث وحواشيه. وينبغي عدم الخَلط بين الأمريْن؛ لأن ذلك يدلُّ من جهة على عَدم إدراك الباحث بين ما هو أساسي، وما هو غير أساسي؛ وهذا ليس شيئًا جيدًا في حق الباحث. لا بُدَّ أن يُفرّق بين ما هو جَوهري، وبين ما هو أقلّ جَوهرية، أو ما هو هامشي. فإذا خَلط بينهما فإنّ هذا يدل على عَدم دِرايته بما هو جَوهري في البحث، وبين ما ليس كذلك؛ ثم يؤدي هذا الأمر إذا وقع دون تَمييز دَقيق بين الأمريْن، يؤدِّي من جهة ثانية إلى إرباك القارئ عند قِراءته للبحث. والأمر الأول إذا كان يتعلق بالباحث فهو مهمّ، والأمر الثاني إذا كان يتعلق بالقارئ فهو مهمّ أيضًا؛ ولذلك ينبغي أن نُراعيَ هذه المسألة بدِقة وأن نلاحظها تمامًا؛ حتى نَبرأ من هذيْن العيبيْن.

والذي يوضع في الهَوامِش أشياء متعددة.

أهم ما يوضع في الهَوامِش التالي:

أولًا: أسماء المَصادِر والمَراجِع التي رَجع الباحث إليها في جَمع مادته العِلْمية، فتُذكر أسماء المَصادِر، وتُذكر بياناتُها -كما قلنا: اسم بلد الطبع، ومكان الطبع، والمكتبة، وتاريخ الطبع، والجزء … إلخ. فتُذكر في الهَوامِش سواء أكانت مَطبوعة أم مَخطوطة، وسواء أكانت من كُتُب، أو من وسائل حديثة، كالأقراص المُمغنطة، أو المواقِع المَوجودة على “الإنترنت”.

لا بُدَّ أن أكتبها حتى يستطيع القارئ الذي يُريد أن يَتوسّع في معاني هذه الكلمات، أو الذي يُريد أن يتأكّد من وجود هذه النُّصوص فيها، أو المعلومات فيها، لا بُدَّ أن أكتبها له حتى يستطيع أن يَرجِع إليها بنفسه ليستزيد، أو ليتأكّد. والباحث مُكلف بكتابتها، لا يُمكن أن يأخذ كلام الآخرين ثم يَضعه بين قَوسيْن، ولا يُبيّن المصدر الذي أخذ منه. فلا بُدَّ أن يفعل ذلك تَوثِيقًا لآرائه وأفكاره. ولكنه لا يَكتُبها في صُلب البحث، بل يَكتُبها في الهامش؛ لأنه إذا كَتب هذه البيانات في صُلب البحث سوف يَقطع تسلسل الأفكار، ويَشغل القارئ ببعض المَعلومات التي يمكن أن تُوضع في أدنى، أو في أسفل، أو حتى في آخر الفصل -كما سنتحدث عنه بعد قليل- فيُشار برقم في أعلى الصفحة، ويقابله في أسفل الصفحة عند مَن يَختار أن تكتب الهَوامِش في نَفس الصفحة، المَعلومات المتعلّقة بتلك المَصادِر وبتلك المَراجِع التي رَجع إليها، هذا نوع من الموضوعات التي توضع في هَوامِش الصفحات.

ثانيًا: ذِكر بعض الإيضاحات أو الشُّروح لِما جاء في المَتن، أو النص، كأن يكون في النص كلام عن عَلَم من الأعلام، أو شخصية من الشخصيات، فيَكتب في الأسفل تَعريفًا بهذه الشخصية، أنه: فلان … أن مؤلفاته كذا … وأنه ولد في … أن شيوخه فلان وفلان، أنه التقى بفلان، أن من أهمّ آرائه … إلخ. فنَكتب هذا في أدنى الصفحات، ثم نَكتب المَراجِع التي أخذنا منها هذه المَعلومات. ربما تمّ ذلك أيضًا مع شرح معنًى لغوي.

وهذه طريقة سوف نتحدّث عنها مع طُرق أخرى مُتاحة وممكنة، وللباحث أن يَختار منها ما يشاء. ربما يأتي معنى اصطلاحي، والمعنى الاصطلاحي يحتاج إلى إيضاح، وإلى بيان، كأن يأتي مثلًا، في عِلم أصول الفقه: “مسالك العِلّة”، ما معنى مسالك العِلة؟ أو عندما يأتي أي مُصطلح من المصطلحات: “السَّبْر”، “التقسيم”، “تَنقيح المَناط”، مثلًا، هذا في عِلم أصول الفقه. عندما يأتي تخريج الأحاديث، فيقال عنه: “حديث مُنْقطع”، يُعَرَّف الحديث المُنْقطع في أدنى الصفحات، أو “حديث مُضطرب”، أو “حديث فيه إدراج”، يَكتب هذا الكلام في أسفل الصفحات، ولا يَكتبه في مَتن الصفحة نفسها؛ لأن هذا يقطع السياق، ويمنع التسلسل، ويؤدّي إلى الإثقال على المَتن بما حقّه أن يوضع في أدنى الصفحات، أو في هَوامِش الصفحات.

وربما يأتي برأي من الآراء لشخصية يتحدّث عنها، فيَكتب في الهامش “أنّ هذا الرأي سبق لغَيره أن قال به، مثل فلان، انظر: كتابه كذا”، أو “تأثر بهذا الرأي فلان، انظر كتابه كذا”. وهكذا يُعطي مَعلومات إضافية، ليست من صُلب البحث، ولكن هي مُهمّة، وإنما تُوضع في الهَوامِش التي تُعدّ إكمالًا واستكمالًا لتلك المعلومات الأساسية التي جاءت في البحث. ومثل هذه الأفكار وهذه الأمور، ينبغي وضعُها في الهامش حتى لا تُؤدّي إلى قَطع التَّسلسل، أو إزالة الارتباط بين الأفكار.

ثالثًا: إحالة القارئ إلى مكان آخر من البحث، سواء أكان المكان فيما سبق، أو فيما سيأتي. كأن يتحدث عن فِكرة ويقول: “تَمَّت دِراسة هذه الفِكرة بالتفصيل في الصفحات كذا في الفصل الأول” … يقول: “سبقت دراسة هذه الفكرة في الفصل الأول”، “انظر: صفحة كذا”، أو “ستأتي مناقشة هذه الفكرة في الفصل القادم. انظر: صفحة كذا” … وهكذا. وبطبيعة الحال، لا يَتمكَّن الباحث من تحديد صفحات هذه الإحالة بدِقّة، إلا عند كتابة البحث بصورة نهائية، لكن يَكتب أرقامًا مؤقّتة؛ لأنه لا يَدري ربما يَزيد فكرة فيما سَبق، وربما يَحذف مما سيأتي، ربما تُحذف الفكرة نفسها أصلًا. المشرف يقول له: لا نحتاج إلى هذه الفكرة، فيُلغي هذه الإحالة أصلًا في الهَوامِش، وهكذا؛ ولكن عليه أن يَتذكّر أنّ الفِكرة إذا نُوقِشت في مكان، عليه أن يُشير إلى المكان الذي تَمَّت فيه مُناقشة هذه الفِكرة.

رابعًا: الإشارة إلى مَصادِر أخرى، ومَراجِع أخرى غنيّة بمعلومات يَرى الباحث أنها مهمّة للموضوع بصفة عامة، وإن لم تَكن لها نفس هذه الأهمية بالنسبة لبحثه الخاص. إذا كانت مهمة لبحثه خصوصًا توضع في المَتن، في أعلى، لكن إذا كانت مهمّة بصفة عامّة، فإنه يُمكن الإشارة إليها في الهَوامِش: “يُمكن التَّوسع في هذه الفِكرة في الكُتب كذا وكذا وكذا، صفحة كذا وصفحة كذا”، فيُعطي للقارئ مَزيدًا من المَراجِع. وهذه تُعطي فرصة لمن يشاء التوسع في دارسة هذا الموضوع، أن يَرجِع إلى هذه الكتب التي تفضّل بها الباحث عليه، وقدَّمها له هَديّة مجانية، يستطيع أن يتابع فيها البحث إذا شاء. كما أنها تدلُّ أيضًا على سِعة معارف الباحث نفسه، وقُدرته على التركيز وحُسن الاختيار.

خامسًا: شكر الباحث لهؤلاء الذين عاونوه في إجراء بحثه، في نقطة معيّنة من البحث، سواء أكانوا أشخاصًا، أم مؤسسات عِلمية، فلنفترض أنه قام “بعَمليّة إحصاء” مثلًا، أو قام “بعَملية في المَعمل”، ووجد أناسًا يساعدونه على إنجاز هذه المُهمّة، يَكتب في الأسفل، أشكر الذين ساعدوني في إنجاز هذا الأمر، ربما مثلًا قدَّم له أحد زملائه أو الأساتذة مَخطوطًا، يقول: تَفضّل الأستاذ الفلاني عليّ بإعطائي المخطوط … الذي لولا أنّ الأستاذ أعطاه له ما كان بالإمكان أن يَرجِع إليه.

وهكذا تكون الهَوامِش على هذا النحو من الموضوعات التي ينبغي أن يلاحظها القارئ، وأن يَكتب فيها كلّ ما يُفيد البحث بصفة عامة، ولكنه لا يَدخل في صَميم البحث وصُلبه وجَوهره. وهذه مسألة كما نقول: تحتاج إلى التَّفرقة بين ما هو جَوهري، وبين ما ليس كذلك.

وهنا يجب على الباحث مراعاة عدة أمور:

  1. على الباحث أن يُراعي أنّ الغَرض الرئيس للهَوامِش هو: التَّوضيح، وليس إضافة مَعلومات جَديدة أو استطرادات لا يحتاجها البحث. ثم يُراعي الاقتصاد قَدْر الإمكان في وضْع الهَوامِش؛ حتى لا يُشتِّت ذِهن القارئ عن متابعة البَحث. بعض الناس يَكتب هَوامِش طويلة، وقد تَزيد إلى صفحة وصفحتيْن، ويكون المَتْن مُعلّقًا في الهواء سطرًا أو سطريْن في المَتن، والباقي مجموعة من الهَوامِش؛ هذا لا يدلُّ على كَثرة في العِلم، ولكن يدلُّ على سوء في التنظيم، وعلى محاولة للاستعراض في العِلم، والعِلم يحتاج إلى التركيز، ويحتاج إلى التدقيق، ويحتاج إلى الاقتصاد، ويحتاج إلى الاختصار قَدْر الإمكان؛ فلا يَكتب الباحث لا في المَتن ولا في الهَوامِش أيّ معلومة يُمكن الاستغناء عنها. ولا ينبغي أن يكون الأمر مجرّد استعراض للمعلومات، فإنّ ذلك يجعل القارئ ينظر نظرة ريبة إلى هذا الباحث. ولعلّ الأمر يؤدّي عند القارئ إلى عَكس المَقصود الذي قَصد إليه الباحث.
  2. ثم إذا كان البحث يتضمّن بعض القوائم، والإحصاءات والجداول والنصوص الكبرى التي يرغب الباحث في إثباتها كاملة، فإنّ أمام الباحث الوسيلة إلى إثبات هذه الأمور كلّها، ولكن في مَلاحِق خاصة في آخر البحث، لا يُثقل على البحث بها، ولا يُثقل على الهَوامِش بها، ولكنه يَكتبها في نهاية بحثه، ثم يذكر في الهامِش أنه سيَستَكمل هذا الموضوع في مَلاحِق توضع في آخر الرسالة.

إذا وصلنا إلى هذه النقطة فيما يتعلّق بالهَوامِش من حيث تحديد الموضوعات التي تذكر في الهَوامِش، والكيفية التي تُكتب بها الهَوامِش، فإننا نقول: إنّ أمامنا ثلاث طرق لكتابة الهَوامِش في البحث، كلّ واحدة منها لها مَزايا ولها عُيوب، والباحث حرّ في اختيار الطريقة التي يَستريح إليها من بين هذه الطُّرق، لكن عليه إذا ما اختار إحدى الطّرق أن يَلتزمها، لا يَتنقل بين الطُّرق.

الطريقة الأولى: تَدوين الهَوامِش بأسفل كلّ صفحة:

وهي أشهر الطُّرق، فكلّ صَفحة لها مَتنها ولها هامِشها، وهي طريقة رئيسة ولكن في داخلها عدد من الطّرق الفرعيّة:

طريقة (أ): مثلًا: أن تُكتب أرقام الهَوامِش الخاصة بكلّ صفحة على حِدة، بمعنى أن يبدأ ترقيم الهَوامِش برقم (1) في كلّ صفحة، ثم نُضيف إليه الأرقام على حَسَب الحاجة … إذا كان الصفحة فيها هامشان فيُكتب رقم (1)، (2) في أعلى الصفحة، ويُكتب الهامشان في أسفل الصفحة … إذا كان ثلاثة نَكتب (1)، (2)، (3)، ونَكتب الهَوامِش (1)، (2)، (3)، في أسفل نفس الصفحة. فإذا انتهت هذه الصفحة، وانتقلنا إلى صفحة أخرى، فإننا نَبدأ الصفحة التالية، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، برقم (1). وهكذا مع كلّ صفحة جَديدة. فإذا اخترنا هذه الطريقة فإنه يَجب أن نُخصّص جُزءًا في أسفل الصفحة يَكفي لكتابة هَوامِشها، على أن يُفصل بينه وبين المَتن، أو ما هو في أعلى بخطّ أفقي، ثم يُكتب في الهامش المعلومات الخاصّة بكلّ رقم موضوع في المَتن، فالرقم (1) في المَتن يُقابله الرقم (1) في الهامش، رقم (2) في المَتن يُقابله رقم (2) في الهامش، وهكذا. ويُستَحسن أن يَتّسع الجُزء المُخصّص للهَوامِش في الصفحة لكتابة كلّ الهَوامِش الخاصة به.

أحيانًا بعض البُحوث تحتاج إلى هَوامِش كثيرة جدًّا، قد تَزيد على عَشرة أو على خمسة عشر هامشًا في الصفحة الواحدة، فعندئذٍ لا بُدَّ أن نراعيَ تَخصيص مساحة تَكفي لكلّ هذه الهَوامِش. لا يَصحّ أن نَكتب أرقام في صفحة وهَوامِشها في صفحة ثانية، أو ثالثة … إلخ؛ بل يجب أن يَتّسع الجُزء المُخصّص للهَوامِش والصفحة لكتابة كل الهَوامِش الخاصة بها. وقد كان ذلك يُمثِّل مُشكلة في أدوات الطباعة القديمة، لكن الآن أصبح الأمر مَيسورًا في أجهزة “الكمبيوتر” التي فيها ضَبط المسافات، والمساحات؛ وبذلك يكون عندنا هذا التنظيم للمَتن وللهَوامِش على حدٍّ سواء.

وإذا تبقّى في بعض الحالات جُزء من هامش مثلًا، فيُمكن كتابته في الصفحة التالية، مع كتابة رمز أو “علامة التابعيّة” (=) التي هي مثل “علامة يساوي” تُكتب مَرتيْن: مرة في نِهاية الصفحة الأولى، ومرة في بِداية الصفحة التي تَليها؛ وهكذا كما تحدثنا عند بيان علامات الترقيم، نستخدم هنا “علامة التابعيّة”.

في داخل هذه الطريقة نفسها التي نتحدّث عنها، يُمكن أن نُعطي رقمًا مُتسلسلًا لكلّ هوامش الفصل مرة واحدة؛ حيث أبدأ صفحة أولى بهامش رقم (1)، ثم يتلوه (2)، (3)، (4) … (15) … (20) … (30) … (35) … (40) … إلخ؛ كلّ الفصل من أوّله إلى آخر بتَرقيم مُتسلسل لكل فَصل على حِدة.

ويُمكن أيضًا استعمال طريقة أخرى: كتابة رقم متسلسل في مَتن الرسالة للرسالة من أوّلها إلى آخرها، كأنها فصل واحد؛ حيث تبدأ برقم (1)، وتنتهي برقم (1000)، وأكتب كلّ هذا مرة واحدة، ثم يَستمر إلى نهاية الرسالة كلّها.

وفي هذه الحالات الثلاث تُكتب الهوامش في أسفل الصفحات.

الطريقة الأولى: وهي كتابة الهوامش في أسفل الصفحات بالتوازي، هي الطريقة الأيسر، والطريقة الأكثر تَداولًا، والأكثر استعمالًا؛ لأنّ الهامش يَكون قَريبًا من المَتن فيراجِع بِسُرعة. ويَستطيع القارئ أن يَنظر إلى أعلى الصفحة وإلى أسفلها، فيجد المَعلومات مُتكاملة، ويَجد تَوثيقًا للمعلومات، أو شَرحًا للأمور الغامِضة، أو المصطلحات، أو الشُّكر -كما قلنا- وهذا على خِلاف طُرق أخرى سيأتي الحديث عنها. ومنها:

الطريقة الثانية: كتابة الهوامش في نِهاية كلّ فَصل:

لا تكون في أسفل الصفحات، ولكن يَكتب الباحث المَتن فقط، ويُعطيه الأرقام المُتسلسلة من أوّل صَفحة في الفَصل إلى آخر صَفحة، ولكنّ الهوامش لا تُكتب في أسفل الصفحة، وإنما تُكتب بعد انتهاء الفصل كلِّه، فأقرأ ثلاثين صفحة، أو أربعين صفحة كلّها من المَتن، ثم أنظر فأجد الهوامش المتعلّقة بهذا الفصل الذي سبق. هذه الطريقة رقم (2)؛ وعلى هذه الطريقة لا تُترك أيّة مساحة في أسفل الصفحات لعدم الحاجة إليها؛ لأن الهوامش ستُكتب في آخر كل فصل. وهذه ميزة، ولكن فيها عُيوب:

ومن العُيوب: أن الإنسان يظل ينظر في المَتن، ثم يبحث عن الهامش المتعلّق به بعد ثلاثين أو أربعين صفحة؛ وهذا نوع من الإثقال، وربما يؤدِّي إلى عَدم الرجوع إلى الهوامش، فيَذهب على القارئ فرصة التوثيق، وفُرصة التأكّد، وفُرصة الجمع بين المعلومات الأصلية الأساسية، وبين المعلومات التَّكميلية التي يُريد الباحث أن يُلحقها بالبحث.

الطريقة الثالثة: كتابة الهوامش متّصلة في الرسالة كلّها: من أول رقم إلى آخر رقم:

ولكن يُخصّص الجزء الأخير من الرسالة لكتابة الهوامش كلّها دَفعة واحدة؛ فكأن الرسالة كلّها مَتن في الأول، ثم تكون هوامش في الجُزء الأخير. وهنا وفي هذه الطريقة أيضًا، ليس الباحث مُحتاجًا إلى أن يَترك هوامش في أسفل الصفحات.

ومثلما قلنا في الطريقة السابقة، لكلّ طريقة من هذه الطُّرق محاسن ومزايا، ولها عُيوب أيضًا.

في الطريقة الأولى: التي يُكتب فيها المَتن في أعلى والهوامش في أسفل الصفحة نفسها، هي أكثرها سهولة؛ حيث يجتمع المَتن والهامش في صفحة واحدة، كما أنّ من المُمكن دون صُعوبة كبرى وخصوصًا بالنسبة لأدوات الطباعة الحديثة، إضافة هامش جديد في الصفحة نفسها. فلو أنني أراجِع، وبدا لي أن أكتب هامِشًا طَرأ لديّ عِلم به، أو اقتُرح عليّ أن أكتبه؛ فعندئذٍ ليس هناك صُعوبة في أنني أضيف هذا الهامش في الصفحة نفسها، ولا أضطر إلى تعديل (1000) هامش مثلًا؛ لأن عندي ثلاثة هوامش، تُصبح أربعة، فأضيف رقم (4)، أو أضيف رقم بين (1) و (2) مع ملاحظة تعديل تسلسل الأرقام، يُمكن أن أضيفه في المَتن وفي الهامش دون صُعوبة، وخصوصًا بعد استعمال أدوات الطباعة الحديثة، على حين أن الطريقتيْن الأخريَيْن التي تُكتب فيها الهوامش كاملة في نهاية الفصل، أو تُكتب الهوامش كاملة في نهاية الرسالة؛ سوف تكون الصعوبة فيهما أكثر عند إضافة أيّ هامِش؛ لأن ذلك سيؤدي إلى تغيير الترقيم المسلسل من أوّل هذا الهامش المضاف إلى نهاية الفصل على حسب الطريقة الثانية، أو إلى نهاية البحث على حسب الطريقة الثالثة.

كما أن من الصعوبات على القارئ أيضًا أن ينتقل من المَتن في مَوضعه إلى الهامش الذي يأتي بين عشرين أو ثلاثين صفحة، أو إلى آخر الرسالة بعد (200، أو 500) صفحة؛ لأنّ بعض الرسائل حجمها يكون كبيرًا، فيقرأ في صفحة (15)، ثم يَرجع إلى الهوامش في صفحة (500)، ويظلّ واضعًا مَتن الرسالة واقفًا هكذا يَذهب مَرة هنا، ويَذهب مَرة هناك. وقد يتكرر هذا في الصفحة الواحدة أكثر من مرة، وهذا يؤدِّي إلى عدد من الصعوبات، وهي صعوبات حقيقية تدعو إلى الضَّجَر والضِّيق والمَلل؛ ولهذا فيُفضّل استخدام الأمر الأول، أو الطريقة الأولى. وعلى كلّ حال نحن لا نَفرض على الباحث رأيًا في المسألة، ولكن من حَقه أن يَختار، لكن إذا اختار طَريقة مُعيّنة فإنه يَلتزم بهذه الطريقة، ولا يَصحّ له أن يَدَعها إلى غَيرها، فيَكتب فَصلًا بطَريقة، ويَكتب فَصلًا آخر بطريقة أخرى؛ لأن هذا من الخَلط الذي لا يَنبغي الوقوع فيه.

وعلى الباحث أن يَعلم أن كِتابته للهوامش بما فيها من أسماء المَصادِر والمَراجِع، لن تُغنيه عن كتابة المَصادِر والمَراجِع في آخر البَحث مرة ثانية. وللمَصادِر والمَراجِع عند كتابتها بالهامش أهمِّيّة كَبيرة جدًّا؛ لأن المَصادِر والمَراجِع -كما أصبح مفهومًا- هي: الرَّوافِد والمَعين الذي يستمد منه الباحث مادّة بحثه. هي الثروة، أو المادة الخام، وهي تكون قِسمًا كبيرًا من البحث؛ لا سيما في العلوم الإنسانية والاجتماعية. نحن لا نستطيع أن نَستغنيَ عن المَصادِر والمَراجِع أبدًا، وقد يَصل حَظّها من البحث إلى نِسبة عالية جدًّا؛ ولذا تَجب العناية البالغة بها:

أولًا: لأنها هي اللَبِنات الأساسية التي لا بُدَّ من العناية بتجميعها لدوْرها في تكوين البحث العلمي. فإن كنت سأكتب عن الإمام الشافعي، أو الإمام أحمد بن حنبل، أو أكتب عن الطبري، أو أكتب عن ابن تيمية، أو أكتب عن ابن كثير، أو أكتب عن ابن خلدون، أو أكتب عن أي شخصية، لا أستطيع أن اكتُب هذا بدون مَصادِر، لا بُدَّ أن أرجع إلى المَصادِر والمَراجِع لأكوِّن المادة العِلمية والأخبار والمعلومات التي تتعلّق بهذه الشخصيات التي سأدرسها. فَهي مُهمة لأنها تُمثّل اللبِنات الأساسية في بناء البحث، ثم لأنها هي الشَّرارة التي تُضيء عَقل الباحث وتوجّهه إلى بعض التعليقات النقدية، أو الأفكار المبتكرة التي ما كان لها أن تَخطر على ذهن الباحث لولا قراءته للمَصادِر والمَراجِع وفحْصه لها، وتفكيره فيها وفي المَعلومات المُقتبَسة منها. وما دام الأمر كذلك؛ فمن الضَروري العِناية بها، والإشارة إليها في البحث وهوامشه كلّما اقتبس الباحث نصًّا من نُصوصها، أو فكرة من أفكارها.

وتكون الإحالة في الهوامش إلى المصادر والمراجع بطريقتيْن مشهورتيْن، على حين توجد طُرق أخرى أقلّ شُهرة وأقلّ استعمالًا، سنشير إليها فيما بعد أن نبيّن هاتيْن الطريقتيْن:

الطريقة الأولى: التوثيق الكامل بالهامش: وذلك بذكر كلّ المعلومات المُتاحة عن المصدر أو المرجع، بذكْر: اسم المؤلف والكتاب كاملًا، وبيانات الطباعة كاملة، رقم الطبعة، مكان الطبعة، البلد الذي تَمت فيه الطبعة، رقم الجزء، سنة الطّبع، إلى آخر هذه البيانات. يعني مثلًا: سآخذ نصًّا من كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي، أقول: الشافعي محمد بن إدريس، كتاب (الرسالة)، تحقيق الأستاذ أحمد شاكر، طبع مطبعة كذا، سنة كذا، في بلد كذا، رقم الجزء كذا، رقم الصفحة كذا. أكتب هذا عند ورود هذا المصدر لأوّل مرّة عندي. أكتب جَميع البيانات، ثم نكتفي بعد ذلك إذا ذُكر الكتاب مرة ثانية بعد صفحتيْن، أو عشر صفحات، أو نحو ذلك، أكتفي بذكْر اسم المؤلف أو لقبه، ثم اسم الكتاب. وإذا كان الكتاب طويلًا، فإنه يمكن الإشارة إلى اسم مختصر له يتبعه الباحث فيما بعد. وهنا نسأل: هل يكتب اسم المؤلّف أولًا، أو اسم الكتاب؟

الجواب: أنّ لديْنا طريقتيْن:

– البدء باسم المؤلف.

– البدء باسم الكتاب.

ولا حرج في الطريقتيْن، وكلاهما يؤدّي نفس الغرض ونفس المعنى؛ لكن يفضّل فيما يتعلّق بالأعلام القدامى، أن يُبدأ بالاسم، ثم يكتب اللقب؛ لأن الكتب القديمة قد اتّبعت ذلك، مثلًا: كتاب (تاريخ بغداد) مُرتب على حسب الحروف (أ، ب، ت، ث)، ولكنه بدأ بأحمد ومحمد أولًا تشريفًا وتعظيمًا لاسم الرسول صلى الله عليه  وسلمثم يلتزم بعد ذلك بالأسماء بأحمد وإبراهيم، وكذا يُوضَع إبراهيم قبل أحمد … إلخ.

وفي كتاب مثل كتاب (وفيّات الأعيان)، وكتاب (الوافي بالوفيّات) ونحوها، يتمّ هذا الأمر ويُتَّبع ذلك عادة إلَّا إذا كان العَلَم مَشهورًا بلَقبه، كالجُويني مثلًا لا يَعرفه كثير من الناس باسمه الأول، الغزالي ربما لا يَعْرفون اسمه الأوّل، السيوطي، السرخسي، الزمخشري، السبكي، أمثال هؤلاء، فنبدأ باللقب، ثم نَكتب الاسم بعد ذلك. ويُمكن استخدام هذه الطريقة مع أسماء الأعلام المُحْدَثين إلَّا إذا كانت شُهرتهم بالاسم أكثر؛ بحيث يستطيع القارئ أن يعلَم أنّ هذا الكتاب هو لفلان بن فلان. هذه هي الطريقة الأولى.

الطريقة الثانية: التَّوثيق المُختصَر المُباشِر: وفيها يُكتب في الهوامش في أسفل الصفحة: اسم المؤلف، أو اسم الشُّهرة، ورقم الجزء والصفحة، مثل: الطبري مرة يكتب: تفسير الطبري، مرة واحدة، ثم بعد ذلك: الطبري (1/15)، ابن خلدون (2/324)، القارئ يعْلم أنه يتحدّث عن (مقدّمة ابن خلدون)، “ابن الأثير” يعني: (تاريخ ابن الأثير) (3/210)، وهكذا. الخطيب البغدادي (5/75) يعني: (تاريخ بغداد)، وهكذا. هذه طريقة مُختصرة لا تُذكر فيها كلّ المعلومات، ولكن يُكتفى بما يَدل على الكتاب، دون ذِكْر لكلّ التفصيلات. ثم تَكتَمل هذه الطريقة بأن يَكتب في قائمة المَصادر في نهاية البحث -ليس هنا في أثناء الكتابة، لكن في نهاية البحث- يَكتب جَميع المعلومات على الطريقة التي سبق الحديث عنها. وللباحث أن يَختار الطريقة التي يشاء، ولكن -كما نقول دائمًا- يَلتزم هذه الطريقة التي يَختارها على مَدار البحث كلّه، فلا يَمزِج أو يُزاوج بين الطريقتيْن؛ لأن ذلك دليل على الارتباك وعَدم الوضوح.

هاتان هما الطريقتان: أن تُذكر البيانات كلّها، أو يَذكر ما يدلُّ عليها باختصار وبتَركيز، وكلّ باحث يَختار ما يشاء. البعض يُفضّل أن تُكتب كلّ البيانات كاملة، وبعضهم يُفضل أن تُذكر إشارات إلى تلك البيانات، وفي حُدود مَعْقولة ومُركّزة.

هاتان هما الطَّريقتان المَشهورتان في التوثيق بالهوامش عند ذِكر المصادر.

وهناك طُرق أخرى أقلّ شُهرة وأكثر صُعوبة -ونحن نقول هذه الطُّرق من باب العِلْم بها، وربما يَختارها بعض الباحِثين لا بأس، لكننا نقول إنها طَريقة صَعبة، وطريقة تحتاج إلى مَجهود كبير- من بين هذه الطُّرق الأخرى، غير الطَّريقتيْن المَشهورتيْن السابقتيْن: طَريقة التوثيق بالأرقام فَقط، في الهوامش، وهي طريقة لا تَخلو من صُعوبة؛ لأنها تتطلّب حَصر قائمة جميع المَصادِر والمَراجِع التي رجع الباحث إليها في البحث كلّه، ثم تَرتيب هذه المَصادِر والمَراجِع، ثم إعطاء كلّ مَصدر ومَرجع رقمًا خاصًّا يكون هو المُستعمّل للدلالة على هذا المرجع أو المصدر على طول البحث، وعندئذٍ يُعطي كلّ كتاب رقمًا، لكن بعد أن يُحصي جَميع المَصادِر والمَراجِع. ومعنى ذلك: أنه لا يستطيع أن يَكتب الهوامش في أوّل البحث إلَّا إذا جَمع جَميع المَصادِر والمَراجِع ثم رتَّبها، وأعطى كلّ واحد منها رقمًا، ثم يَكْتفي في الهوامِش بذِكر الرقم.

يقول: (2/75) مثلًا، فالذي يريد أن يعرف (2) أيّ كتاب، يرجع إلى القائمة في آخر البحث لكي يرى رقم (2) يَنطبق على أيّ كتاب، فيعرف منه أنه هو كتاب …، وهكذا. ومن الواضح أنّ هذه الطريقة لا تَخلو من صُعوبة كما بيَّنّا.

ولا بُدَّ من الحَصر لجَميع المَصادِر والمَراجِع، وهذا لا يتمّ إلَّا بعد الانتهاء من البحث؛ فكيف يُمكن أن يُشير إلى مَصادر وإلى مَراجع في أوّل البحث عند الكتابة، وربما يَبدو له كتاب جَديد صَدر وهو يَكتب بحثه، فيحتاج إلى الرجوع إليه؛ فهذا يَحتاج أن يُوضع في تَرتيبه في آخر البحث، ليأخذ رقمًا مَوضع أو محل كتاب آخر، وهذا يُؤدِّي إلى تَغيير كلّ الأرقام التي تأتي عَقب هذا الكتاب، وهذا يؤدِّي إلى تَغيير كلّ الهوامش الموجودة في البحث؛ إذًا هذه طريقة صَعبة جدًّا، ولا يكاد يَلجأ إليها الناس إلَّا في أقلّ القَليل، نسبة لا تكاد تصل -تقديريًّا- إلى نصف في المائة. والذي يَفعل هذا الأمر، يكون مَوضع تَعجّب في بعض الأحيان، ومَوضع سؤال في بعضها الآخر.

بهذه الطُّرق التي تحدثنا عنها، نكون قد تحدّثنا عن كتابة الهوامش على مدار البحث، وعن الطُّرق التي يُمكن استعمالها في هذا الأمر.

ولدينا بعض المراجع التي نذكرها للاستزادة أيضًا، ومنها:

1- (كتابة البحث العلمي)، للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص: 135 – 183)، وقد استغرق صفحاتٍ كَثيرةً جدًّا، ولكنها في معظمها صفحات تطبيقية؛ حيث إنه قدّم نماذج لأسماء كُتب، ولكيفية الكتابة.

2- (كيف تكتب بحثًا أو رسالة)، للدكتور أحمد شلبي، (صـ: 91 – 101).

3- (البحث العلمي)، للدكتورة رجاء دويدري، (صـ: 451 – 453).

4- (أصول كتابة البحث وقواعد التحقيق)، للدكتور مهدي فضل الله، (صـ: 107- 110).

وكل واحد من هؤلاء وضَّح تلك الطُّرق وهذه الوسائل، وقدّم بعض النماذج لتطبيق هذه الطُّرق وهذه الوسائل؛ فالرجوع إليها يُعطي نماذج تَطبيقية يُمكن للباحث أن يَنسج على مِنوالها، وأن يَكتب على غِرارها، ويكون لديه هذه النماذج التطبيقية.

كلّ هذا مما نعتبره من الأمور المُعاونة على كِتابة البحث التي انتقلنا إليها، وأوضحنا كيف تتمّ كتابة البحث من حيث اللغة، ومن حيث الأسلوب، واستخدام علامات الترقيم، وطريقة كتابة الهوامش. وهذا من العُدد، ومن الوسائل التي تُعين الباحث على أن يَكتب كتابة جيّدة. 

error: النص محمي !!